05-أغسطس-2016

من الشريط الدعائي

أصبحت حركة المقاطعة العالميّة لإسرائيل تُشكل اليوم، قلقًا حقيقيًا لحكومة الاحتلال التي وضعت موضوع المقاطعة على سلم أولويات عملها في الخارج سياسيًا وإعلاميًا ضمن استراتيجية جديدة لمحاصرة نشطاء المقاطعة والحد من الضرر اللاحق مع صرف ميزانيّات ضخمة لهذه المواجهة، التي تقع في صلبها معركة على الصورة. ففي الوقت الذي يفضح فيه نشطاء المقاطعة في كل مكان صورة الاحتلال وممارساته اليوميّة التي لا يمكن التستر عليها، تحاول إسرائيل حرف المسار، مستغلة أحداث سياسيّة أخرى لا علاقة لها بفلسطين، إلى مكان آخر من خلال البروباغندا الإعلاميّة التي تبثها قائلة الكثير أيضًا عن استراتيجيتها السياسيّة الجديدة في هذه المعركة.

ولنفهم أكثر هذه الاسترتيجيّة، سنعمد إلى تحليل فيديو انتشر قبل فترة وجيزة على وسائل التواصل الاجتماعي، تقف وراءه مجموعات إسرائيليّة تعمل على تحسين صورة إسرائيل حول العالم، خصوصًا في الغرب، والذي يستهدف بشكل خاص الجمهور الأوروبي، كما هو واضح من هذا العمل البصري الهادف لمواجهة نشاط حركة المقاطعة في أوروبا.

كما يوضح الفيديو أن الحجر المتدحرج يُمثل داعش القادم نحو أوروبا، ومن تمكّن من صدّه ووقفه قبل الوصول، هي إسرائيل القويّة الجبّارة، في نفس الوقت بينما تقوم إسرائيل بصد داعش تُهاجم أوروبا إسرائيل من خلال حملات المقاطعة، عندها تقرر إسرائيل أن تتوقف عن صد داعش الذي يصل أوروبا بعد تنحي إسرائيل ويدمر أوروبا.

اقرأ/ي أيضًا: التلغراف البريطانية.. تحريض على المركز العربي

يُعتبر هذا العمل جزءًا من البروباغندا الإسرائيليّة، فهو منذ البداية حتى النهاية يحمل رسائل ومعلومات مُوجّهة بشكل أُحادي بهدف تغيير مواقف الجمهور من خلال أجندة تخدم صورة إسرائيل المُشوهة بفعل الاحتلال. فإذا أخذنا العنوان "رسالة إسرائيل لأوروبا" وربطناها مع الجملة الأخيرة في الفيديو "إسرائيل تخوض حربكم"، نستدل أنه هناك حرب ضد أوروبا، وإسرائيل هي التي تخوض هذه الحرب بالنيابة عنها، وهي مقولة ليست بجديدة وقيلت منذ السنوات الأولى لتأسيس دولة إسرائيل كمشروع استعمار استيطاني.

 الرسائل التي تحاول إسرائيل قولها همسًا لأوروبا "إما أن تقبلوا بي كما أنا وإمّا الفوضى" هي نفس الرسائل التي قالها النظام السوري لأوروبا خلال سنوات الثورة

مشهد مهم آخر يحمله هذا الفيديو، ففي بدايته يكون الرمز الموجود على الصخرة المتدحرجة لحركة كتائب القسام الذراع العسكري لحماس، ثم تتحول إلى إشارة داعش، وفي هذا ربط بين المقاومة الفلسطينيّة وبين حركة راديكاليّة إرهابيّة في محاولة بعث رسالة أيضًا أن الحركات الإسلاميّة جميعها واحد وهي تهدد أوروبا، القلعة المُوحّدة الهانئة القابعة على أسفل الجبل قرب البحر كما يوضح الفيديو، دائمًا.

الرسالة الأبرز

جاءت الرسالة الأهم والأبرز في الفيديو متعلقة بالتحّول المركزي الذي يحصل في تدحرج الحجر. فليس إيقاف إسرائيل لتدحرج الحجر هو المهم في الفيديو، بل سماح إسرائيل للحجر بالاستمرار بالتدحرج بعد أن أوقفته، وتحطيمه لأوروبا، من باب رد الفعل على مهاجمة أوروبا إسرائيل بحملة المقاطعة.

هنا تمامًا تكمن الفكرة الأساسيّة والمهمّة في هذا الفيديو. فالقضيّة ليست فقط المقولة التقليديّة في أن إسرائيل خط متقدم للغرب في الشرق الأوسط، وواحة الديمقراطية والتقدم في صحراء التخلف العربيّة الإسلاميّة، التي تُحاول دائمًا بثها عن نفسها ويتبنى هذا الخطاب أيضًا أصدقاء كثر لها في الغرب ومستشرقين، بل المقولة الجديدة في هذا الفيديو هو محاولة ربط حركة المقاطعة المدنيّة بداعش.

يُمكن فهم هذا الربط على شكل مساومة، فكأن إسرائيل تقول "إذ لم تتوقفوا عن دعم حركة المقاطعة التي تنشط في أوروبا أو تضعوا لها حد، نحن سنتوقف عن دعم أوروبا في حمايتها من داعش"، ولعل هذا الخطاب يعكس المداولات التي قد تكون جارية بين أروقة السياسيين وأجهزة المخابرات في إسرائيل مع أوروبا، فإسرائيل شريكة بلا شك بتقديم معلومات لأجهزة مخابرات ودول أوروبيّة حول تنظيمات تحمل نوايا لأعمال إرهابيّة في أوروبا، خصوصًا مع تعاظم قوّة داعش وإقدامها على ذلك وهي تعرض هذه الخدمات في الإعلام بعد كل عملية أو تفجير في أوروبا. في نفس الوقت، بات القلق الإسرائيلي واضحًا من نشاط حركة المقاطعة حول العالم، والمساعي الإسرائيليّة في العام الأخير لتجريم حركة المقاطعة في دول عديدة عبر سن قوانين من خلال البرلمان من قبل مؤيدين لها، تشير إلى ذلك القلق الإسرائيلي المتزايد وإلى ردة الفعل العالية التي تنشط فيها الدبلوماسيّة الإسرائيليّة وليس فقط الإعلاميّة.

ولعل الحملة الإعلاميّة الإسرائيليّة "الهاسبراه" تعكس خطاب الحملة الديبلوماسية والسياسيّة، فهي بدأت بتبني خطاب جديد ضد حركة المقاطعة، وهو موازاتها بداعش ومحاولة تجريم عملها، ولعل هذا الخطاب سوف يشتد ويزداد إعلاميًا في الفترة القادمة في محاولة لتغيير آراء الجمهور وثنيهم عن تأييد حركة المقاطعة، كما رأينا في هذا الفيديو الذي تقف ورائه جمعيّة "هالالو" التي تسعى لتنظيم وتوحيد وتقوية الدعاية المؤيدة لإسرائيل حول العالم كما تعرف نفسها في موقعها الإلكتروني.

ولنا هنا أن نقف ونتذكر أيضًا على ضوء محاولة بعض "الزعران" تخريب مؤتمر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات المنعقد في تونس حول استراتيجيات حركة المقاطعة هذه الأيام، أن هذه الرسائل التي تحاول إسرائيل قولها همسًا لأوروبا "إما أن تقبلوا بي كما أنا وإمّا الفوضى" هي نفس الرسائل التي قالها النظام السوري لأوروبا خلال سنوات الثورة، وفي السابق للولايات المتحدة بعد حرب العراق، عبر قنوات مختلفة للقبول بشرعية حكم الأسد كونه يُحارب "الإرهابيين".. ومثار الهزل المحزن أن هناك من يصغي لهذه الرسائل ويتعامل معها بكل جدية ويقبلها.

اقرأ/ي أيضًا: 

عن ندوة المركز العربي لاستراتيجيات مقاطعة الاحتلال

حلب..الصراع على الورقة الرابحة في المعركة