إخفاء قسري للأمل

إخفاء قسري للأمل

مصطفى النجار، المختفي قسريًا منذ 16 شهرًا (CNN)

(1)

حين تكلمنا لآخر مرة، أبلغني بأنه قرر الابتعاد عن السياسة تمامًا، وحدثني عما جلبَته إليه من أذى، حملات التشهير والاغتيال المعنوي التي طالته، وأحكام الحبس التي صدرت ضده لمجرد التعبير عن رأيه تحت قبة البرلمان حين كان نائبًا عن الشعب، ومطاردة النظام له في رزقه، ومنعه من الكتابة في كل الصحف، حتى بات عاجزًا عن تلبية احتياجات أطفاله.

تملك مصر سجلًا طويلًا من اختفاء سياسيين ونشطاء وصحفيين. وتؤكد تقارير دولية أن الإخفاء القسري بات منهجًا للسلطة في مصر

كنت ألتمس له العذر وأتفهم كل ما يقول، لكن حزنًا شديدًا تملكني على شاب كان يؤمن كثيرون بأنه سيكون مرشحًا لرئاسة الجمهورية في غضون سنوات، قبل أن ينقلب كل شيء ليصبح محاصرًا بين أحكام بالحبس وحملات اغتيال السمعة، والتضييق على مصادر الدخل.

اقرأ/ي أيضًا: الاختفاء القسري "للورد اللي فتح في جناين مصر"

شجعته على الابتعاد عن هذا المناخ المسموم والتركيز في عمله الأصلي كطبيب أسنان ناجح، ربما تتغير الأوضاع لاحقًا فيعود ليسعى خلف حلمه القديم بالمشاركة في بناء دولة يحكمها القانون لا القوة، تحترم حقوق الإنسان لا تعتبره كبشًا تحل التضحية به تحت عتبات أحلام الزعماء وأوهامهم.

اعتقدت أن هذا الثمن الفادح الذي دفعه مصطفى النجار من حياته العامة والخاصة، هو أقصى ما يمكن تقديمه. لكن اتضح أن الأيام التالية كانت تحمل أخبارًا أسوأ وسيناريو أكثر سوداوية لم يمر بعقلي ولا عقله؛ اختفى البرلماني السابق وأحد أبرز وجوه ثورة "25 يناير" في ظروف غامضة. 16 شهرًا دون خبر أو أثر لقدم. أحاديث كثيرة تم تداولها عن وجوده في سجن كذا أو قتله برصاص الأمن في منطقة كذا، دون معلومة واحدة يقينية.

تطلق زوجته وشقيقته استغاثات يومية، وتنقلان سؤال أطفاله الثلاثة الدائم عنه، وحاجتهم الماسة إليه. لجأت الأسرة إلى الجهات المسؤولة في الدولة وطرقت كل الأبواب دون جدوى، لم تصدر أي جهة أمنية أو قضائية بيانًا واحدًا يكشف مصيره أو حتى يعد ببذل الجهود للبحث عنه. وكأنه لم يكن، وكأنه لا شيء!

(2)

الكارثة ليست في أن ذلك قد حدث، الكارثة أنه لا يحدث لأول مرة.

تملك مصر سجلًا طويلًا من اختفاء سياسيين ونشطاء وصحفيين، لا يعرف أحد مصيرهم حتى الآن. وتؤكد تقارير دولية أن الإخفاء القسري بات منهجًا للسلطة في مصر في مواجهة المعارضين والنشطاء، وأصبح الأهالي يتبادلون التهاني والأحضان إذا ظهر أبناؤهم بعد عدة شهور من الاختفاء أمام نيابة أمن الدولة، محملين بلائحة طويلة من الاتهامات، تضمن أنهم لن يروا النور قريبًا. لا يهتمون بكون هذه الاتهامات صحيحة أو كاذبة، لا يتقدمون بشكاوى ضد إخفاء أبنائهم كل هذه المدة بالمخالفة للقانون والدستور، فقط يحتفلون بأنهم ما زالوا على قيد الحياة.

خيط طويل لا يعرف أحد كيف سينتهي ولا متى. لكن طرفه معلق في رقبة رضا هلال، الرجل الذي بدأت معه حكاية الاختفاء القسري في مصر.

في 11 آب/أغسطس 2003، اختفى أثر رضا هلال، الصحفي بجريدة الأهرام الحكومية من الوجود ولم يظهر حتى الآن. أكد أحد جيرانه أنه رآه يدخل البناية التي يسكن فيها ويطلب المصعد للوصول إلى شقته، لكنه لم يصل إلى الشقة، ولم يخرج من البناية، ولم يقف مكانه، ولم تره عين أخرى من وقتها إلى الآن.

كان اختفاء رضا إيذانًا بظهور الإخفاء القسري كأحد أدوات التعامل مع أصحاب الرأي في مصر. قبلها كان نهجًا معروفًا في سوريا والعراق وليبيا، لكن مصر كانت بعيدة عنه حتى هذا التاريخ، ومن بعده لم يصدر تقرير عن الاختفاء القسري إلا ومصر حاضرة فيه، حتى أن حملة "أوقفوا الاختفاء القسري" التي تم تدشينها منذ عدة سنوات للتعامل مع هذه الظاهرة، وثقت 336 بلاغًا باختفاء مواطنين في العام الأخير فقط، بعضهم ظهر لاحقًا محبوسًا على ذمة قضايا، وبعضهم لا يزال مجهول المصير، مثل الناشط مصطفى ماصوني الذي ترك أصدقاءه وسط القاهرة وذهب لشراء طعام في 26 حزيران/يونيو 2015 ولم يعد إلى الآن!

(3)

"يا بابا انت وحشتني قوي. انت هتيجي امتى؟ انت دلوقتي بتشتغل فين؟ انت خلصت شغل وللا لسة؟ انت اتأخرت قوي"، رسالة صوتية سجلها سهيل مصطفى النجار ابن الثلاث سنوات لأبيه، وطلب من والدته توصيلها إليه، ولأنها تعرف أنها لن تصل إليه، نشرتها على حسابها بموقع فيسبوك.

(4)

تشن الدولة حملات ضارية في وسائل الإعلام وعبر منصاتها الرسمية ضد أي جهة أو شخص يتحدث عن الاختفاء القسري. لا تعترف بأن احتجاز مواطن لأكثر من 24 ساعة دون تمكينه من التواصل مع محاميه أو عرضه على النيابة العامة، يُعد إخفاءً قسريًا بموجب الدستور المصري نفسه.

هذا ليس فقط رأي الفريق الأممي المعني بحالات الاختفاء القسري في الأمم المتحدة، والذي وثّق العام الماضي حدوث الإخفاء القسري بشكل ممنهج بحق الناشطين والحقوقيين والمواطنين في مصر، لكن المجلس القومي لحقوق الإنسان أيضًا، وهو مجلس حكومي بالأساس، كشف في 2016 عن تلقيه مئات البلاغات باختفاء مواطنين قسريًا، وانتقد تعامل الحكومة مع هذه البلاغات.

يتجاوز الأمر كل محاولات الإنكار، ويتوسع بشكل ليس له مبرر، سوى بث الرعب في نفوس المعارضين السلميين والنشطاء والحقوقيين، خوفًا من أن يلقوا المصير نفسه، فلا تبرير آخر يمكن تصوره، فلو كان الأمر متعلقًا بالرغبة في القبض على شخص، فيمكن للأجهزة الأمنية أن تفعل ذلك بسهولة، وتبقيه قيد الحبس الاحتياطي لسنوات دون تحقيق أو تهمة، وبقرارات دورية لتجديد الحبس كما تفعل فعلًا مع الآلاف. فما الذي يدفعها إذن إلى إخفائه لشهور أو لسنوات أو إلى الأبد، سوى رغبتها في توصيل رسالة ما؟

يقدس المصريون الموت ربما أكثر من الحياة. أقسى عقاب للمصري القديم والحديث ألا يُعرف مكان قبره. كثير من آباء وأمهات المختفين قسريًا يؤكدون على هذا المعنى: أعيدوا أبناءنا ولو جثثًا لندفنهم، وندعو لهم بالرحمة على قبورهم. أخبرونا بالحقيقة وسنسامحكم. لكن لا تتركونا هكذا تنهشنا الحيرة ونتأرجح بين اليأس والأمل.

حدثني محام صديق متخصص في قضايا الاختفاء القسري، عن أول لقاء جمعه بكثير من المختفين بعد أن تقرر الأجهزة الأمنية إظهارهم، عن وجوههم المذعورة وانفعالاتهم المرعبة وعدم تصديق أنهم رأوا شخصًا آخر غيرَ سجانيهم. حدثني عن رسائلهم التي حمّلوها إليه لتوصيلها إلى ذويهم، ثم احتفالات وزغاريد وتكبيرات ذويهم عندما يصل إليهم بالبشرى والرسائل، لمجرد أن أبناءهم ما زالوا على قيد الحياة.

خلال العام الأخير فقط وثق 336 بلاغًا باختفاء مواطنين في مصر، بعضهم ظهر لاحقًا محبوسًا وبعضهم لا يزال مجهور المصير

الأمر أشبه بحفلات تعذيب نفسي لآلاف المتهمين والأسر، يفوق في أثره وقسوته التعذيب البدني. لا أفهم لماذا يمكن أن تقدم دولة في العصر الحديث على ذلك، ولا كيف ومتى سينتهي ذلك. ينخفض سقف مطالبنا تباعًا من الحلم بدولة مدنية ديمقراطية حديثة، إلى تحرير المعتقلين بتهمة الرأي والتفكير، إلى مجرد معاملتهم معاملة آدمية، ووقف حبسهم انفراديًا، وإدخال الأطعمة والدواء لهم. حتى بات أقصى ما يطمح إليه البعض عدم إخفاء المتهمين وإجلاء مصيرهم وكشف مكان حبسهم!

(5)

مصطفى، سلام عليك أينما كنت. لا أعرف ماذا حدث لك، لكن الأكيد أنه شيء غير عادل، فبأمثالك تُبنى الأمم وتحيا، ومكانك بين الحالمين الفاعلين المشاركين في صياغة مستقبلنا، لا رقم في لائحة طويلة من المختفين قسريًا.

سينتهي كل هذا القبح يومًا. سيأتي من يقتنع بأنه ليس مضطرًا للقضاء على الجميع ليحيا، وستعيش أطول ممن أخفاك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الإخفاء القسري في مصر.. جريمة ممنهجة في سراديب أمن الدولة

التأطير القانوني للإخفاء القسري: "جريمة ضد الإنسانية"