إثيوبيا وحزب الازدهار

إثيوبيا وحزب الازدهار

(Getty) آبي أحمد مع ماكرون في باريس 2019

فرض ميليس زيناوي على قوميات الدولة الإثيوبية ما أطلق عليه الاشتراكية الديمقراطية، ويعمل بهذا النظام في الدول الإسكندنافية، إلا أنه كان مجرد دعوة تحايل على شعوب الدولة الإثيوبية ولم يتم العمل به، فالجبهة الشعبية لتحرير التجراي، استقت أدبياتها من الحزب الشيوعي الألباني المتطرف.

فكرُ الدكتور آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي سياسيًا، يمثل مزيجًا من نظريتي مركزية الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا والنظام الإداري للجغرافيا السياسية لفرنسا

إن نظام الاشتراكية الديمقراطية أثبت جدواه ومفعوله من خلال دوره السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الذي حققه في دول شمال غرب أوروبا، واستطاع أن يحقق التوازن العام مع الرأسمالية في تلك البلدان، في حين أن الحزب الإثيوبي الحاكم كان قد اتخذها برنامجًا سياسيًا دون أن يعمل بها.

اقرأ/ي أيضًا: إثيوبيا.. وجهة مترددة بين الازدهار والانقلابات

في المقابل عاد الحزب الحاكم في إثيوبيا منذ عام 1992 إلى السياق الشمولي الذي كان معمولًا به في البلاد خلال مرحلة الحاكم السابق منجيستو هيلا مريام، وهو ما أوصل الدولة الإثيوبية إلى طريق مسدود، ولأجل تجاوزه تعمل لتحايل وإعادة الصيغة المركزية الشمولية مجددًا رغم إدراك السلطة بأزمتها الراهنة نظرا لنزعات القومية المتطرفة والتي كرستها خلال 27 عامًا الماضية.

حاليًا فكرُ الدكتور آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، يمثل مزيجًا من نظريتي مركزية الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا، والنظام الإداري للجغرافيا السياسية لفرنسا والمانح للأقاليم السلطة الواسعة لحكم ذاتها محليًا رغم خضوعها للحكومة المركزية، حيث التركيز على تجربة حكم المجالس المحلية التي تقوم على نظام المركزية المرنة التي تُدرج الأقاليم أو المحافظات تحت سلطة مركزية غير فيدرالية، بينما ستكون في ظل حزب الازدهار الإثيوبي، الوريث لتجربة وسلطة الجبهة الديمقراطية الثورية لشعوب إثيوبيا، كونه خليطًا من فيدرالية القوميات الإثيوبية السابقة التي سيطرت عليها حكومة أديس أبابا.

فالتوجه لأجل إقامة نموذج الإثيوبي القادم والذي استوحي من التجربة الفرنسية المركزية، على الصعيد النظري إلا أنه لن يتم تفعيله على صعيد خدمة قوميات إثيوبيا، بل سيتم تكريسه لاستيعاب تلك الشعوب في اتجاه إحكام القبضة عليها سياسيًا.

ونظرًا لتحديات الكثيرة والتي تعترض الإدارة الأمريكية على الأصعدة الداخلية والخارجية، وعدم قدرتها على منح إثيوبيا رعاية سياسية تتجاوز التنسيق معها بشأن ملف الإرهاب في القرن الأفريقي، إذ فرض الأمر على الحكومة الإثيوبية التوجه نحو فرنسا، ناهيك عن أن ارتباط إثيوبيا اقتصاديًا مع الصين وفي ظل الحضور الاقتصادي الأمريكي المتواضع مقارنة مع الدور الصيني في هذا البلد، دفع أديس أبابا للبحث عن بديل آخر مماثل بفرنسا.

إثيوبيا كانت المحطة الرئيسية خلال زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى منطقة القرن الأفريقي، وقد تم انطلاقًا من ذلك إبرام علاقات إستراتيجية بين الدولتين، وهو ما أسفر عنه التركيز على التعاون الاقتصادي والعسكري بينهما، وأن تتكفل باريس بإعادة إحياء سلاح البحرية الإثيوبي، والذي تم تفكيكه بعد تحرير واستقلال دولة إريتريا.

خلال زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لفرنسا مؤخرًا، قدّم الحاجة العسكرية الإثيوبية أولًا، والتي تراوحت ما بين دعم تأسيس سلاح البحرية والحصول على طائرات هيلوكبيتر وصواريخ نووية، وذلك لأجل حماية سد النهضة كما أكدت تقارير إعلامية، في حين أشار موقع أوروميا بالعربي والقريب من الحكومة الإثيوبية بتاريخ 5 كانون الأول/ديسمبر الحالي، أن خيار الحكومة الإثيوبية رسا على اتخاذ جيبوتي كقاعدة عسكرية للبحرية الإثيوبية، بدلًا من دول مجاورة ممثلة في كل من إريتريا والسودان.

لا شك أن فرنسا ترى في الطموح العسكري الإثيوبي، كعامل مساعد لتثبيت دورها السياسي في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، إذ ترتكز رؤى أديس أبابا وباريس على خلفية، أدوارهم في تلك المناطق الحيوية، في ظل الحضور الخارجي المحموم إليها، لقد أصبحت جيبوتي والتي اتخذتها دول عديدة كقاعدة عسكرية، كهاجس يقلق كل من إثيوبيا وفرنسا، ويرى كلاهما أن تعاونهم الاستراتيجي هو ما يمكن التعويل عليه لتأكيد أدوارهم.

قدّم رئيس وزراء إثيوبيا الحاجة العسكرية الإثيوبية أولًا خلال زيارته إلى فرنسا لأجل حماية سد النهضة

كانت البداية في أن تتم نجدة إثيوبيا التي تشهد حالة صراعات قومية حادة، ومحاولة استباق تفككها سياسيًا، ونتيجة لهذا التخوف كان استلهام التجربة الفرنسية حاضرًا في كتاب "MEDAMER - الاندماج الوطني" الذي ألّفه حاكم إثيوبيا آبي أحمد، خاصة أنه أصبح المرجعية النظرية لنظام الدولة القادم، والتي تقضي بدمج قوميات الدولة في ظل حكم مركزي رغم اتخاذه مسمى الفيدرالية، وهو ما يمثل بتجربة شبيهة بتحايل نظيره السابق ميليس زيناوي.

اقرأ/ي أيضًا: احتجاجات إثيوبيا.. هل تطيح بسُلطة صاحب نوبل للسلام؟

المفارقة أن نظريات الحكم رغم تعاقبها على إثيوبيا لم تساهم في الانتقال نحو الآفاق الرحبة في حياة مجتمعات إثيوبيا بل ظلت أشبه بسير السلحفاة، كما أن مواجهة تحديات مفصلية تتجه في سياق تفكك الدولة التي بلغت تناقضاتها مرحلة متقدمة للغاية، بالإضافة إلى أن الغرابة تكمن في تكريس فكر سياسي خاص بحاكم كدستور لدولة تناقضات كان عليها مراعاة التمايز والخصوصيات القومية، في حين تقضي الحاجة إلى إشراك تلك القوميات في إعادة رسم مستقبلها بدلًا من أن يفرض عليها رؤية فردية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ما فرص نجاح أول سياسي شابّ في تجاوز تحديات الرئاسة في إثيوبيا؟

كيف حصل آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام؟