إسرائيل تختبر التفاهمات بالصواريخ ولبنان بلا موقف موحد
16 يناير 2026
في ظل استمرار التوتر الأميركي–الإسرائيلي مع إيران، وتواصل الحرب على قطاع غزة، شهد لبنان خلال الساعات الماضية تصعيدًا عسكريًا إسرائيليًا متدرّجًا، شمل تهديدات علنية وإنذارات إخلاء أعقبها تنفيذ غارات جوية في عدد من المناطق، ولا سيما في البقاع الغربي وجنوب البلاد. وترافقت هذه التطورات مع تحليق مكثّف للطيران المسيّر واستهداف مواقع متفرقة، في وقت تسود فيه حالة من الترقب والقلق لدى السكان، على خلفية التطورات الميدانية المتسارعة وانعكاس التوترات الإقليمية على الساحة اللبنانية، وذلك في ظل انقسام سياسي داخلي وغياب موقف رسمي لبناني موحّد، وسط شكوك واتهامات إسرائيلية بعدم قدرة الجيش اللبناني على بسط سيطرته الكاملة على جنوب لبنان.
أصدر المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، مساء أمس، إنذارًا عاجلًا إلى سكان جنوب لبنان، وتحديدًا في بلدة سحمر في البقاع الغربي، أعلن فيه أن الجيش الإسرائيلي سيهاجم "بنى تحتية عسكرية تابعة لحزب الله" خلال وقت قريب، بزعم التعامل مع ما وصفه بـ"محاولات محظورة لإعادة إعمار أنشطته في المنطقة". ودعا البيان سكان المبنى المحدد باللون الأحمر على الخريطة المرفقة، إضافة إلى المباني المجاورة له، إلى إخلائها فورًا والابتعاد عنها لمسافة لا تقل عن 300 متر.
وبعد نحو ساعتين، جدّد المتحدث باسم جيش الاحتلال إنذارًا مماثلًا، هذه المرة في بلدة مشغرة في البقاع الغربي، مهددًا بقصف مبنيين سكنيين قال إنهما يُستخدمان من قبل حزب الله، ومطالبًا السكان بإخلائهما فورًا.
يعكس هذا التصعيد المتدرّج على الساحة اللبنانية هشاشة التفاهمات القائمة، ويؤكد أن الجنوب اللبناني بات مجددًا في دائرة الاستهداف العسكري الإسرائيلي ضمن سياق إقليمي متوتر
وعقب هذه التهديدات، نفّذت طائرات مسيّرة إسرائيلية غارات استهدفت المباني التي جرى التهديد بقصفها في بلدتي سحمر ومشغرة، حيث شنّ الطيران المسيّر عدة غارات مباشرة، فيما نفّذ الطيران الحربي لاحقًا غارات بصاروخين على بلدة مشغرة، مستهدفًا المبنيين المهددين.
وفي سياق متصل، شنّت الطائرات الإسرائيلية غارات استهدفت تلال بلدة بريصا في جرود الهرمل شرق لبنان، كما استهدفت، على دفعتين، وادي نهر العاصي في منطقة الهرمل.
وفي جنوب لبنان، أغار الطيران المسيّر الإسرائيلي، مساء أمس، بصاروخين على سيارة بين بلدتي زوطر الشرقية وميفدون. وأعلن جيش الاحتلال لاحقًا أنه "قضى على عنصر تابع لحزب الله" قال إنه كان "يعمل على إعادة إعمار بنى تحتية عسكرية" في المنطقة، معتبرًا أن هذا النشاط يشكّل "انتهاكًا فاضحًا للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان"، وفق تعبيره.
وفي تطور آخر، أفادت وزارة الصحة اللبنانية، صباح اليوم، باستشهاد شخصين في غارتين إسرائيليتين استهدفتا بلدتي المنصوري وميفدون في جنوب لبنان، فيما أُصيب شخص بجروح جراء غارة استهدفت سيارة في بلدة المنصوري التابعة لقضاء صور.
ويأتي هذا التصعيد في ظل استمرار تحليق الطيران المسيّر الإسرائيلي بشكل مكثف في الأجواء اللبنانية، وإلقاء قنابل صوتية وضوئية فوق القرى الأمامية في جنوب لبنان، ما يفاقم حالة التوتر والقلق لدى السكان، وسط مخاوف من توسّع رقعة المواجهة في ظل اشتعال الجبهات الإقليمية.
وفي هذا السياق، أفادت القناة 13 العبرية بأن "إسرائيل" لا تزال في حالة تأهّب قصوى على خلفية التوتر مع إيران، مشيرةً إلى استمرار المناقشات الأمنية داخل القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية. كما أعلنت بلدية عسقلان افتتاح الملاجئ العامة تحسّبًا لأي تطورات أمنية محتملة.
انقسام سياسي داخلي ومخاوف من اتساع المواجهة
وعلى المستوى السياسي، لم يصدر حزب الله أو الحكومة اللبنانية حتى الآن أي تعليق على الاعتداءات الأخيرة، في ظل حالة من الاستقطاب السياسي الحاد بين القوى السياسية، ولا سيما عقب تصريحات وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الذي اعتبر أن من "حق إسرائيل" تنفيذ اعتداءات على لبنان، بحجة أن حزب الله لم يلتزم بتسليم سلاحه. وقد طالب وزراء حزب الله وحركة أمل بطرح هذه التصريحات على طاولة مجلس الوزراء واتخاذ موقف واضح حيالها، ما دفع رئيس الوزراء نواف سلام إلى التأكيد على "وجوب التقيّد بالبيان الوزاري بحذافيره." كما أجرى رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون حوارًا تلفزيونيًا حمّل فيه حزب الله جزءًا من مسؤولية الأزمة الحالية، مشيرًا إلى أن "على الطرف الآخر أن يتعقّل." في إشارة إلى الحزب. وفي هذا السياق، من المقرّر أن يُلقي الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، خطابًا غدًا، في أول إطلالة إعلامية له بعد التوترات الأخيرة.
ومن جهة أخرى، وافقت رئاسة الجمهورية اللبنانية على إشراك السفير السابق سيمون كرم ضمن لجنة "الميكانيزم" المعنية باتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في 27 تشرين الثاني/أكتوبر 2024، بهدف خفض التصعيد، وذلك بصفته أول موفد مدني يشارك في أعمال هذه اللجنة.
في المحصّلة، يعكس هذا التصعيد المتدرّج على الساحة اللبنانية هشاشة التفاهمات القائمة، ويؤكد أن الجنوب اللبناني بات مجددًا في دائرة الاستهداف العسكري الإسرائيلي ضمن سياق إقليمي متوتر
تقدّم لبناني معلن يقابله تشكيك إسرائيلي
وفي سياق متصل، أعلن الجيش اللبناني الأسبوع الماضي تحقيق "أهداف المرحلة الأولى" من خطة مؤلفة من خمس مراحل تهدف إلى حصر السلاح في منطقة جنوب الليطاني. وأكد الجيش، في بيان صادر الخميس، أن خطته لحصر السلاح دخلت مرحلة متقدمة بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى "بشكل فعّال وملموس على الأرض"، موضحًا أن هذه المرحلة شملت "بسط السيطرة العملانية على الأراضي التي أصبحت تحت سلطته في قطاع جنوب الليطاني، باستثناء الأراضي والمواقع التي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي".
في المقابل، عبّرت إسرائيل عن تشككها في فعالية هذه الخطوات. وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن الجهود التي يبذلها لبنان والجيش اللبناني لنزع سلاح حزب الله تُعد "بداية مشجعة لكنها غير كافية على الإطلاق"، معتبرًا أن حزب الله لا يزال يسعى إلى إعادة تسليح نفسه وبناء بنيته العسكرية "بدعم إيراني"، وهو ما يعكس، بحسب الموقف الإسرائيلي، شكوكًا حيال قدرة الإجراءات اللبنانية على تحقيق نزع السلاح الكامل كما هو مطلوب ضمن اتفاق وقف إطلاق النار.
ويشير هذا الموقف الإسرائيلي ضمنيًا إلى تشكّك تل أبيب في "فعالية خطوات الجيش اللبناني" وقدرته على تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة بشكل كامل، رغم إعلان الجيش عن إحراز تقدم في المرحلة الأولى من الخطة.
وفي الإطار نفسه، نشرت صحيفة "هآرتس" أكثر من تقرير تحليلي نقلت فيه عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين قولهم إن "الجيش اللبناني غير قادر، عمليًا أو سياسيًا، على نزع سلاح حزب الله"، معتبرين أن انتشاره جنوب الليطاني "لا يغيّر من الواقع العسكري القائم". وتُظهر الصيغة المستخدمة في هذه التقارير تشكيكًا بالقدرة والإرادة، بما يوفّر لإسرائيل الذريعة لمواصلة الاعتداءات على لبنان.
في المحصّلة، يعكس هذا التصعيد المتدرّج على الساحة اللبنانية هشاشة التفاهمات القائمة، ويؤكد أن الجنوب اللبناني بات مجددًا في دائرة الاستهداف العسكري الإسرائيلي ضمن سياق إقليمي متوتر. وبين الغارات والتهديدات والتحليق المكثّف للطيران المسيّر، يعيش السكان حالة من القلق المستمر، في ظل غياب موقف رسمي لبناني موحّد، ومع استمرار التوتر الأميركي–الإيراني وتداعيات الحرب على غزة. وفي هذا الإطار، تبقى احتمالات التصعيد أو الاحتواء مرهونة بتطورات إقليمية تتجاوز قدرة الأطراف المحلية على ضبطها، فيما يواصل المدنيون تحمّل تبعات واقع أمني غير مستقر.






