إسرائيل تهدّد بغزو برّي في لبنان.. مخطّط المنطقة العازلة إلى التنفيذ؟
3 مارس 2026
دخلت الجبهة اللبنانية من جديد على خط المواجهة المفتوحة، بعد تبنّي حزب الله رسميًا ليل الأحد – الإثنين عملية إطلاق ستة صواريخ من الجنوب باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما تبعها من ليل دامٍ على الضاحية الجنوبية لبيروت وقرى البقاع والجنوب، أدّى إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى.
استغلّت إسرائيل الحادثة لإعلان شنّ حرب واسعة مفتوحة ضد الحزب، وإن كانت لم تتوقف عن الانتهاكات والخروقات اليومية منذ اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. بل إنها تلوّح منذ أشهر بتوسيع عملياتها في لبنان، مهدّدة بحرب واسعة.
غزو برّي
بالتوازي مع إعلانها عن عمليات قد تستمر لأيام في لبنان، هدّدت إسرائيل في الساعات الماضية باجتياح برّي، حيث نقلت وكالة "رويترز" عن متحدث عسكري إسرائيلي، ردًا على سؤال حول ما إذا كانت إسرائيل تفكّر في غزو بري للبنان، قوله: "كل الخيارات مطروحة على الطاولة".
من جهتها، أفادت صحيفة "هآرتس" بأن "الجيش الإسرائيلي يدرس تنفيذ عملية داخل لبنان لإنشاء خط دفاعي".
وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي نداف شوشاني قد أعلن أن "إسرائيل عززت وجودها العسكري على جانبها من الحدود مع لبنان"، مشيرًا إلى أنه "لا توجد خطط فورية لاجتياح برّي".
وكان لافتًا الإنذار الذي وجّهه الجيش الإسرائيلي ليل الإثنين إلى ثلاثين قرية جنوبية بضرورة الإخلاء، وجميعها تقع عند الحافة الأمامية. ولا سيما أنه أرفق الإنذار بخريطة تُظهر هذه القرى، التي تشكّل حزامًا متواصلًا من البحر وصولًا إلى القطاع الشرقي، ما يعزّز الشكوك حول احتمال الإقدام على عمل برّي.
لا تخفي إسرائيل نواياها بخلق منطقة عازلة على طول حدودها الشمالية، في الجنوبين اللبناني والسوري، وهو ما ترجمته عمليًا بتحويل قرى الحافة الأمامية إلى بلدات خالية بالكامل من السكان، بل وغير قابلة للحياة
منطقة عازلة
لا ينفصل التلميح الإسرائيلي بدخول الأراضي اللبنانية عن احتلاله نقاطًا استراتيجية في الجنوب ورفضه الانسحاب منها بعد إعلان وقف النار. مع الإشارة إلى أن هذه النقاط لا تقتصر على خمسة مواقع، بل تتجاوز عشرة مواقع، إضافة إلى الجانب اللبناني من جبل الشيخ، حيث عمد الجيش الإسرائيلي إلى شق طرقات من الجهة اللبنانية تصل مرصده السابق على قمة الجبل بالنقطة السورية التي احتلها بعد سقوط نظام الأسد في سوريا.
ولا تخفي إسرائيل نواياها بخلق منطقة عازلة على طول حدودها الشمالية، في الجنوبين اللبناني والسوري، وهو ما ترجمته عمليًا بتحويل قرى الحافة الأمامية إلى بلدات خالية بالكامل من السكان، بل وغير قابلة للحياة، بعدما نفّذت عمليات تفخيخ ضخمة نسفت خلالها أحياء برمّتها.
وجاء طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول منطقة اقتصادية في جنوب لبنان استكمالًا لهذا المخطط، الذي حضر على طاولة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل عبر "الميكانيزم"، بل كان الطبق الأساس.
بالتوازي، مُنعت عمليات إعادة الإعمار رغم مرور أكثر من عام على وقف النار، في ظل منع السكان من العودة إلى منازلهم واستهداف ممنهج للآليات الهندسية منعًا لأي عمليات بناء.
فهل يستغل الإسرائيلي ذريعة الصواريخ لاستكمال مخططه بدخول واسع إلى لبنان تكريسًا لهذه المنطقة العازلة؟
نحو جنوب الليطاني؟
يشير العميد الركن المتقاعد أندريه أبو معشر إلى أن خيار التوغّل البرّي والوصول إلى جنوب الليطاني قد يكون أحد السيناريوهات التي تحضّر لها إسرائيل، إلا أن إطلاقها مثل هذه العملية الآن، في ظل أوج الاشتباك مع إيران، أمر صعب عسكريًا.
ويضيف في تصريح لموقع "الترا صوت": "لا أعتقد أن إسرائيل في هذه اللحظة تحديدًا قد تفكّر بتوسيع العمليات العسكرية والاتجاه نحو خيارات غير محسوبة وغير مضمونة النجاح"، لافتًا إلى أن "الضربات الجوية شيء، والتوغّل البرّي شيء آخر كليًا، لا سيما أن إسرائيل مستمرة في طلعاتها الجوية وعمليات الاغتيال والاستهداف من دون أي عوائق".
إلا أن أبو معشر يشير إلى أن "ما تقوم به إسرائيل لا تحدّه ضوابط أو قواعد، وطالما أنها تمتلك كل هذا الهامش من العمل، علينا أن نكون حذرين تجاه أي عمل قد نورّط أنفسنا به".
ويتابع: "إسرائيل تمتلك القدرات والخيارات للذهاب إلى أبعد مما نتوقعه، ولا قيود عليها. فلا الولايات المتحدة الأميركية ستمنعها، ولا يوجد أي رادع أخلاقي أو قانوني أو عسكري يمكن أن يؤدي إلى الوقوف بوجهها وحرمانها من تحقيق نواياها العدوانية"، مستطردًا: "قد يكون هناك توغّل برّي، وقد تواجه مقاومة وتتحمّل خسائر، إنما السؤال في المحصلة النهائية: هل نستطيع وقف هذه القوة العسكرية اللامتناهية بمجرد إطلاق صواريخ؟"
"صواريخ الموقف"
أمام هذا الواقع، يعلّق أبو معشر على تطورات الساعات الأخيرة بالقول: "الصواريخ التي أطلقها حزب الله هي صواريخ موقف أكثر من كونها صواريخ حسم عسكري، ولن تؤدي إلى إلزام إسرائيل بوقف العمليات. في حين أن أي عمل عسكري يجب أن تكون له غايات تخدم السياسة العامة، ويُفترض بحزب الله أن يوضح للبنانيين ما هي الغايات السياسية والنهائية لهذا الاستخدام العسكري للوسائل القتالية. ولا نرى أن الفعل يوازي حجم التحديات أو سيؤدي إلى الغايات النهائية المرجوّة منه".
يواجه لبنان أيامًا عصيبة، بل خطرًا وجوديًا لا يقيم وزنًا لخرائط وحدود ودول، بعدما أصبح جزءًا من رقعة المواجهة الإقليمية الكبرى
مقاومة بـ"الجينات"
بالتوازي، يشدد أبو معشر على أنه "لا يجوز في أي لحظة أن نشكّك بالعقيدة القتالية لدى الشعب والشباب اللبناني، وخصوصًا الجنوبي المتمسك بأرضه وعقيدته ضد العدو الإسرائيلي. فالقتال ضد العدو متجذّر لدى اللبنانيين، وهذا الأمر ليس موضع تشكيك. ولكن هل هذا وحده يكفي لتحقيق الانتصار؟"
وفيما يعتبر أن "إسرائيل لا تحتاج إلى مبرّر"، يحذّر، انطلاقًا من المعطيات العسكرية، من أن "إسناد جبهة إيران سيفضي إلى النتائج نفسها التي شهدناها في جبهة إسناد غزة، إذ لم يتغيّر شيء في المشهد الجيوسياسي سوى ازدياد التعنّت الإسرائيلي".
ويشير إلى أن استهداف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يعني أن المواجهة مفتوحة حتى النهاية، أو كما يصفها الإسرائيلي بأنها معركة "النصر الحاسم".
خطر وجودي
يواجه لبنان أيامًا عصيبة، بل خطرًا وجوديًا لا يقيم وزنًا لخرائط وحدود ودول، بعدما أصبح جزءًا من رقعة المواجهة الإقليمية الكبرى.
ورغم قرارات الحكومة اللبنانية بحظر النشاطات العسكرية لحزب الله، والتوجيهات بحصر فوري للسلاح شمال الليطاني، يبقى السؤال: هل سترتدع إسرائيل فعليًا وتوقف حربها؟