إدلب.. هيئة تحرير الشام تحت ضغط دولي وشعبي فما هي خياراتها؟

إدلب.. هيئة تحرير الشام تحت ضغط دولي وشعبي فما هي خياراتها؟

لم يبق أمام هيئة تحرير الشام خيارات كثيرة (فيسبوك)

لم تكد تهدأ غارات النظام وروسيا على إدلب عقب إعلان هدنة من الجانب الروسي، حتى عادت القنابل العتقودية والقذائف الصاروخية الروسية لتسقط فوق المدنيين، ما أدى لمقتل وإصابة العشرات بينهم أطفال ونساء بحسب الدفاع المدني بحجة سيطرة هيئة تحرير الشام على المدينة.

لم يعد أمام هيئة تحرير الشام خيارات عديدة، بعد الضغط الشعبي والدولي عليها، فإما أن تحل نفسها أو يتم القضاء عليها في إطار السعي الدولي لحل عقدة إدلب كما يرى مراقبون

 يتزامن ذلك مع عقد قمة ثلاثية في أنقرة، جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيريه الروسي فلاديمير بوتين والإيراني حسن روحاني لبحث ملف إدلب، التي تشهد حراكًا مدنيًا ضد هيئة تحرير الشام والتي لم يعد أمامها خيارات عديدة، فإما أن تحل نفسها أو يتم القضاء عليها في إطار السعي الدولي لحل عقدة إدلب كما يرى مراقبون.

اقرأ/ي أيضًا: مقاتلو تنظيم الدولة وعائلاتهم في سوريا.. تهديد وورقة ضغط

انشقاقات بصفوف هيئة تحرير الشام

اعتقلت "هيئة تحرير الشام" القيادي البارز في صفوفها عبد المعين كحال الملقب بـ "أبو العبد أشداء" في ريف حلب الغربي، وذلك بعد كشفهِ عبر تسجيل مرئي، الكثير مِن قضايا الفساد المالي والإداري داخل الهيئة، وما تجنيه مِن ملايين الدولارات شهريًا، فضلًا عن تخاذلها في معارك ريفي إدلب وحماة على حد تعبيره.

إثر ذلك أعلنت هيئة تحرير الشام عزل "أشداء" وإعفائه مِن جميع مهامه وإحالته إلى القضاء، بعد ساعات من تسجيله الذي جاء بعنوان "كي لا تغرق السفينة"، وتضمن هجومًا حادًا على قادة "الهيئة"، محملًا إياهم مسؤولية الهزائم الأخيرة في ريفي حماة وإدلب.


آثار قصف روسيا والنظام السوري على إدلب (أ.ف.ب)

وبينما أحالت الهيئة أبو العبد أشداء إلى القضاء العسكري التابع لها، بتهمة "التدليس ونشر الافتراءات وخدمة العدو"، نقل موقع تلفزيون سوريا عن مصادر خاصة أن "أشداء" كشف ملفات الفساد في الهيئة، بعد أن التحق بالمصريين أبو اليقظان وأبو شعيب، وأشارت المصادر إلى أن الثلاثة موجودون الآن بحماية فصيل "حراس الدين" المعروف بتطرفه والذي يتوقع أن ينضم الثلاثة إلى صفوفه رسميًا، ويرجح أن تؤدي هذه الحركة إلى مزيد من الانشقاقات والخلافات داخل هيئة تحرير الشام.

ويعتبر لواء "مجاهدو أشداء" من الأجنحة المتطرفة في هيئة تحرير الشام التي تتبع لتنظيم القاعدة، كما أن القيادي "أبو العبد أشداء" من معارضي تركيا، واستلم قيادة اللواء بدلًا من أخيه المؤسس أبو أحمد الحلبي، بعد إصابة الأخير في معارك الكاستيلو عام 2015، وانضم اللواء ببدايته إلى حركة أحرار الشام الإسلامية قبل أن ينفصل عنها بعد توجيه انتقادات لاذعة لها عام 2016.

مظاهرات ضد هيئة تحرير الشام في إدلب

على خلفية ما كشفه "أبو العبد أشداء"، أطلق ناشطون سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي، حملةً تحت هاشتاغ "الشعب يريد ماله المسلوب" هاجموا خلاله "الهيئة"، مطالبين إيّاها بتوزيع الموارد التي تجنيها مِن المعابر على النازحين والمحتاجين في مناطق سيطرتها.

وبعد الإعلان عن الهدنة، خرجت مظاهرات في مدن وبلدات إدلب تطالب هيئة تحرير الشام بتفكيك نفسها وإغلاق هذا الملف الذي أضر بالثورة السورية.

وتحتكر هيئة تحرير الشام سواء عن طريق الذارع الاقتصادي التابع لها أو الذراع المدني (حكومة الإنقاذ) الموارد في شمال سوريا، ويقدر دخلها الشهري بقرابة 7.5 مليون دولار أمريكي، إلا أنه لا يتم توظيف هذه العائدات والأموال في تحسين الواقع الخدمي أو مواجهة الكوارث الإنسانية.

وبعد سيطرة الهيئة على معبر باب الهوى في تموز/يوليو 2017، ثم معبر الغزاوية قرب دارة عزة في شهر كانون الثاني/يناير 2019، قامت باحتكار توريد وتجارة العديد من السلع التي تدر عليها أرباحًا شهرية عالية.

وتبلغ عائدات هيئة تحرير الشام من الرسوم التي تفرضها على البضائع المستوردة عن طريق باب الهوى قرابة 2.5 مليون دولار شهريًا، حيث يتم تحصيل مبالغ مالية على البضائع بحسب نوعها وبحسب حجم الشاحنات التي تحملها. بحسب تحقيق أجراه موقع تلفزيون سوريا.

"هيئة تحرير الشام" شماعة روسيا لقصف إدلب

أسفرت القمة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان بمدينة سوتشي الروسية، في أيلول/سبتمبر عام 2018، عن توقيع اتفاق بين الدولتين الضامنتين إلى جانب إيران لما أطلق عليها "عملية أستانا" لتسوية الأزمة السورية، ينص أحد بنودها على تمسك موسكو وأنقرة بالإبقاء على منطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب السورية. لكن الضامن الروسي لم يلتزم بهذه الاتفاقية. بل قام بخرقها وانتهاك بنودها على الدوام بحجة الحرب على هيئة تحرير الشام المرتبطة بتنظيم القاعدة.

تقول موسكو بأن قاعدتها في حميميم تتعرض لهجمات من طرف الإرهابيين، ويرى مراقبون أن ذلك صعب عمليًا، بسبب بعد المسافة بين القاعدة الروسية وإدلب، والمنطقة العازلة التي شكلت أساس اتفاق سوتشي. كما تطالب روسيا أنقرة بالقضاء على هيئة تحرير الشام وإخراج عناصرها من إدلب، غير أنها في المقابل لم تلتزم بأي من تعهداتها.

وتشارك بعض الفصائل العسكرية الموجودة في إدلب، في محادثات أستانا، وهذا الأمر يجب أن يحول، حسب متابعين، دون قيام الروس بمعاقبة المدينة برمتها بحجة وجود هيئة تحرير الشام فيها. وبالنسبة لتركيا، فإنّه من الأهمية بمكان أن تُحلّ مشكلة إدلب دون تدخل جهات أخرى، لا سيما أنه في حال عدم تدخل تركيا في هذه البقعة الجغرافية، فإنها ستكون مُستهدفة من قِبل قوى دولية. وكانت الولايات المتحدة قد استهدفت في غارة جوية معسكرًا لتنظيم "أنصار التوحيد" المرتبط بالقاعدة أواخر الشهر الماضي، عقب إعلان الهدنة الروسية وسط حديث عن مفاوضات لحل هيئة تحرير الشام.


مقاتلون من هيئة تحرير الشام أثناء تدريب (Getty)

من جهتها تحاول أنقرة خلال الفترة الأخيرة، تطبيق استراتيجية متعددة الأبعاد في مكافحتها للمجموعات المتطرفة في إدلب، والبُعد الأول لهذه الاستراتيجية، يتمثل في محاولة تفكيك هيئة تحرير الشام من الداخل، ولتحقيق ذلك يتم العمل على إقناع بعض المجموعات التي تعمل تحت مظلة الهيئة، بالانشقاق عنها، وبدأت هذه المحاولات تأتي بنتائج، حيث بدأت بعض الفصائل بالابتعاد عن الهيئة في مقدمتهم حركة "نور الدين الزنكي"، لاعتقادهم بأن الهيئة لا مستقبل لها في البلاد. وعقب توالي الانشقاقات عن صفوف هيئة تحرير الشام، يمكن القول بأنّ الهيئة عادت إلى أصولها، وباتت مكونة من عناصر جبهة النصرة وحدهم.

أما البُعد الثاني من الاستراتيجية التركية في إدلب، فيتمثّل في توحيد صفوف المعارضة المعتدلة وتقويتها، وتسعى أنقرة لجمع قوات الجيش السوري الحر المشتّتين في إدلب، وتشكيل الجيش الوطني السوري. ومع نهاية أيلول/سبتمبر 2018، وصل عدد الفصائل التي استجابت للنداء، 44 فصيلًا من أصل 63 يتبعون للجيش السوري الحر المدعوم من قِبل تركيا، وبذلك استطاع الجيش السوري الحر، التوحد في إدلب إلى حد كبير. ويُعتقد أنّ الغاية الرئيسية لتأسيس الجيش الوطني، هي تقليص نفوذ هيئة تحرير الشام وترجيح الكفة لصالح الجيش السوري الحر في المدينة.

وعلى الرغم من محاولات إضعاف هيئة تحرير الشام في محافظة إدلب، إلّا أنها ما زالت قوية على الأرض، حسب العديد من المؤشرات.

سيناريوهات متوقعة

كانت التفاهمات التركية ـ الروسية وقبلها التفاهمات التركية ـ الأمريكية سابقا، لا تسمح بخيار العمل العسكري الواسع، لكن السكوت الأمريكي عما جرى بإدلب في المعارك الأخيرة، يشير إلى رضى وموافقة أمريكية ضمنية عما يحدث، لذلك من المرجح أن يتم الاتفاق على ترتيبات جديدة بحسب عدة سيناريوهات.

السيناريو الأول أن تقوم روسيا بحسم المعركة في إدلب عسكريًا عبر اتباع سياسية الأرض المحروقة، باستخدام أحدث تقنياتها الحربية، وبذلك ستنتهي من المعارضة السورية بشكل نهائي.

أما السيناريو الثاني فهو استمرار روسيا باتفاق خفض التصعيد، على أن تقوم بفرض حل سياسي على مقاسها، من خلال إعادة مؤسسات نظام الأسد إلى المنطقة، وهو ما يعني فعليًا إخراج تركيا منها وسيطرة النظام عليها!

السيناريو الثالث يقضي بفتح الطرق بين مواقع قوات النظام وطريق حلب ـ دمشق الدولي، الذي هو بالأساس متفق عليه بين روسيا وتركيا، وبالتالي سيطرة النظام على معرة النعمان وسراقب - بعد سيطرتها على خان شيخون- إضافة لباقي المناطق الواقعة على طول القسم الشمالي من الطريق وصولًا إلى مدينة حلب.

اقرأ/ي أيضًا: مصير نقاط المراقبة التركية.. هل يكشف صراعًا بين أنقرة وموسكو؟

ومن بين تلك الترتيبات المتوقعة فتح الطريقين الدوليين، وبقاء خان شيخون وريف حماة الشمالي تحت سيطرة النظام، في مقابل بقاء وسط إدلب وشماليه بيد المعارضة، وهذا مؤداه حصار المهجرين إلى إدلب من الغوطة وحمص، ومعهم المعارضة السورية، في مساحة أصغر، من أجل إجبارهم على قبول الأمر الواقع، والرضى بالحل السياسي الذي تراه موسكو.

اعتقلت "هيئة تحرير الشام" القيادي البارز في صفوفها عبد المعين كحال الملقب بـ "أبو العبد أشداء" في ريف حلب الغربي، وذلك بعد كشفهِ عبر تسجيل مرئي، الكثير مِن قضايا الفساد المالي والإداري داخل الهيئة

ونقلت صحيفة العربي الجديد عن مصدر مقرب من "الهيئة"، طلب عدم ذكر اسمه، قوله إن "قيادة هيئة تحرير الشام لم تتخذ حتى اللحظة قرارًا بالحل"، مضيفًا أن "هناك خلافات داخلية، خصوصًا داخل مجلس شورى الهيئة". وأشار إلى أن "الهيئة تتعرض لحرب إعلامية وضغط من الشارع المعارض في شمال غربي سوريا من أجل الإقدام على خطوة الحل قبل فوات الأوان". وأكد المصدر "أن حل الهيئة، من دون إيجاد بديل، أمر غير وارد"، مضيفًا "هناك نقاشات مستمرة داخل الهيئة على أعلى المستويات".

 

اقرأ/ي أيضًا:

 رهان موسكو الأخير.. المال مقابل السلام في إدلب