إحباطات ثورية.. لماذا تأخر النيزك؟

إحباطات ثورية.. لماذا تأخر النيزك؟

من مشاهد الثورة المصرية في 2011 (Getty)

في خضم معاناة جيل ما بعد الثورة، بات الحديث عن الأشياء الضرورية للعيش الكريم نوعًا من الترف، وانعدمت إلى حد بعيد جدًا فرص المقاربة بين الأحلام والواقع، وانتهى كل شيء ممكن إلى إحباط متمكن ودرك من القتامة أخشى أن تسقط فيه هذه الكتابة.

في خضم معاناة جيل ما بعد الثورة، انعدمت فرص المقاربة بين الأحلام والواقع وانتهى كل شيء ممكن إلى إحباط متمكن

وكتجسيد لمحاولات الهروب من الواقع المتهالك، رفدت المشهد أفكار عدمية مشحونة بالخوف والمعاناة، أقلها مخاطر الهجرة نهائيًا إلى أي مكان وبأي طريقة، واستحال الوطن إلى جحيم طارد، فوصل اليأس وسط الشباب عمومًا إلى مرحلة متأخرة.

اقرأ/ي أيضًا: شباب ما بعد الربيع العربي

عاد المجتمع بعد ضياع مطالب العدالة الاجتماعية إلى تكريس امتيازات الأثرياء، طبقة سعيدة وأخرى شقية جدًا، حتى أنه لا فرق حاليًا بين مهندس وطبيب يشتكي الفاقة ومدرس يحدق في الفراغ العريض؛ جميعهم بلا عمل أمام أفق مسدود، فيما كل الناس غارقون في تفاصيل حياة راكضة، يتبدد فيها الزمن بلا جدوى.

شراء الأمل يكلف وقت طويل من الانتظار، خصوصًا وأن أسعار خدمات الصحة مرتفعة، والتعليم غير مجاني، والوظائف ذهبت مع الريح، والسُلطة سرقتها النخبة الانتهازية أو ما يُسمى بـ"القوى الإرثية"، ولذلك انتهى الحال بمعظم الشباب، وقود الثورة ما بين سؤالي: ما العمل؟ ومتى يأتي النيزك؟

فكرة النيزك تغذيها تصورات العالم البريطاني روبرت ولش لنهاية الأرض، فقد ظل يتوقع منذ العام 2015 اصطدام نيزك بكوكب الأرض، سيقضي على الحياة نهائيًا. واستغل ولش معارفه في تخويف الذين يحبون الحياة من جهة، ووإسعاد الذين ينتظرون حدًا لها من جهة أخرى، بما يضمن لكلا النوعين نهاية واحدة تحت وقع صدمة النيزك العملاق.

ورغم أن العالم البريطاني لم يحدد لنا الوقت بالضبط لاصطدام النيزك المنتظر، إلا أنه شدد على أن نأخذ ذلك التهديد على محمل الجد، لكنه لم يخبرنا ماذا نفعل بـ"محمل الجد"، إذا كان النيزك فعليًا سوف يسحق الحياة تمامًا على الأرض؛ هل نهرب إلى المريخ أم نطير إلى القمر؟

يبدو أن رواية النيزك وجدت صدى لدى كثير من الشباب الذين يشعرون بخيبة الأمل، خصوصًا وأن ثورات الربيع العربي انتهت إلى صفقة بين العسكر والنخبة السياسية، كما هو الحال في السودان ومصر، أو تحت أنياب المحاور الإقليمية كما هو الحال في اليمن وليبيا، أو ضحية لتوحش النزعة الطائفية كما يحدث في لبنان والعراق، باستثناء تونس طبعًا، التي يبدو أن الشاب بوعزيزي أضاء لها من نيران جسده المحترق كل الطريق.

لماذا تأخر النيزك؟

سؤال "لماذا تأخر النيزك؟" يستعجل النهاية بصورة غريبة، وربما يكون بداية التفكير في ركوب المخاطر، كالهجرة إلى الغرب على أظهر المراكب المتهالكة، أو قطع نفق المانش بصورة مميتة، والبقاء لأيام داخل ثلاجات الموز، ومواجهة بنادق خفر السواحل الأوربية، هذا إن نجوت من الأسماك المفترسة، ما يعني مواجهة حتمية مع الموت. وهي مغامرة قطعًا لا يمكن أن يقدم عليها من تتوفر لديه أدنى فرصة للعيش الكريم في بلاده.

لا يعبأ أغلب الشباب بأي قيمة للحياة حاليًا، مع هذه الأوضاع الاقتصادية الخانقة. ومن سخرية الأقدار أن من يحاول التخفيف عنهم بمحاولة شحنهم بالطاقة الإيجابية والوعود، يتجاهلونه وهم يرددون بصوت واحد "دا بتاع تنمية بشرية ساي".

ولعل هذا الواقع المأساوى يكون أكثر وقتٍ تزدهر فيه الفلسفة العدمية، والتي تعتقد بأن الحياة لا معنى لها، في انتظار ذلك النيزك المخلص، على اعتبار أنه سوف يأتي ولو بعد حين، أو بعد فناء اليقين المطلق للخير، وفقًا للفيلسوف نيتشة، الذي عاش في زمن غابر وتفشت أفكاره أخيرًا، بشكل مزعج ومروع. تلك الأفكار المرعبة والمبهجة معًا، كما ظل يردد دائمًا، فهي مبهجة لأننا نشعر فجأة أن عالمنا انفتح أمامنا إلى ما لا نهاية.

تنامي الاحباط والهزائم النفسية شجع أيضًا على إعادة اكتشاف فرانز كافكا، رمز التشاؤم العنيد، إذ يزين كافكا اليوم صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بمقولاته وكتاباته السوداوية، كنموذج مبهر للعزلة الدائمة أو للتحولات المرعبة التي ينبغي أن ينتهي إليها العالم.

مشهد الهروب من الأحزاب والكفر بشعاراتها، يفاقم المأساة أكثر، إلى نوع من الفراغ السياسي، أو الدخول في صدام مع الغرب الذي يبدو أنه يفاقم معاناة من نهب ثرواتهم دون أن يتصدق عليهم بتأشيرة العبور إليه، كونهم أبناء دول مريضة وملوثة بالدم الفاسد، تجتاحها الحروب الأهلية والطقوس الجنائزية، إرهابيون بالفطرة، نازحون ومهاجرون ثقلاء، كما ينظر إليهم بتلك الروح الشعبوية المنغلقة.  

قياسًا على ذلك، فإن الأمل بات كما لو أنه محض أغنية، أما اليأس فهو واقعي وجدير بالمدح، بدلالة أن ما بعد الثورة ظهر من يستثمر في التخويف من الثورة وتصوير مآلاتها بالفوضى والعنف مقابل الاستبداد والظلم وتجاهل مأساة الأجيال الجديدة.

ربما تنتابك تلك المخاوف وأنت تتأمل صورة الناشط المصري وائل غنيم في هيئته الجديدة بشعر حليق وجسد في منتهى العذاب، وهو يدخن لفافات الحشيش دون توقف، ويقدم صورة لفتى أمرد بذيء ومشوش، قال إنه فكر في الانتحار أكثر من مرة. بالضرورة لا نعرف ما هو التغيير الذي طرأ على حياة غنيم في الغرب، لكنه حتمًا ضحية لمؤامرة أرادت أن تسحق كل رمزية لثورات الربيع العربي.

بات الأمل كما لو أنه محض أغنية، أما اليأس فهو واقعي وجدير بالمدح، بدلالة أن ما بعد الثورة ظهر من يستثمر في التخويف من الثورة

إنها أزمة الساسة والنخبة في المجمل. لفرط أنانيتهم ضيقوا على الشعب لتتسع حظوظهم، فأجهضوا الأحلام وأعدوا عجينة الفقر ليتناولها جيل كامل بات يصارع من أجل البقاء، أو بانتظار النيزك ليريحه من عبء الحياة، رغم أن الخلاص الأكيد يكمن في مجتمع من الشباب الجاد المليء بالطموح ونشد الأمل، وإقامة حياة أفضل بأيدهم لا بأيدي غيرهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"إنها أجمل سنين حياتك".. لماذا كذبوا علينا؟

المغتربون في ذكرى الثورة: الظلم في الوطن غُربة!