إسرائيل تقلّص استخدام منظوماتها الاعتراضية المتقدمة
29 مارس 2026
باتت الحرب على إيران اختبارًا لأنظمة الدفاع الجوي، وليس للصواريخ فقط. فمع استمرار القصف اليومي، تتراجع أهمية التفوق التكنولوجي أمام حقيقة بسيطة هي أن كل صاروخ يُعترض يكلّف أكثر مما يكلّف إطلاقه. وأن كل منظومة، مهما بلغت دقتها، لها حدّ استنزاف واضح.
وفي ظل هذا التوازن المختل، تبدأ الفجوات بالظهور كنتيجة متوقعة لضغط الاستنزاف المستمر، وليس لأي سبب مفاجئ.
وفي هذا السياق، بدأت إسرائيل تقنين استخدام صواريخها الاعتراضية المتطورة، في محاولة للحفاظ على مخزونها من أكثر أنظمة الدفاع كفاءة، في ظل استمرار الهجمات الصاروخية الإيرانية اليومية التي لم تهدأ منذ أربعة أسابيع من الحرب.
وفي هذا السياق، أفادت "وول ستريت جورنال" نقلًا عن مصادر بأن صاروخين باليستيين إيرانيين أصابا بشكل مباشر بلدتي ديمونة وعراد، بعدما حاولت إسرائيل اعتراضهما باستخدام نسخ معدّلة من ذخائر أقل تطورًا، إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل.
وذكرت منصة سيمافور الإخبارية أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة، قبل أيام، بأنها تعاني من نقص حاد في أنظمة اعتراض الصواريخ الباليستية مع استمرار الصراع مع إيران
وبحسب المعطيات، اعتمدت إسرائيل بشكل كبير خلال الحرب الحالية، وكذلك في المواجهة مع إيران في حزيران/يونيو الماضي، على صواريخ "آرو" المتطورة لاعتراض الصواريخ الباليستية. إلا أنها لجأت مؤخرًا إلى استخدام نسخ مطوّرة من منظومة "مقلاع داوود"، المصممة أساسًا لاعتراض الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، لمحاولة التعامل مع تهديدات أكبر وأبعد مدى، مع نتائج متباينة.
سباق استنزاف بين الطرفين
يعكس هذا التحول في استخدام الذخائر حجم الضغط الذي تواجهه الجيوش في المنطقة، في ظل استنزاف سريع لأسلحة باهظة الكلفة وصعبة التصنيع، مقابل هجمات تعتمد على صواريخ وطائرات مسيّرة منخفضة الكلفة تُنتج بكميات كبيرة.
ورغم أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمكنتا من تدمير جزء من قدرات إيران الصاروخية، فإن تلك القدرات لم تُقضَ عليها بالكامل، ما يجعل الحرب، في أحد أوجهها، سباقًا لمعرفة أي طرف سينفد مخزونه أولًا.
وتشير تقديرات نقلتها صحيفة واشنطن بوست إلى أن القلق من تراكم الترسانة الصاروخية الإيرانية، وقدرتها المحتملة على إغراق منظومات الدفاع الإسرائيلية عبر إطلاق كثيف، كان أحد العوامل التي دفعت نحو تجديد المواجهة، في ظل قناعة بأن هذه الأنظمة، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع الصمود أمام آلاف الصواريخ إذا أُطلقت ضمن زمن محدود.
وفي هذا الإطار، قال المحلل العسكري تال إنبار، من "تحالف الدفاع الصاروخي" في الولايات المتحدة، إن "عدد الصواريخ الاعتراضية من كل نوع محدود، ومع استمرار القتال يتناقص هذا العدد، ما يفرض حسابات أكثر دقة بشأن كيفية استخدامها".
وتشير التقديرات إلى أن إيران أطلقت أكثر من 400 صاروخ ومئات الطائرات المسيّرة منذ بداية الحرب، ورغم أن وتيرة الهجمات كانت أعلى في الأيام الأولى، فإنها لا تزال مستمرة بمستوى شبه ثابت، مع تصاعد إضافي نتيجة إطلاق عشرات المقذوفات يوميًا من قبل "حزب الله".
حسابات معقّدة لكل اعتراض
أمام كل صاروخ، يضطر المسؤولون إلى اتخاذ قرار سريع: إما تركه يسقط في مناطق غير مأهولة، أو اعتراضه، وتحديد أي منظومة دفاعية يجب استخدامها، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة الحفاظ على المخزون لمواجهة تهديدات مستقبلية محتملة.
ويعتمد نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي متعدد الطبقات، الذي طُوّر جزء كبير منه بالتعاون مع الولايات المتحدة، على منظومات مختلفة لمواجهة أنواع متعددة من التهديدات.
في الطبقة الدنيا، تُستخدم منظومة "القبة الحديدية" لاعتراض الصواريخ قصيرة المدى، بتكلفة تصل إلى عشرات آلاف الدولارات لكل صاروخ اعتراضي. تليها منظومة "مقلاع داوود"، القادرة على التعامل مع الصواريخ الأطول مدى والصواريخ الباليستية التكتيكية وصواريخ كروز.
أما في الطبقة العليا، فتوجد منظومة "آرو 3"، المصممة لاعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى خارج الغلاف الجوي، وتُعد من بين الأكثر تطورًا في العالم، إلى جانب النسخة الأقدم "آرو 2" التي لا تزال تُستخدم لمواجهة التهديدات متوسطة وبعيدة المدى.
تحديثات تقنية لمحاولة سد الفجوة
دخلت إسرائيل هذه الحرب بمخزون متراجع من صواريخ "آرو"، نتيجة استهلاكها خلال المواجهة السابقة في حزيران/يونيو.
وكانت منصة سيمافور الإخبارية قد ذكرت نقلًا عن مسؤولين أميركيين مطلعين أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة قبل أيام بأنها تعاني من نقص حاد في أنظمة اعتراض الصواريخ الباليستية مع استمرار الصراع مع إيران.
وتعمل أنظمة الدفاع الجوي على تقدير مسارات الصواريخ القادمة باستخدام أجهزة استشعار مثل الرادارات، ثم توصي بالمنظومة الأنسب للاعتراض.
وفي محاولة لتوسيع الخيارات، أجرت إسرائيل تعديلات على أنظمتها، بما في ذلك تحديثات برمجية تهدف إلى تمكين المنظومات الأدنى من التعامل مع تهديدات أطول مدى. كما خضعت منظومة "مقلاع داوود" لسلسلة من التحديثات والاختبارات قبيل الحرب لتوسيع نطاق عملها.
ضربات مباشرة تثير القلق
وأثار سقوط صاروخ إيراني في مدينة ديمونة، التي تضم المنشأة النووية الرئيسية لإسرائيل، إلى جانب صاروخ آخر سقط في ساحة مبنى سكني قديم في مدينة عراد القريبة، حالة من القلق داخل إسرائيل، في ظل تزايد المخاوف من قدرة بعض الصواريخ على اختراق منظومات الدفاع الجوي.
تحوّل تكتيكي إيراني يقلّص العدد ويزيد الأثر
وأفاد محللون عسكريون ومسؤولون أميركيون سابقون بأن إيران غيّرت تكتيكها، فانتقلت إلى إطلاق الصواريخ من عمق أراضيها باستخدام صواريخ أطول مدى، بعد أن تسببت الضربات الأولى في تدمير قواعد ومنصات إطلاق قرب ساحل الخليج.
ورغم تراجع عدد الصواريخ المطلَقة يوميًا إلى عشرات قليلة مقارنة بالمئات في بداية الحرب، فإن إيران باتت تستهدف مواقع أقل تحصينًا داخل إسرائيل ودول الخليج، ما أدى في بعض الحالات إلى إحداث أضرار أكبر.
أهداف إيرانية: إطالة الحرب ورفع الكلفة
وتشير التقديرات إلى أن هذه الاستراتيجية سمحت لإيران بتحقيق مجموعة من أهدافها، من بينها إطالة أمد الحرب، ورفع الكلفة الاقتصادية على دول الخليج المصدّرة للنفط وعلى الولايات المتحدة، إضافة إلى الحفاظ على قدراتها العسكرية للاستمرار في المواجهة.