إثيوبيا تتحدث عن "التحكم في النيل".. هل بدأت معركة السدود الجديدة؟
18 أغسطس 2026
فجّرت تصريحات وزير الري الإثيوبي، هبتامو إيتفا، في الخامس عشر من آب/أغسطس الجاري، موجة واسعة من الغضب في الشارع المصري، بعدما تحدث عن قدرة بلاده على التحكم في تدفقات مياه نهر النيل المتجهة إلى دولتي المصب، مصر والسودان، وهي التصريحات التي اعتبرها كثيرون استفزازًا مباشرًا يمس أحد أكثر ملفات الأمن القومي المصري حساسية، وسط مطالبات برد رسمي واضح وحاسم.
وزادت حدة القلق عقب تأكيد إيتفا أن أديس أبابا تعتزم المضي قدمًا في إنشاء سدود مائية إضافية على مجرى النيل، ضمن خططها لتوسيع استغلال الموارد المائية، بما أعاد إلى الواجهة المخاوف المصرية من توجه إثيوبيا نحو فرض واقع مائي جديد في حوض النيل، لا سيما في ظل استمرار تداعيات أزمة سد النهضة والخلافات الممتدة بشأن قواعد الملء والتشغيل.
وكانت تقارير دولية قد أشارت، في أيار/مايو الماضي، إلى خطط إثيوبية لإنشاء ثلاثة سدود جديدة على المجرى الأعلى للنيل الأزرق، هي "ماندايا" و"كرادوبي" و"بيكو آبو"، في خطوة من شأنها، حال تنفيذها، أن تمنح أديس أبابا قدرة أكبر على تخزين وتنظيم وتوقيت تدفقات مياه النيل الأزرق، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا في العلاقات المصرية الإثيوبية، ويضع ملف الأمن المائي مجددًا في صدارة التوتر بين البلدين.
ردًا على وزير الري المصري.. سجال إعلامي
جاءت تصريحات وزير الري الإثيوبي في سياق الرد على الموقف الذي أعلنه نظيره المصري هاني سويلم خلال مؤتمر صحفي عقده بمقر وزارة الموارد المائية والري في الرابع من آب/أغسطس الجاري، حين أكد أن القاهرة تتابع المخططات الإثيوبية الرامية إلى إنشاء سدود جديدة على نهر النيل، مشددًا على أن "الدولة المصرية لن تسمح بأي شيء آخر يحدث".
زادت حدة القلق عقب تأكيد إيتفا أن أديس أبابا تعتزم المضي قدمًا في إنشاء سدود مائية إضافية على مجرى النيل، ضمن خططها لتوسيع استغلال الموارد المائية، بما أعاد إلى الواجهة المخاوف المصرية من توجه إثيوبيا نحو فرض واقع مائي جديد في حوض النيل
وجاء الموقف المصري بعد نحو أسبوعين من التقارير الإعلامية التي تحدثت عن اعتزام أديس أبابا إنشاء ثلاثة سدود جديدة على مجرى النيل، إلى جانب سد النهضة، في وقت لم يصدر فيه تعليق إثيوبي رسمي واضح على تلك التقارير.
وشدد سويلم على أن جوهر الأزمة لا يقتصر على إنشاء السدود في حد ذاته، وإنما يمتد إلى غياب آلية قانونية واضحة وملزمة لتبادل البيانات الخاصة بتشغيل سد النهضة، بما يتيح لمصر والسودان معرفة كميات المياه المتوقع تمريرها وخطط التشغيل على مدار العام، موضحا أن استمرار حجب تلك المعلومات يضع السودان في موقف بالغ الصعوبة، إذ يحول دون قدرة الجهات المعنية على إدارة السدود والمخزون المائي بصورة دقيقة، في ظل عدم وضوح كميات المياه التي تعتزم إثيوبيا إطلاقها أو توقيتات تمريرها.
وحمل الوزير المصري الجانب الإثيوبي مسؤولية تداعيات غياب التنسيق، مؤكدًا أنه لا يمكن تحميل السودان مسؤولية أي ارتباك محتمل في إدارة الموارد المائية في ظل نقص المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار، كما جدد تمسك القاهرة بضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، ويضمن تبادل البيانات بصورة منتظمة ومنضبطة، بما يحفظ مصالح دول الحوض ويحد من المخاطر الناتجة عن الإدارة المنفردة لمورد مائي مشترك يمثل قضية أمن قومي بالنسبة إلى مصر والسودان.
مشاغبات سياسية
فيما غاب الرد الرسمي، قوبلت التصريحات الإثيوبية بردود فعل متباينة في الأوساط المصرية، إذ وصف وزير الري الأسبق، محمد نصر علام، ما صدر عن أديس أبابا بأنه "مشاغبات مع مصر"، مشددًا على أن حماية حصة البلاد من مياه النيل تمثل أولوية وطنية لا تحتمل التهاون، في ظل تجاوز عدد السكان 110 ملايين نسمة وتزايد الضغوط على الموارد المائية المحدودة.
وفي مداخلة متلفزة، دعا علام إلى مطالبة مصر بزيادة حصتها من مياه النيل، لافتًا إلى أن نصيب الفرد من المياه تراجع إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا، بما يضع البلاد تحت مستوى الفقر المائي الحاد، موضحا أن محدودية الموارد المائية تنعكس بصورة مباشرة على قدرة الدولة على التوسع الزراعي، وتزيد من الاعتماد على استيراد الغذاء وما يترتب عليه من ضغوط اقتصادية ومالية، معتبرًا أن مصر بحاجة إلى موارد مائية إضافية تسمح باستصلاح مساحات من الصحراء والاستفادة بصورة أكبر من الأراضي المتاحة.
وأشار وزير الري الأسبق إلى أن حصة مصر والسودان مجتمعتين لا تمثل، بحسب تقديره، سوى نسبة محدودة من إجمالي الموارد المائية في حوض النيل، داعيًا إلى البحث في إمكانية الاستفادة من جزء من المياه المفقودة في البحيرات والمستنقعات الواقعة على امتداد الحوض، وقال إن استغلال جانب من تلك الفواقد قد يتيح توفير ما يتراوح بين 8 و10 مليارات متر مكعب إضافية يمكن الاستفادة منها لصالح مصر وغيرها من دول الحوض الراغبة في ذلك.
وعلى الصعيد الفني، قلل علام من قدرة إثيوبيا على حجب مياه النيل بصورة دائمة، موضحًا أنها قد تتمكن من احتجاز كميات من المياه لفترات محدودة، لكنها لا تستطيع وقف التدفقات إلى أجل غير مسمى، مشيرًا إلى أن موسم الفيضان الحالي يُعد من المواسم الجافة، إلا أن مصر تمكنت من التعامل مع تراجع التدفقات اعتمادًا على المخزون الاستراتيجي في بحيرة ناصر خلف السد العالي، محذرًا في الوقت ذاته من أن تكرار مواسم الجفاف قد يفرض تحديات أكثر خطورة على الأمن المائي المصري.
وفي الاتجاه نفسه، قلل خبير الموارد المائية نادر نور الدين من أهمية التصريحات الإثيوبية، معتبرًا أن تضخيمها يمنحها وزنًا سياسيًا أكبر مما تستحق، وداعيًا إلى عدم الانجرار وراء ما وصفه بمحاولات الاستفزاز.
وأكد أن الظروف الإقليمية التي أحاطت ببدء إنشاء سد النهضة عام 2011 لم تعد قائمة بالصورة نفسها، مشيرًا إلى أن التحركات المصرية المتزايدة في منطقة القرن الأفريقي، ولا سيما في الصومال وإريتريا، تعكس امتلاك القاهرة أوراقًا سياسية واستراتيجية أوسع في مواجهة أي تصعيد إثيوبي محتمل.
قطع الحياة عن المصريين
لكن يبقى السؤال الأهم: ماذا لو كانت أديس أبابا جادة بالفعل في المضي نحو بناء سدود جديدة على النيل الأزرق، وأن الأمر تجاوز حدود "المشاغبات السياسية" التي يتحدث عنها بعض المسؤولين والخبراء المصريين، أو الدعوات إلى تجاهل التصريحات الإثيوبية وعدم منحها وزنًا أكبر من حجمها؟
وزير الري المصري الأسبق محمد نصر علام، الذي سبق أن وصف التصريحات الإثيوبية بأنها لا تتجاوز إطار المشاغبات السياسية، عاد ليحذر، في تصريحات أخرى، من سيناريو مختلف تمامًا حال تحولت تلك الخطط إلى واقع.
حيث أكد أن التقارير المتعلقة بمساعي إثيوبيا لإقامة سدود جديدة على النيل الأزرق، إذا نُفذت بالطريقة نفسها التي أُنشئ بها سد النهضة ومن دون اتفاق ملزم مع دولتي المصب، فإن تداعياتها ستكون شديدة الخطورة على الأمن المائي المصري، قائلًا إن ذلك قد يعني «قطع الحياة عن المصريين»، قبل أن يستدرك: "بحكم معرفتي بالقيادة المصرية، فإن مصر لن تسمح أبدًا بأن يحدث ذلك".
ويجمع خبراء المياه على أن خطورة إنشاء سدود إضافية، حال انتقالها من مرحلة الخطط إلى التنفيذ الفعلي، تظهر بصورة رئيسية خلال فترات الملء؛ إذ إن بدء إثيوبيا في ملء خزانات جديدة يعني احتجاز جزء من تدفقات الفيضان لعدة سنوات بدلًا من مروره مباشرة إلى السودان ومصر.
ويتوقف حجم التأثير في هذه الحالة على عدد من العوامل، في مقدمتها السعة التخزينية النهائية للسدود، والمدة المقررة للملء، وحالة الفيضان خلال تلك السنوات، ومستوى المخزون في بحيرة ناصر، فضلًا عن ما إذا كانت أديس أبابا ستملأ السدود بالتتابع أم بصورة متزامنة، وهو ما يجعل من الصعب في الوقت الراهن تحديد رقم علمي ثابت لحجم النقص المحتمل في المياه الواصلة إلى مصر.
أما الخطر الأكبر فيرتبط بسنوات الجفاف الممتد، التي تصبح فيها إدارة كل متر مكعب من المياه مسألة بالغة الحساسية، فوجود مجموعة من السدود الإضافية إلى جانب سد النهضة قد يؤدي عمليًا إلى تشكيل سلسلة متكاملة من الخزانات تمنح إثيوبيا قدرة واسعة على تنظيم تدفقات النيل الأزرق داخل أراضيها.
وعندها لن تقتصر القضية على حجم المياه التي تصل إلى مصر، بل ستنتقل إلى أسئلة أكثر تعقيدًا: متى تصل هذه المياه؟ وما الكميات التي ستطلقها إثيوبيا خلال سنوات الجفاف؟ وكم ستحتفظ به لإعادة ملء خزاناتها؟ وهي أسئلة تجعل ملف السدود الجديدة، إذا دخل مرحلة التنفيذ، أكثر تعقيدًا من أزمة سد النهضة بمفردها.
ثلاث سدود جديدة
بحسب ما أوردته تقارير سابقة، تعتزم أديس أبابا المضي في إنشاء ثلاثة سدود جديدة على مجرى النيل الأزرق خلال المرحلة المقبلة، ويأتي في مقدمتها سد "كرادوبي"، وهو مشروع قديم مطروح منذ سنوات ضمن الدراسات الإثيوبية ودراسات مبادرة حوض النيل، وقدّرت بعض التصورات الفنية السابقة سعته التخزينية الإجمالية بنحو 40.2 مليار متر مكعب.
كما تشمل الخطط سد "ماندايا"، الذي يُعد، وفق بعض الدراسات القديمة، الأكثر إثارة للقلق من حيث قدرته التخزينية، إذ قدرت إحدى البدائل التي تناولتها دراسات مبادرة حوض النيل سعته الإجمالية بنحو 49.2 مليار متر مكعب، ويضاف إلى ذلك سد "بيكو آبو"، وهو أحد المواقع المقترحة لإقامة مشروعات مائية جديدة على مجرى النيل الأزرق، بما يعكس توجها إثيوبيا متزايدًا نحو توسيع منظومة السدود على النهر.
وإذا ما انتقلت هذه المشروعات الثلاثة من مرحلة الدراسات والخطط إلى التنفيذ الفعلي، وأضيفت إلى سد النهضة القائم بالفعل، فإن القاهرة ستكون أمام اختبار بالغ الحساسية يتجاوز أزمة سد منفرد إلى التعامل مع منظومة متكاملة من السدود الإثيوبية على النيل الأزرق، ومن ثم، يصعب التعاطي مع مثل هذه التقارير باعتبارها مجرد تصريحات استفزازية عابرة يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها، لارتباطها المباشر بمستقبل الأمن المائي المصري وبقواعد إدارة تدفقات النيل خلال العقود المقبلة.
ماذا عن القاهرة؟
لا يمكن قراءة تصريحات وزير الري الإثيوبي الأخيرة بشأن تحكم بلاده في تدفقات مياه النيل بمعزل عن التقارير المتزامنة حول خطط أديس أبابا لإنشاء سلسلة جديدة من السدود على النيل الأزرق، كما يصعب اعتبار هذا التزامن مجرد مصادفة سياسية، فالربط بين التصريحات والتحركات المعلنة يفتح الباب أمام قراءة أكثر خطورة، تتجاوز حدود الخطاب الاستفزازي أو الدعاية الموجهة للاستهلاك الداخلي، لتشير إلى احتمال وجود توجه استراتيجي إثيوبي لإعادة صياغة معادلة التحكم في مياه النيل.
وتقدم تجربة سد النهضة درسًا واضحًا في هذا السياق؛ إذ أثبتت أن التقليل من شأن الإشارات المبكرة، أو التعامل معها باعتبارها مجرد أوراق تفاوضية ورسائل سياسية مؤقتة، قد ينتهي إلى فرض واقع جديد على الأرض يصبح من الصعب تغييره بعد اكتمال المنشآت وبدء تشغيلها.
ومن ثم، فإن القضية لم تعد مرتبطة بمشروع سد قومي يمكن توظيفه داخليًا لتعزيز شعبية نظام أو حكومة، بل باحتمال تشكل منظومة متكاملة من السدود الإثيوبية على النيل الأزرق، تمنح أديس أبابا قدرة أوسع على تخزين المياه وتنظيم تدفقاتها والتحكم في توقيت إطلاقها قبل وصولها إلى دولتي المصب.
وتكمن الخطورة في أن مثل هذه القدرة قد تتحول مستقبلًا إلى ورقة ضغط ومساومة سياسية، بما يضع ملف الأمن المائي المصري في تماس مباشر مع حسابات القرار السياسي في القاهرة، وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تتحرك مصر هذه المرة مبكرًا، وما طبيعة الأدوات التي يمكن أن تستخدمها لمنع فرض واقع جديد؟ ولعل تجربة سد النهضة تقدم ما يكفي من العِبر؛ فالأزمات المائية الكبرى لا تبدأ لحظة اكتمال السدود، وإنما تبدأ منذ اللحظة التي يجري فيها الاستخفاف بأولى الإشارات إلى بنائها.










