إرهاب الأوبئة

إرهاب الأوبئة

مشفى الموصل بعد تدميره (أ ب)

وقع ملايين السكان في كل من سوريا والعراق تحت تهديد 3 إبادات، كنتيجة جانبية لسيطرة تنظيم داعش خلال السنوات الثلاث الماضية. تمثل التهديد الأول في المخاوف من انهيار سد الموصل وإغراق مدينة بغداد. وفي تقدير أولي من قبل منظمات دولية فإن هذا السيناريو يمكن أن يؤدي إلى موت مليون شخص على الأقل. التهديد الثاني كانت المخاوف من انهيار سد الفرات. وقد تم تحييد هذين الخطرين بسيطرة كل من قوات البيشمركة وقوات سوريا الديمقراطية على السدّين. أما التهديد الثالث فهو غير مرتبط بنتائج الصراع العسكري: الأوبئة التي رافقت تنظيم داعش وانهيار الخدمات الصحية في مناطق الحرب، وتحديدًا المدن والبلدات التي تعرضت للدمار جراء القصف الجوي من قبل قوات النظام، وكذلك انهيار الخدمات الصحية في مناطق الفصائل المسلحة.

وفق منظمة الصحة العالمية، أُبلغ في آذار/مارس 2014 عن 37 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال في سوريا

وفق بيانات منظمة الصحة العالمية، فقد أُبلغ في 20 آذار/مارس 2014 عن 37 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال في سوريا. وفي العراق ظهرت حالة واحدة في عام 2014 استدعت حملة وقاية تم خلالها تطعيم حوالي 95% من الأطفال. لكن بقيت مناطق سيطرة تنظيم داعش خارج مناطق حملات الوقاية، فالتنظيم يعتبر أن أي حملة طبية دولية للوقاية من الأوبئة المتفشية هي مؤامرة لنشر الأمراض.

اقرأ/ي أيضًا: المؤشر العربي: كيف ينظر العرب إلى داعش؟

وضمن خطة الاستجابة للطوارئ لعام 2017 في سوريا، رصدت منظمة الصحة العالمية 22 مليون دولار لتعزيز أنشطة برنامج التطعيم لاستئصال شلل الأطفال. وفي بيانات سابقة لمسؤولين من المنظمة يمكن ملاحظة الصعوبات التي تواجهها في تأمين الأموال اللازمة من المتبرعين، رغم أن المبالغ المطلوبة في كل الحالات لا تعادل تكاليف معركة واحدة صغيرة. 

ومن أصل 850 طبيبًا وطبيبة كانوا يعملون في محافظة الرقة، لم يتبق إلا نحو عشرة أطباء لا يعملون أساسًا بتخصصاتهم في ظل سيطرة داعش وإجباره الأطباء الخضوع لدورة شرعية، ومنع الأطباء الذكور من الكشف عن النساء. ومؤخرًا أخلى التنظيم محافظة دير الزور من الأطباء وقام بنقلهم إلى أماكن قريبة من خطوط المواجهة في الرقة استعدادًا للمعركة، وهو ما ترك المنطقة الشرقية تواجه المزيد من المخاطر لتفشي الأوبئة، خصوصًا أنها أكثر منطقة تعاني من هشاشة صحية.

وأدى ظهور الأمراض الجديدة المرافقة للإرهاب إلى تعميق المشكلات الاجتماعية نتيجة حاجة المرضى للرعاية الصحية الدقيقة، وعدم قدرة العديد من العائلات على تأمين تكاليف هذه الرعاية.

وسجلت مناطق شمال سوريا ارتفاعًا حادًا في حالات التهاب القصبات الهوائية في الشتاء الماضي بسبب ندرة وسائل التدفئة. وفي مناطق انتشار المصافي البدائية للنفط التي تطلق أثناء احتراقها غازاتٍ سامةً، أبرزها غاز الكبريت والرصاص زادت معدلات التهابات الجهاز التنفسيّ، ومشاكل الوظائف الرئوية، وتفاقمت حالات الربو وحالات التهاب القصبات المزمن عند الأطفال، وارتفعت معدّلات الأزمات القلبية.

أدى ظهور الأمراض الجديدة المرافقة للإرهاب إلى تعميق المشكلات الاجتماعية نتيجة حاجة المرضى للرعاية الصحية الدقيقة

وبالاطلاع على البيانات الخاصة بالصحة في العراق، لا يبدو الوضع أقل سوءًا من سوريا. وفي مقال نشره الباحث في مركز الأمن الأمريكي الجديد، عمر مخلص، بمجلة "ناشونال انترست" الأمريكية حذر من أن أي وباء يضرب العراق بعد مرحلة داعش بمثابة نقطة الانهيار، وأي شيء أقل من استجابة منسقة وفورية من قبل الحكومة العراقية، في ظل البيئة الحالية من الطائفية، من شأنه أن يشعل مشاعر الاغتراب والإهمال بين المواطنين. وإذا كانت الحكومة العراقية غير راغبة أو غير قادرة على تقديم الخدمات اللازمة، فإن مجموعات أخرى بإمكانها أن تتدخل لملء هذا الفراغ. 

اقرأ/ي أيضًا: لماذا لن تنتهي "داعش" بعد الموصل؟

وقد استخدمت المنظمات الإرهابية والجهات الفاعلة غير الحكومية على السواء توفير الخدمات الاجتماعية، بما في ذلك الرعاية الصحية، لتعزيز شرعيتها بين السكان. وبالتالي لا ينبغي اعتبار إعادة بناء نظم الصحة العامة مسألة ثانوية مقارنة بالظروف السائدة في الأراضي التي سيطر عليها تنظيم داعش سابقًا، كما أن جزءًا كبيرًا من المنطقة ينذر بقابلية لانتشار الأوبئة، خصوصًا مع تضخم أعداد النازحين في المخيمات وانخفاض النفقات على الرعاية الصحية. وظهر في العراق مرض النكاف، وهو مرض فيروسي تلوثي ومعد، يسبب انتفاخًا وأوجاعًا في الغدد اللعابية الموجودة بين الأذن والفك، وينتشر عن طريق السعال والعطاس، وعند اقتسام الطعام أو الشراب مع شخص مصاب بالتلوث.

خلال العام الحالي، ستكون الموصل والرقة من المدن المحررة من تنظيم داعش وفق مجريات المعارك حتى الآن. وبينما سيحتفل العالم بانتهاء وباء التنظيم، فإن الاكتفاء بذلك وتجاهل الحاجة العاجلة إلى تقديم الرعاية الصحية، وبقاء ملايين الأشخاص في مخيمات متردية يخاطر بانتشار "إرهاب الأوبئة" هذه المرة. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

في وصف جحيم حلب

حرب نظام الأسد على المعارضة.. بماء الشرب أيضًا