25-سبتمبر-2016

سبق وأن وضحنا من خلال عرض كتاب عزمي بشارة "من يهودية الدولة حتى شارون" بعدي أزمة الديمقراطية في إسرائيل الرئيسيين، فالدولة التي ليست لكل مواطنيها، هي أيضًا دولة لناس كثيرين ليسوا مواطنيها. أما البعد الأول وهو أن إسرائيل دولة ليست لكل مواطنيها، فقد ضربت أمثلة كثيرة عليه وعلى هذا الإقصاء، والفلسطينيون الحاملون للجنسية الإسرائيلية تحديدًا نموذج مباشر وواضح لهذه المواطنة الفارغة. لكن ما نريد تقديمه في هذا المقال هو أمثلة عملية وإجرائية توضح البعد الثاني، أي أن دولة إسرائيل دولة لناس كثيرين ليسوا مواطنيها.

دأبت إسرائيل على التعامل مع يهود العالم، لا بوصفهم حاضنة فقط لمشروعها الاستيطاني ولكن أيضًا كأمة كبرى تنتمي لها سياسيًا ودينيًا

دأبت إسرائيل على التعامل مع يهود العالم، لا بوصفهم حاضنة فقط لمشروعها الاستيطاني (وهذا ادعاء مرفوض فاليهود لا يتوافقون جميعهم مع الحركة الصهيونية) ولكن أيضًا كأمة كبرى تنتمي لها سياسيًا ودينيًا. وتسعى الدولة في إسرائيل إلى التعامل مع هؤلاء اليهود بنفس منطق تعامل الدولة مع سكانها، بما يتضمن جمع الأخبار والمعلومات عنهم، وإحصاؤهم والتواصل معهم. إضافة إلى ذلك تحاول الخطابات الإسرائيلية المتناقضة والمتصارعة إقناعهم.

اقرأ/ي أيضًا: علماء آثار يتساءلون عن حقيقة علمانية إسرائيل

هل هناك دولة في العالم (وإن كانت دولة دينية، تعريفًا ودستورًا وقوانين) تنشغل بتقديم معلومات عن أشخاص آخرين غير مواطنيها ينتمون إلى الدين نفسه، أو إحصاء نسبة عدد المؤمنين بالديانة الغالبة فيها، من إجمالي عدد المنتمين إلى هذا الدين في العالم؟ في إسرائيل، لا يقتصر هذا الانشغال على التعداد فقط. يقدم مركز الإحصاء الإسرائيلي سنويًا معلومات عامة عن الأمة اليهودية (أي كل اليهود في العالم)، وأهمها إحصاء نسبة يهود إسرائيل من إجمالي عدد يهود العالم.

هذا الانشغال الذي يحدث في مؤسسة رسمية إسرائيلية بـ"الأمة اليهودية"، يعبر تعبيرًا كاملًا عن وظيفة بنيوية من وظائف الحركة الصهيونية، ومن وظائف الدولة بعد النكبة، وهي وظيفة إقناع يهود العالم بالانضمام إلى مشروع إسرائيل. ويعبر أيضًا عن اعتقاد إسرائيل والحركة الصهيونية أنهم يمثلون يهود العالم مهما اختلفت جنسياتهم ومرجعياتهم الثقافية والإثنية، وعن الحرص على قياس نجاح مشروع الاستقطاب المذكور، وفوق ذلك فإنه يعبر عن علاقة يهودية الدولة بهوية إسرائيل نفسها. وتعريف إسرائيل للأمة على أساسات دينية.

لا يقتصر الأمر على التعداد، فمعظم الصحف الإسرائيلية يخصص خانة خاصة لأخبار اليهود في العالم، تسميها بعض الجرائد باسم "العالم اليهودي" و"الجالية اليهودية" أحيانًا. و"أخبار اليهود" إلخ. ولا يجد القارئ غرابة إذ يقرأ خبرًا عن افتتاح مطعم جديد في دولة من دول العالم، يستخدم نظام الفصل الغذائي اليهودي "الكاشير". أو عن شخص اعتنق اليهودية، وأي أشياء من هذا القبيل.

اقرأ/ي أيضًا: ضياء جبيلي.. ديانات وقوميات في شخص واحد

وتصرح الرسميات الإسرائيلية بوضوح عن رهانها على الجاليات اليهودية في دعم إسرائيل، خاصة عندما تتعلق الأمور بالانتخابات الأمريكية. يذكر أن مجموعة من الصحف الإسرائيلية خصصت خلال الفترة الماضية أقسامًا كاملة على صفحاتها ومواقها لمتابعة أخبار الانتخابات الأمريكية.

ضمن ما تمت الإشارة إليه في الأعلى فإن إسرائيل تتعامل ببساطة مع اليهود في العالم، كجاليات إسرائيلية لا يهودية؛ قد تشعر أي دولة (إن كانت تعرف نفسها على أساسات دينية) بالانتماء إلى تجمعات دينية عابرة للقوميات، (ترديد مقولة الأمة الإسلامية مثلًا) لكن الحالة في إسرائيل لا تتشابه مع هذه النماذج. فإسرائيل لا تقدم نفسها جزءًا من الأمة اليهودية، ولكنها تتعامل مع اليهود في العالم كجاليات إسرائيلية متفرقة في دول مختلفة، بينما تظل إسرائيل هي الدولة الأم. ما معناه أن هذا التخيل الاستعماري عن اليهود يفترض أن إسرائيل هي الأمة، وأن اليهود في العالم، هم من ينتمون أو عليهم الانتماء لها، وليس العكس! ضمن ما ورد، فإن كل يهودي في العالم في نظر إسرائيل، هو جزء من "الأمة الإسرائيلية" حتى ولو لم ينتمِ إليها أو لم يزرها في حياته.

تستخدم إسرائيل هذه العلاقة، من أجل التأكيد على يهوديتها. حيث توضح من خلال هذا التعامل أن المواطنة ليست شرطًا للانتماء إلى "الأمة الإسرائيلية"، وفي نفس الوقت، فإن المواطنة وحدها لا تكفي من أجل هذا الانتماء (وهذا ينطبق على المواطنين غير اليهود في إسرائيل والفلسطينيين تحديدًا). بهذه الطريقة يتم تفريغ مفهوم المواطنة الإسرائيلية من معانيه جميعها. ويصبح شرط الانتماء الحقيقي للدولة هو الانتماء إلى الأمة اليهودية والدين اليهودي وليس امتلاك المواطنة الإسرائيلية.

اقرأ/ي أيضًا:

لقد مات إيلي ويزل

كيف أصبح الدولار حاملًا للمشروع الصهيوني؟