إبراهيم الحمدي.. الزعيم الأسطورة

إبراهيم الحمدي.. الزعيم الأسطورة

عاش اليمنيون في عهد إبراهيم الحمدي حلم يقضة جميل وقصير (ماري كريستين هاينز)

لست الطفل ﺍﻟﻴﻤﻨﻲ الوحيد الذي ﺍﺳﺘﻤﻊ ﻷﻗﺎﺭﺑﻪ الأكبر ﺳﻨًﺎ ﻓﻲ ﺟﻠﺴﺎﺕ ﺍﻟﻘﺎﺕ ﻭﻗت ﺍﻟﻌﺼرﻳﺔ، ﻭﻫم ﻳﺘﺤدثوﻥ ﺑﻨﺸوﺓ ﺻوﻓﻴﺔ ﻭﺣﻤﺎﺱ ﺣﺎﻟم عن إبراهيم الحمدي، ﺍﻟرئيس ﺍﻟذﻱ ﺣﻜم ﺍﻟﻴﻤن ﺍﻟﺸﻤﺎﻟﻲ ﻟﺜﻼﺛﺔ ﺃﻋوﺍﻡ ﻭﻧﻴف، ﻟﻴﻠﻘﻰ ﺣﻨﻔﻪ ﺇﺛر ﺗﻠﺒﻴﺘﻪ ﻟوﻟﻴﻤﺔ ﻏداء ﻓﻲ ﻣﻨزﻝ ﺻديقه ﻭﻗﺎﺋد ﺟﻴﺸﻪ ﺃﺣﻤد ﺍﻟﻐﺸﻤﻲ ﻓﻲ ﺟرﻳﻤﺔ أﻟﻴﻤﺔ ﺭﺍﺡ ﺿﺤﻴﺘﻬﺎ ﺍﻟﺤﻤدﻱ ﻭﺃخيه ﻭﻓﺘﺎﺗين ﻓرﻧﺴﻴﺘﻴن. مثلي؛ جيل كامل من الأطفال الذين أصبحوا شبابًا في 11 شباط/ فبراير، فانتفضوا بشكل عفوي وتلقائي، رافعين صور رجل أحبوه قبل أن يروه ويسمعوه: إبراهيم الحمدي.

أنجز المجتمع اليمني في سنوات إبراهيم الحمدي الثلاث ما لم يستطع إنجازه في 30 عامًا لاحقة!

ينتمي الحمدي إلى طبقة "القضاة"، وهي الثانية في السلم الطبقي قبل الثورة، ساهم انخراطه في القوات المسلحة في ترقيه وتوليه مناصب مهمة كان آخرها نائبًا لقائد الجيش، قبل أن يصبح رجل الإجماع لحل الانسداد السياسي المنذر بحرب أهلية، ليعلن في 13 حزيران/يونيو 1974 انقلابه اﻷبيض على سلفه السابق القاضي عبد الرحمن الإرياني.

حقق الحمدي لليمنيين خلال 3 أعوام ونيف، طفرة تنموية واجتماعية وثقافية وفنية، يعزى إليها أغلب الموجود من البنى التحتية لبلد فقير وغير مستقر، واﻷهم أنه أعاد الوفاق للمجتمع اليمني الذي عاش احتقانًا طائفيًا أثمرته تسوية طائفية بين قوى الجمهورية الهشة مع القوى الملكية للقضاء على الجمهوريين التقدمين، وأنصار مشروع الدولة من البرجوازية الصغيرة.

لكن الحمدي أعاد الاعتبار تدريجيًا لهذه القوى متخطيًا موروث القبيلة والعصبة والطبقة، من خلال حبكة سياسية أثبت فيها ذكاءه الفطري وحرفيته وصبره في مهمة تصفية مراكز القوى التقليدية التي أتت به إلى سدة الحكم، ظنًا منها أنه مهيأ للعب دور اﻷراجوز.

بالحرفية ذاتها لعب الحمدي مع الشعب الذي نقله إلى مستوى آخر، من خلال مشروعه الكبير "تجربة التعاونيات"، التي حول فيها العمال والفلاحين والموظفين والطلاب والمهنيين وسواهم إلى قادة اجتماعيين، من خلال الصناديق والجمعيات التعاونية في اﻷرياف والمناطق المحرومة، التي أسهمت بقوة في بناء المدارس والمستشفيات والمرافق وشق الطرق ومشاريع المياه وسواها من الخدمات، بدعم فني ومالي من الحكومة والمانحين، اﻷمر الذي قلب كيان المجتمع "السلبي" والمشغول بالصراعات كليًا، ليتحول إلى مجتمع مبادر، أنجز في 3 سنوات ما لم يستطع إنجازه في 30 عامًا لاحقة!

لم يترك الحمدي شيئًا في الذاكرة التاريخية لكاريزما "الإمام العادل" إلا وفعلها، بل وزاد، إذ كان لقرار إنزال الرتب العسكرية وأولها رتبته التي كانت "عقيد" وأصبحت "مقدم" أثر قوي في تحديد ماهية الزعيم الذي كان آنذاك يجتاز أيامه اﻷولى في السلطة، وكانت شخصيته تتقمص سلوكيات يصعب تخيلها في القرن العشرين إذ كان يرفض استلام الهدايا الشخصية ويرسلها إلى الوزارات المعنية لاستلامها باعتبارها ملكًا للدولة، كما أنه كان يسير وحيدًا وبلا حراسة بمركبته الشهيرة "فولكس فيجن" متفقدًا أحوال مواطنيه، ومراقبًا الانضباط في المرافق الحكومية.. وثمة عشرات القصص على لسان كثير من المواطنين الذين قالوا أنهم قابلوا الحمدي هنا أو هناك، دون أن يتعرفوا عليه، إما لتنكره أو جهلهم به بسبب بدائية وسائل الميديا في ذلك الوقت، وغالبًا ما يتحدث هؤلاء عن مساعدة الرجل المجهول لهم وإعطائهم أوراقًا صغيرة ليعطوها للمسئول الفلاني أو العلاني، الذي يصعق حين يرى توقيع الرئيس ويهب من فوره لمعالجة المشكلة.

يحسب للحمدي أنه أول رئيس يوجّه بإنزال صوره الرسمية من المصالح الحكومية ورفع لفظ الجلالة بديلًا عنها

ورغم كاريزما الرجل العاطفي والحالم التي يتمتع بها الحمدي شكلًا، فإن كاريزما الرجل المتواضع والنزيه والطموح والمخلص هي اﻷعمق أثرًا.. إذ يحسب للحمدي أنه أول رئيس يوجّه بإنزال صوره الرسمية من المصالح الحكومية ورفع لفظ الجلالة بديلًا عنها. كما أصدر توجيهاته بمنع التخاطب بلفظة السيد وصاحب المعالي والفخامة وخلافه واستبدالها بلفظة اﻷخ، وأصدر توجيهات صارمة لمعالجة الفساد المستشري مسترشدًا بخطط المختصين في هذا المجال، وعرف ببرامجه الاقتصادية البناءه، وبرامج إقراض رجال اﻷعمال، وتشجيع الصناعة الوطنية، وخطط النهوض والمشاريع الاستراتيجية، واهتمامه بالزراعة، ودعمه للطلاب وتشجيعه للشباب والمثقفين وأنشطتهم ورعايته للفنانين وإشراك المؤسسة العسكرية والعمال في العمل الثقافي والفني.. وغدت فترة حكمه هي اﻷكثر إنتاجا في مختلف المجالات ومنها الفن واﻷغنية الوطنية خصوصًا.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد كان اهتمام الحمدي بالمغتربين في الخارج، والمملكة العربية السعودية تحديدًا، التي يبدأ تقدير عددهم فيها من المليون فأعلى، مؤشرًا قويًا على طبيعة المرحلة التي كان اليمن يشترط فيها معاملة خاصة ﻷبنائه في المهجر، أو عودتهم إلى بلادهم، وكما يتذكر المغتربون تدافعهم الجماهيري الكبير لاستقبال رئيسهم في بلاد الغربة، يتذكر أطفال ذلك الزمان تدافعهم وركضهم لاستقبال أكياس الحلوى التي ترميها عليهم طائرات الجيش في اﻷعياد الوطنية.

لقد عاش اليمنيون في عهد إبراهيم الحمدي حلم يقضة جميل وقصير، لكنه خلاب وغائر في ثنايا الذاكرة واﻷمنيات، ولقد بكى اليمنيون بكاء مرًا رحيل الرجل الذي عبر في حياتهم كالنسيم بلا مقدمات أو نهايات متوقعة.

وكما شكروه كلما ذكروه، مجوا رؤية وسماع من خلفوه، وإذا كانت الفرصة قد سنحت لبعض اليمنيين أن يرموا خلفه وقاتله أحمد الغشمي باﻷحذية وهم يهتفون في وجهه بأنه القاتل، فإنها لم تسنح لكثير منهم أن يعبروا عن قرفهم من علي عبد الله صالح الذي حاول تقليد الحمدي في كل شيء، حتى في معاداة "الرجعية"!

تواكب هذه اﻷيام الذكرى الـ 38 لرحيل الحمدي في 11 تشرين اﻷول/ أكتوبر 1977، وبينما أحاول التجرد من الوثن واﻷسطورة لصالح الحقيقة التي لا يصدقها الخيال.. أجدني مشدودًا لجوقة ثورة الشباب اليمنية التي لم تخل مسيرة واحدة فيها من صور إبراهيم الحمدي، هاتفًا مع أولئك الشباب "يا حمدي لسنا من جيلك.. لكن واجبنا تقبيلك".

اقرأ/ي للكاتب:
من القات اليمني إلى حبوب الهلوسة العربية
مدينةٌ يحاصرها الانحطاط