إسرائيل تستخدم الغاز كسلاح: الاتفاق مع القاهرة أداة ابتزاز سياسي واقتصادي
5 نوفمبر 2025
في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2025، أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين، بشكل صريح عن تجميد اتفاق الغاز الموقع مع مصر، مبررًا ذلك بخلافات حول آليات التسعير المحلي. وأكد كوهين، في بيان صادر عن مكتبه، أن تل أبيب "لن تمضي قدمًا في الصفقة قبل ضمان سعر عادل للسوق الداخلية وضمان تلبية الطلب المحلي بشكل كامل".
وكانت القاهرة قد وقعت مع حكومة الاحتلال في آب/أغسطس الماضي، وفي ذروة العدوان الإسرائيلي على غزة، اتفاقية ضخمة لتصدير نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر، بقيمة تُقدّر بحوالي 35 مليار دولار حتى عام 2040. ووصف وزير الطاقة الإسرائيلي هذه الصفقة بأنها "الأكبر في تاريخ بلاده".
إلا أن هذه الصفقة أثارت حينها غضبًا واسعًا في الشارع المصري والعربي، حيث اعتبرها كثيرون خروجًا عن الإجماع المناهض للاحتلال. من جانبها، حاولت الحكومة المصرية تهدئة هذا الغضب بالإشارة إلى أن الاتفاقية ليست جديدة، بل امتداد لاتفاق 2018، في محاولة لنزع البُعد السياسي عنها وتقليل حجم الانتقادات التي وضعت القاهرة في موقف متناقض بين خطابها الداعم للفلسطينيين وبين تعاملها الاقتصادي مع تل أبيب.
واليوم، في ظل دعوات الشارع المصري لإعادة النظر في هذه الاتفاقية، تأتي خطوة تل أبيب بتجميد الصفقة لتزيد من توتر الأجواء، بما في ذلك مع واشنطن، فقد دفع ذلك وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، إلى إلغاء زيارته المقررة إلى تل أبيب، لتتسع بذلك دائرة التساؤلات حول خلفيات هذا التعليق: هل هو جزء من مناورة تفاوضية؟ أم محاولة لتوظيف الورقة الاقتصادية في صراع سياسي؟
كانت القاهرة قد وقعت مع حكومة الاحتلال في آب/أغسطس الماضي، وفي ذروة العدوان الإسرائيلي على غزة، اتفاقية ضخمة لتصدير نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر، بقيمة تُقدّر بحوالي 35 مليار دولار حتى عام 2040
تسييس ملف الغاز
منذ اندلاع حرب غزة، بدا ملف تصدير الغاز إلى مصر أكثر من مجرد اتفاقية اقتصادية؛ فقد تحول تدريجيًا إلى أداة ضغط سياسية استراتيجية، حيث استخدمت تل أبيب هذا الملف مرارًا لتوجيه رسائل سياسية أو لإعادة رسم التوازنات في المنطقة، مستغلة ذريعة الأمن الداخلي أو إعادة تقييم الأسعار أو الصيانة الدورية، فيما تكشف سلسلة الأحداث عن نمط واضح في السياسة الإسرائيلية تجاه القاهرة.
في أيلول/ سبتمبر 2025، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بشكل مفاجئ عزمه إعادة النظر في اتفاقية الغاز مع مصر، مبررًا ذلك بالتحركات العسكرية المصرية في سيناء، واصفًا إياها بأنها تهديد مباشر للملحق الأمني لاتفاقية السلام.
جاء الرد المصري سريعًا وحازمًا، حيث حذّر رئيس هيئة الاستعلامات، ضياء رشوان، من أن "أي مساس بالاتفاق سيترتب عليه تداعيات اقتصادية كبيرة على إسرائيل، إلى جانب انعكاسات سياسية خطيرة"، مشددًا على أن "مصر ليست معتمدة على مصدر وحيد للطاقة، وأن لديها بدائل متعددة تشمل فتح قنوات للتعاون مع قبرص ودول أخرى لاستيراد الغاز".
لكن هذه الخطوة لم تكن الأولى. ففي حزيران/ يونيو الماضي، أوقفت إسرائيل إنتاج الغاز من حقولها البحرية بحجة تهديدات أمنية مرتبطة بتصاعد التوتر الإقليمي مع بداية ضرباتها ضد إيران، ما أدى إلى توقف الإمدادات لمصر بشكل كامل، قبل أن تُستأنف بعد أسبوعين فقط.
هذه الوقائع المتكررة لم تكن عشوائية، بل تشكل جزءًا من سياسة إسرائيلية مدروسة لتحويل ملف الغاز من قضية اقتصادية محضة إلى أداة ضغط استراتيجية، تستغل فيها تل أبيب مواقع القوة والنفوذ لفرض شروطها السياسية على القاهرة.
النمط بات واضحًا، تتراوح الذرائع بين مخاطر حزب الله أو إيران على الحقول البحرية، ومتطلبات الصيانة، وإعادة تقييم الأسعار المحلية لتلبية الطلب الداخلي، لكن الهدف النهائي هو تحجيم قدرة مصر على المناورة الاقتصادية والسياسية، وخلق ضغط مستمر يجعل القاهرة في موقف دفاعي أمام ضغوط متعددة الأبعاد.
وفي هذا السياق، يتضح أن ملف الغاز لم يعد مجرد مورد طاقة، بل أصبح ساحة صراع سياسية دقيقة، تعكس حجم التحديات الاستراتيجية التي تواجهها مصر في تحقيق التوازن بين مصالحها الاقتصادية والالتزام بمواقفها السياسية تجاه القضية الفلسطينية.
ابتزاز القاهرة
من الواضح أن إسرائيل كانت المستفيد الأكبر من صفقة الغاز مع مصر، إذ اعتبرتها أداة رئيسية لتعويض العجز المالي الذي خلّفته الحرب وتكاليفها الباهظة على الاقتصاد الإسرائيلي، فقد شكلت الصفقة وسيلة لتقليص فجوة الخسائر المتراكمة لأكثر من عامين، كما تمكنت تل أبيب من فرض معظم شروطها أثناء صياغة الاتفاق، أبرزها إلغاء بند يتيح لمصر خفض كميات الاستيراد في حال تراجع سعر خام برنت إلى أقل من 50 دولارًا للبرميل.
هذا التعديل ألزم القاهرة بدفع قيمة الغاز وفق الأسعار الحالية، حتى في حال انخفاض الأسعار عالميًا أو تراجع الطلب المحلي، ما منح الجانب الإسرائيلي حماية مالية مضمونة، كما تضمن الاتفاق بند "Take or Pay"، الذي يلزم شركة "بلو أوشن إنرجي" — ممثل الجانب المصري — بدفع قيمة الكميات المتعاقد عليها سواء تم استلامها فعليًا أم لا، ما جعل مصر ملزمة بتحمل التزامات مالية ثابتة حتى في حال عدم حاجتها للغاز.
ورغم المكاسب الاقتصادية الواضحة لإسرائيل من الصفقة، واستراتيجيتها المهمة للطرفين، فضلت تل أبيب الحساب السياسي على الاقتصادي، مستثمرة الاتفاق كورقة ضغط لإخضاع القاهرة لمواقفها، متجاهلة مصالحها الاقتصادية المباشرة ومصالح حليفها الأميركي، وهو ما أثار استياء واشنطن التي كانت من أبرز الداعمين لهذه الصفقة منذ البداية.
من هنا فمن الخطأ النظر إلى تعامل إسرائيل مع ملف الغاز تجاه مصر باعتباره قضية اقتصادية بحتة؛ فتل أبيب تاريخيًا توظف مواردها وثرواتها الطبيعية كأدوات للسياسة، لا كغاية اقتصادية مستقلة، وفي هذا الملف تحديدًا، تُستخدم صادرات الغاز كورقة ابتزاز سياسي تهدف إلى انتزاع أكبر قدر من المكاسب والضغط على القاهرة للتماهي مع الإملاءات الإسرائيلية، مستغلة نقاط الضعف الاقتصادية والسياسية لتحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز حدود السوق والطاقة.
ورغم تعقيد العلاقات بين القاهرة وتل أبيب اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا في السنوات الأخيرة، فإن إسرائيل وظفت اتفاق الغاز كورقة ضغط استراتيجية، فهي تسعى إلى فرض أقصى درجات النفوذ على مصر في قضايا حساسة مثل ملف تهجير سكان غزة، وهو خط أحمر للأمن القومي المصري، إضافة إلى اعتبارات التواجد العسكري المصري في سيناء الذي تعتبره مصدر قلق رغم التنسيق الأمني المستمر.
وعلى مستوى أعمق، ترى تل أبيب في اتفاقات الطاقة منصة لتعزيز موقعها كلاعب مركزي في شرق المتوسط، مستفيدة من مرور الغاز عبر مصر لإعادة تصديره، بما يكرس عمليًا دورها داخل المنظومة العربية المتوسطية ويمنحها مساحة تفاوض مع العواصم الغربية، موصلة رسالة مفادها أن أي ضغط سياسي على إسرائيل قد يؤثر مباشرة على أمن الطاقة الإقليمي، ما يحول الغاز من سلعة اقتصادية إلى أداة نفوذ سياسي وسلاح تفاوض استراتيجي.
أميركا تدافع عن مصالحها
أثار التصعيد الإسرائيلي المتكرر بشأن اتفاق الغاز مع مصر استياءً واضحًا في واشنطن، التي رأت في هذه الخطوة تجاوزًا لحدود تداخل المصالح الاقتصادية الأميركية في المنطقة، فقد اعتبرت الإدارة الأميركية أن مماطلة تل أبيب في إقرار الاتفاق وعدم وضوح آليات التسعير الداخلي تمثل مساسًا مباشرًا بمصالحها الإستراتيجية في شرق المتوسط، الأمر الذي دفعها لإلغاء زيارة وزير الطاقة كريس رايت إلى إسرائيل كإشارة احتجاجية سياسية واضحة.
بالنسبة لواشنطن، فإن المصالح تبقى المحدد الرئيسي لسلوك أي إدارة أميركية تجاه الحلفاء والخصوم على حد سواء، بما في ذلك إسرائيل نفسها، فالدعم الأميركي لإسرائيل على مدى الإدارات المختلفة لم يكن دعمًا مجانيًا أو عاطفيًا، بل وظفته واشنطن لتعظيم عوائدها الاستراتيجية والاقتصادية.
ترى تل أبيب في اتفاقات الطاقة منصة لتعزيز موقعها كلاعب مركزي في شرق المتوسط، مستفيدة من مرور الغاز عبر مصر لإعادة تصديره، بما يكرس عمليًا دورها داخل المنظومة العربية المتوسطية
ولأن الولايات المتحدة تنظر إلى غاز شرق المتوسط كركيزة للتنويع وتأمين الإمدادات وبناء نفوذ جيوسياسي يتفوق على مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، فإن تعطيل اتفاق الغاز المصري الإسرائيلي يضر مباشرة بمشروع "IMEC" الهندي – الأوروبي الذي تراهن عليه واشنطن.
إذ يفترض أن يشكل الغاز القادم عبر مصر وإعادة تصديره منها دعمًا عمليًا لمكانة البلدين كركيزتي طاقة محوريتين داخل مسار هذا الممر، كما أن استمرار التعطيل يهدد ثقة المستثمرين ويؤخر البنى الفرعية للمشروع، وهو ما حذر منه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
ووفق "أسوشيتد برس"، فإن الخطوة الإسرائيلية لا تقف عند البعد الاقتصادي فقط، بل قد تتسبب في مزيد من التوتر في علاقاتها مع مصر والولايات المتحدة، وهما الطرفان الأساسيان في جهود تثبيت وقف إطلاق النار مع غزة. لذلك يرجح أن تمارس واشنطن ضغطًا متزايدًا على تل أبيب لإعادة تفعيل الاتفاق وتسريع استئناف التدفقات الغازية نحو مصر دون إبطاء أو مناورة إضافية.
القاهرة بين البدائل والحرج
لا شك أن تهديد إسرائيل بتجميد الاتفاق سيواجه مقاومة وضغطًا أميركيًا واضحًا، خصوصًا في ظل قدرة القاهرة على تنويع مصادر الحصول على الغاز وعدم ارتهانها لمورد واحد، إلا أن مجرد لجوء تل أبيب إلى التلويح بوقف الاتفاق — حتى لو تراجعت عن ذلك لاحقًا — وضع مصر في موقف بالغ الحساسية سياسيًا وأخلاقيًا.
فإسرائيل لم تكتفِ بإبرام صفقة ضخمة أثناء ذروة حرب الإبادة في غزة، بل ذهبت خطوة أبعد عبر استخدام الاتفاق ذاته كسلاح لإخضاع القاهرة وتعاملت معه كما لو أنه ملكية أحادية تمنحها القدرة على فرض قواعد اللعبة لا بوصفه إطارًا تعاقديًا بين شريكين متكافئين.
وبناءً على ذلك، يتضح أن حسابات تل أبيب لم تكن اقتصادية في المقام الأول، بقدر ما كانت تهدف إلى إحراج مصر وإبقاء صورتها كطرف تابع لا كند وشريك، حيث يدرك الإسرائيلي أن الوضع الاقتصادي المصري الراهن يمنحها مساحة مناورة واسعة للضغط والابتزاز، لذلك حولت الاتفاق إلى ورقة تهديد قابلة للتفعيل أو التعطيل وفق ما يخدم مصالحها هي وشروطها السياسية الخاصة، في رسالة مباشرة مفادها أن قرار استمرار الصفقة لا تصنعه القاهرة وحدها، وأن مصر مضطرة للتعامل مع الاتفاق باعتباره أمرًا واقعًا مفروضًا لا خيارًا سياديًا مفتوحًا.