إحدى عشرة حبة بطاطا

إحدى عشرة حبة بطاطا

(أ ف ب/ ناصر ناصر)

تجلس في الحافلة، فيجلس إلى جانبك. يبادرك بابتسامة مطمئنة، ويفتتح حديثًا جانبيًا سرعان ما يقطعه بالسؤال: "هل جربتَ الخروج في سبيل الله؟". إذا كانت المرة الأولى لك؛ فإنّ الأمر سيلتبس عليك، فتظنه يدعوك إلى الالتحاق بتنظيم القاعدة أو داعش، بينما إذا سبق لك وتعرضت لهذا السؤال من قبل، فستعرف أنّه من جماعة الدعوة والتبليغ. وهي جماعة مسالمة تدعو الناس إلى الزهد في الدنيا وهجر السياسة وطلب الآخرة، من خلال الاعتكاف في المساجد. ويأتي الاعتكاف كنقطة انطلاق لعمل الجماعة؛ إذ تقسّم نفسها إلى مجموعات صغيرة تنتشر في الأحياء المجاورة للمسجد بهدف دعوة الناس إلى إحياء عبادة الصلاة في المساجد، وغالبا ما يجرونهم إليها جرًا.

تسعى جماعة التبليغ والدعوة إلى الانحراف بالناس عن مشاكل السياسة والأحزاب، وإلى إهمال الحقوق والحريات

والدعوة عند أفراد الجماعة متاحة للجميع، للذي يعرف والذي لا يعرف على حد سواء: يتقدم واحدهم، بعد صلاة الجماعة، ويبدأ بالوعظ والإرشاد. وكثيرا ما يقع في الأخطاء، الناتجة عن عدم المعرفة، التي تدفع الموعوظين إلى السخرية وعدم أخذ الأمر بجدية. 

ويتندر الناس حول قصصهم ومحاولاتهم التشبه بالصحابة والحوز على كراماتهم، ويأتي هذا التندر على لسان الأشخاص الذين أُجبروا على المشاركة في أنشطتهم. فعلى سبيل المثال، يروي أحد هؤلاء أنه دُعي إلى اجتماع عام في بيت كبيرهم، وأنه بعد الاجتماع تم تقديم وليمة لا تكفي ثلاثة أشخاص، في حين كان الحضور يتجاوز المئة شخص؛ فكان كل شخص يضع يده في الطعام أو يأكل لقمة على أبعد تقدير، ثم يقوم بدافع الإحراج. وبعد أن مروا جميعًا على الطعام، صرخ كبيرهم: "سبحان الله.. طعام قليل أشبع مئة شخص"، مذكرًا إياهم بمعجزات تكثير الطعام عند الصحابة والأولياء.

ويروي الشخص نفسه أنه، بعد انتهاء الاجتماع، شاهد أعدادًا كبيرة منهم يتجمهرون أمام مطعم فلافل! وأخبرني صديق أن أخاه أجبره على الاعتكاف في مسجد يقع في قرية مجاورة. وكبادرة ود من الأخ، قام باختيار أفضل وسادة في البيت لينام عليها الصديق. وذلك لتحبيب الخروج، وهو مصطلح الجماعة الأثير، في نفسه. غير أنهما فوجئا باقتحام بقية إخوتهما للمسجد في منتصف الليل؛ إذ تبين أن الوالدة كانت قد خبأت مبلغ أربعمئة دينار في تلك الوسادة!

وبالرغم من أن هذه الظاهرة تشير إلى الفشل في استمالة المخيال الشعبي، فإنّ الجماعة تلقى من الرواج بقدر ما تلقى من السخرية. وهذا مرده إلى طبيعة الفئات المجتمعية المعدومة التي تنشط فيها الجماعة، والتي تسعى إلى أن تنجز في الحياة الأخرى ما عجزت عن تحقيقه في الدنيا، مما يمنحها القدرة على التمدد واستقطاب مريدين جدد. إضافة إلى الرضا الأمني عن هذه الجماعة التي تسعى إلى الانحراف بالناس عن مشاكل السياسة والأحزاب، وإلى إهمال الحقوق والحريات، وصولًا إلى زهد كامل، مدّعى، للأمور الدنيوية وتركيز الأطماع على المآل الآخروي.
 
وأيضًا، إذا نظرنا إلى تركيبة الجماعة سنجد أن نسبة كبيرة من منتسبيها هم من متقاعدي الجيش والأجهزة الأمنية؛ فبمجرد أن يحصل بعضهم على كتاب التقاعد يشرع بإطلاق لحيته، الأمر الذي حُرم منه سنوات، ويلتزم الزي الأفغاني ويبدأ بالخروج في سبيل الله، وهذا الخروج يتوّج بالسفر إلى الهند أو باكستان أو بلاد أوروبا. وإذا أسقطنا الدور الأمني، قليلًا، فإن الأمر لا يخلو من جانب نفسي؛ فالعسكري أو الشرطي الذي أمضى حياته في هامش الحياة المدنية، يختار أن يعود إلى الهامش بعد خروجه من وظيفته. وبينما كان يعمل، في الهامش، من أجل مهمة جليلة، وهي حماية الوطن وجر الفاسدين إلى السجن، فإنه، بعد الانتماء، يسعى إلى مهمة جليلة أيضًا، وهي تأمين طريق الناس إلى الجنة وجر الناس إلى المساجد.

ولا يمكن، طبعًا، أن نعزو عمل كل هؤلاء البسطاء إلى الدور الأمني، غير أننا نعلم أن من أمضى حياته في الخدمة العسكرية نادرًا ما يسعى إلى السير في الاتجاهات التي لا تحظى برضا المخابرات ومعدي الخطط الأمنية. كما أنّ محصلة عملهم تصب في هذا الجانب، إذا نحينا قضية الأجر والثواب جانبًا. الأمر الذي رصده المخيال الشعبي جيدًا عندما روّج عن الجماعة: أننا تجد من بين كل عشرة شيوخ فيها تسعةَ مخبرين. ويروي أحد الرفاق اليساريين أنه دعي لجلسة استتابة ودية من قبل الجماعة، ونظرًا لأنه يساري متشدد قلما يدخل المسجد، فقد تمت دعوته إلى حفلة شواء بطاطا في إحدى الغابات. ثم يمر الوقت، ويُسأل في التحقيق عن علاقته بجماعة الدعوة والتبليغ، فينكر أي علاقة بها، فيقوم الضابط بتذكيره بالقصة بكل إحداثياتها، قائلًا له: "حتى بالعلامة شويتم إحدى عشرة حبة بطاطا"!