إبادة عرقية في تخوم

إبادة عرقية في تخوم "الغرب الصيني الجامح".. ماذا يحصل للإيغور؟

تخضع أقلية الإيغور لأنظمة مراقبة صارمة (Getty)

تستمر التقارير التي توضح الانتهاكات واسعة النطاق، التي تتعرض لها أقلية الإيغور في أقصى غرب الصين، حيث يعيش أبناء هذه الأقلية المسلمة تحت بطش اللامساواة في الإدارة والاقتصاد والوظائف والحياة اليومية، كما أنهم يعيشون تحت نمط صارم من المراقبة والمخاوف العامة، بالإضافة إلى التغييرات الديمغرافية والصراعات الإثنية التي تديرها السلطات الصينية، في منطقة سنجان. يروي مارتين بولارد، في هذا التقرير المترجم عن صحيفة "لو موند ديبلماتيك" الفرنسية، تفاصيل الرحلة التي خاضها إلى هذه المنطقة، مستعرضًا أسباب الصراعات العرقية التي توشك على الاندلاع هناك، وربما قد تكون اندلعت بالفعل.


بدأت رحلتي إلى المقاطعة الواقعة في أقصى غرب الصين في أيار/مايو هذا العام؛ من الغرفة الخلفية لحانة عادية بإحدى ضواحي باريس الشرقية.

تستمر التقارير التي توضح الانتهاكات واسعة النطاق، التي تتعرض لها أقلية الإيغور في أقصى غرب الصين، حيث يعيش أبناء هذه الأقلية المسلمة تحت بطش اللامساواة

كان الرجل الإيغوريّ الذي جئت لزيارته برفقة شرطيّ يرتدي لباسًا مدنيًّا، ورغم ذلك، ارتعشت يداه واعتلت وجهه نظرةٌ يملؤها الرعب: هل جئت حقًّا لإجراء مقابلةٍ معه أم أنني كنتُ استجوبه لصالح الشرطة السياسية الصينية؟ كان الرجل عضوًا في المؤتمر الإيغوريّ العالميّ المعارض، ومنح لتوه حق اللجوء السياسي في فرنسا.

كانت قصته عاديةً جدًا وغير مثيرة: فقد احتج على ظلمٍ في مكان عمله في منطقة سنجان (تُنطق شينجيانغ وتعني «التخوم الجديدة» باللغة الصينية)، ما أدى إلى اعتقاله وسجنه. ثم فر بعد ذلك. كان ذاك هو كل ما يودّ البوح به. ربما يبدو خوفه من أن يكون قد تم تعقبه إلى ضاحية باريس تلك مبالغًا به؛ لكنه يُمثلُ دلالةً على الضغط المعنوي والمادي الذي يواجهه شعب الإيغور، أولئك المسلمين الناطقين باللغة التركية في الصين.

بعد بضعة أيام، وصلت إلى مدينة أورومتشي، عاصمة إقليم سنجان الصيني الشاسع ذاتيّ الحكم التابع لشعب الإيغور، والتي تبعد حوالي 4 آلاف كم عن بكين. لم يكن هناك دلائل مباشرة على وجود توتر، حتى في منطقة تواجد الإيغور في المدينة. يتعايش هنا أفراد الأقليات المسلمة في الإقليم -الأوزبك و الكازاخ والقيرغيز- مع أبناء قومية الهان الصينية، الذين يمثلون أكبر طائفة عرقية في المدينة (وإن لم يكن في جميع أنحاء إقليم سنجان) كما هو حالهم في الصين ككل. عاشت بعض عائلات من قومية الهان هنا لعدة أجيال.

الفوارق الخفية

كان المسجد الصغير في المنطقة مفتوحًا لاستقبال الزوار. في الشوارع الضيقة الصاخبة والتي تصطف على جوانبها أكشاك بالقرب من السوق الذي تم تجديده مؤخرًا، كان التجار يبيعون مزيجًا غريبًا من السلع: أمشاط وصبغات للشعر، وعقاقير من الأعشاب، وبطاقات هواتف، وغيرها. كما كانت أسياخ الدجاج ولحم الضأن مع المعكرونة معروضة أيضًا. لا يأكل الإيغور لحم الخنزير؛ على عكس الهان الصينيين، ولكن يُعدّ هذا أخف الفوارق التي تفصل وتباعد بين هذين الشعبين.

اقرأ/ي أيضًا: شبح ماو تسي تونغ في الجامعات الصينية.. تخدير بما تيسر من أيديولوجية الزعيم

اندلعت أحداثُ عنفٍ غير مسبوقة في هذه المقاطعة والمناطق المجاورة لمدينة أورومتشي بين يومي 5 و8 تموز/يوليو، خاصة أمام جامعة سنجان. على مدى ساعات في الخامس من شهر تموز/يوليو، قام متظاهرون من الإيغور مسلحين بالهراوات والسكاكين وغيرها من الأسلحة البيضاء؛ بإضرام النار في الحافلات وسيارات الأجرة ومركبات الشرطة. كما نهبوا متاجر الهان الصينيين، وضربوهم وقتلوهم. وفي اليوم التالي، ردّ الهان الضربة، وقاموا بمهاجمة وقتل الإيغور. وفي نهاية شهر تموز/يوليو، قيدت الإحصاءات الرسمية في سجلاتها 194 قتيلًا و 1,684 جريحًا، لكن لم يتم توزيع الأرقام حسب المجموعة العرقية.

حتى لو لم يستطع أحد توقع اندلاع عنف بين الأعراق المختلفة بهذا الحجم قبل شهرين، كانت هناك بالفعل علامات على غضبٍ متراكم في ذاك المجتمع المحلي الذي يتعرض للإذلال والتحرش في كثيرٍ من الأحيان. اتضح أن حتى مجرد تحديد مواعيد مع أي من الإيغور، سواءً كانوا ناشطين سياسيين أم لم يكونوا كذلك، يُعدّ أمرًا صعبًا للغاية. اضطررت إلى إجراء مكالمات هاتفية متكررة، وكانت المحادثات التي تبدأ في أماكنٍ عامة؛ تُختتم في شوارعٍ مهجورة بعيدة عن أعين الجميع.

حتى أنه في بعض الأحيان كان عليّ أن أقوم بتقديم الشخص الذي أُجري معه المقابلة إلى أمين حزب الهان لإظهار أن كل شيءٍ كان مكشوفًا وبعيدًا عن الشبهات. قد يتهم أي شخص يستقبل أجنبيًا بارتكاب "أنشطة ذات اتجاه قومي" على الفور، وهو الاتهام الذي يحتل المرتبة الثانية بعد الإرهاب من حيث مدى خطورته، وهو الأمر الذي يمكن أن يتسبب في فقدانك لوظيفتك، أو خفض درجتك الوظيفية أو حتى الاعتقال والسجن.

حسب ما قال عبد الرحمن، وهو مهندس مدني من الإيغور ، فإن "الشك والقمع هما القاعدة العامة عند التعامل مع الإيغور، لكن الهان الصينيين يصبحون أيضًا مصدرَ قلق إذا ما اشتبه في ضلوعهم بأنشطة سياسية".

قابلته في واحدٍ من أفضل مطاعم الإيغور في مدينة أورومتشي، وهو مطعم ترتاده عائلات من الهان الصينيين، وعائلات مسلمة (كانت تضم نساءً محجبات، وفتيات يرتدينّ الجينز ويضعنّ مساحيق التجميل على حدٍ سواء) والسياح الأجانب.

يُدير عبد الرحمن شركة صغيرة تضم خمسة موظفين من أصول وخلفيات عرقية متنوعة. ليس شخصًا جبانًا وخوَّافًا بطبعه، لكن عندما يناقش التمييز الذي تعاني منه طائفته ومجتمعه، يشرع في خفض صوته. وعندما نتحدث عن ما يتم تدريسه في المدارس؛ يكتب على يده: "يقومون بغسل الأدمغة".

تنتشر عمليات مراقبة واسعة النطاق، خاصة حول المساجد. في مدينة كاشغر (أو كاشي إذا أردنا منحها الاسم الرسمي) التي تقع في جنوب المنطقة، يمكن أن تضمّ صلاة الجمعة عددًا يصل إلى 20 ألف مُصلٍّ. يتم الحدث بأكمله في ظل مراقبة رجال شرطة سريين يرتدون ملابس مدنية.

يتطلب تعيين الأئمة هنا موافقةً رسميةً من قبل السلطات، وتخضع خطبهم لرقابة دقيقة؛ يوضّح الموقع الرسمي لحكومة سنجان -والذي ينشر تاريخ الإسلام في الصين- أن السلطات الدينية (المختارة بعناية) وقيادة الحزب الشيوعي الصيني (CPC) قد أعدا مجموعة خُطب مكونة من أربع مجلدات، محددة بمدة زمنية تتراوح من 20 دقيقة إلى 30 دقيقة، والتي يمكن للإمام كثير المشاغل أن يختار من بينها.

لم تكن الأمور دائمًا على هذا الوضع. إذ تم النص على حرية الأديان في الدستور الصيني عام 1954. حتى منتصف الستينات، كان بإمكان المسلمين ممارسة عقيدتهم مع قليل جدًا من العوائق. يتذكر أحمد، وهو مرشد في كاشغر، نساء من جيل جدته وهنّ يرتدينّ الحجاب عندما كان صبيًّا. لكن خلال السنوات المظلمة من الثورة الثقافية وفي أعقابها، فإن المساجد إما أُغلقت أو تم تدميرها. وكان التعبير عن المشاعر الدينية غير وارد ومستبعدًا؛ حتى داخل المنزل. انتهى القمع بتحرك دينغ شياو بينغ (Deng Xiaoping) قدمًا نحو التحرر الاقتصادي (اقتصاد السوق) في عام 1978، وتم إعادة صياغة مبدأ حرية الأديان في الدستور عام 1982.

"ماذا تنتظرون؟"

وبحلول نهاية الثورة الثقافية، لم يبق سوى 392 مكانًا للعبادة صالحًا للاستخدام وأداء الشعائر في منطقة كاشغر، وهي واحدة من أهم المراكز الدينية في المنطقة. وفي نهاية عام 1981، ارتفع عددهم إلى 4,700 مُصلَّى، وفي عام 1995 بلغ عددهم 9,600 مُصلىً.

وحسب ما ذكر ريمي كاستيه (Rémi Castets)، وهو متخصص فرنسي في حركات الإيغور ، كان في سنجان بحلول مطلع الألفية الثالثة حوالي 24000 مسجد، أي ثلثي إجمالي عدد المساجد في الصين. فُتحت المدارس القرآنية، وأُعيد إحياء الأعمال العلمية والبحثية الخاصة بالمسلمين، وأُنشئت مطابع خاصة. وازدهر الدين بالتزامن مع عملية إحياء لثقافة الإيغور وإحساس بالهوية.

لكن بدأت الأمور تسوء في بدايات تسعينات القرن الماضي. فمن جهة، أصبح الإسلام مسيَّسًا؛ كانت هناك زيادة في عدد "أعياد الحصاد" meshreps (وهو نوع من اللجان الدينيّة المحلّيّة، التي تشارك أحيانًا في احتجاجات) وكذلك أنشِئَت منظّمات تشبه حركة استقلال تركستان الشرقية، والتي يُشتَبه في صلتها بتنظيم القاعدة. وفي ذات الوقت، ساهم الاستقلال الحديث للجمهوريات السوفييتيّة السابقة في آسيا الوسطى -على الحدود مع تركستان الشرقيّة- في زيادة آمال استقلال الإيغور، والذي جرى تجاهله سابقًا. لقد كان هناك حتّى حديث عن "إيغورستان"، لتوحيد مجتمعات الإيغور على جانبي الحدود الصينيّة.

لا تزال سَنيّة  تتذكّر-وهي معلّمة للأدب القديم في أورومتشي، عاصمة الإقليم- إعادة لم شمّل العائلة في عام 1992، حين عادت إلى الوطن خالتُها، التي كانت قد فرّت إلى أوزبكستان خلال الثورة الثقافيّة الصينيّة. تقول سَنيّة: "حينها كان دورنا في الذهاب إلى طشقند. لقد كانت صدمة؛ فقد لاحظنا أنّ الأوزبك لديهم حياة أفضل منّا، وقد حافظوا على تقاليدهم وتراثهم أفضل مما فعلنا. لكن في ذات الوقت، لم يكن هناك عنصر ديني بارز". وأضافت سنيّة أنه منذ ذلك الوقت "أصبح سؤال الاستقلال مهمًّا جدًّا. ليس هناك أيّ حاجز ثقافيّ أو دينيّ أو لغويّ بين شينجيانغ وأوزبكستان. فعادةً ما سألَنا الناس في طشقند عمّا كنا ننتظره. كانوا يقولون لقد فعلناها نحن، فلم لا تقومون أنتم بالمثل؟ صار كبرياء الإيغور على المحكّ. كان الأمر يشبه التحدّي".

ساهمت تلك المشاعر غالبًا في ولادة حركات إيغورية لها صلات مع باكستان وتركيا، وقد كان لبعضها طموحات انفصاليّة. وحتّى لو لم يكن لديها تأثير كبير على الشعب بشكل عام، فقد كان هناك بعض التظاهرات والحوادث الأخرى خلال عقد التسعينات من القرن الماضي. جاء رد فعل بيجين على ثلاثة محاور؛ فقد استخدمت الدبلوماسيّة لمحاربة "القوى الثلاث (التطرّف والنزعة الانفصاليّة والإرهاب) عبر قطع كافة الروابط بين النشطاء الإيغور وجيرانهم (جمهوريّات آسيا الوسطى وباكستان)، وعلى وجه الخصوص من خلال "منظّمة شنغهاي للتعاون" (يمكنك أن ترى كيف تقوم الصين بضمّ دول آسيا الوسطى إلى المنظّمة). كذلك انخرطت الصين في عمليّات التطوير والتحديث، باستخدام التمويل العام و"فيلق شينجيانغ للإنتاج والإنشاء" XPCC الذي يديره الجيش الصينيّ -والمعروف باسم "الفيلق" أو "الألوية العسكريّة"- وكذلك من خلال جذب الصينيّين من قوميّة هان إلى المنطقة. ثالثًا وأخيرًا، لجأت الصين إلى القمع والمراقبة عن قرب.

يقول كاستيتس أنّ "هدف الحكومة المركزيّة ليس الهجوم على الإسلام في حدّ ذاته؛ ولكن ما تريده قبل كلّ شيء هو منع الإسلام من إضفاء الشرعيّة على التعبيرات عن النزعات الانفصاليّة أو المشاعر المضادّة للحكومة. يتخذ الحزب الشيوعيّ الصينيّ من تعامله مع قومية الهُوي نموذجًا له". فقد استطاعت الصين تهدئة علاقاتِها مع قوميّة هُوي، وهي أكبر المجتمعات المسلمة في البلاد (10 ملايين شخص)؛ وتأمل الحكومة في تحقيق نتائج مشابهة مع الإيغور.

يقدّر كاستيتس الاستثمارات الحكوميّة في شينجيانغ منذ عام 2000 بحوالي 870 مليار يوان صينيّ (أي 127 مليار دولار أمريكيّ). تبدو الحيويّة الاقتصاديّة في كلّ مكان حيث يجري استغلال الاحتياطي الضخم من الفحم والنفط والغاز في المنطقة، كما طورت مصادر جديدة للطاقة (توجد نقطة خاصة للرؤية على الطريق السريع بين أورومتشي وطورفان يمكنك منها تصوير طواحين الرياح التي تختفي في الأفق). كذلك تُبنى مدن ضخمة جديدة، مثل مدينة كورلا، مع مراكز تسوّق مفتوحة كثيرة ومقرّات لشركات النفط. وهناك أيضًا مطارات وطرق سريعة تحت الإنشاء. لقد ظهرت مواقع البناء في كلّ مكان، بما في ذلك الحيّ الأويغوريّ القديم في مدينة كاشغر، والذي هو في طريقه إلى الإزالة.

دولة داخل الدولة

يقوم اقتصاد شينجيانغ على المواد الخام والزراعة وبنسبة أقلّ على السياحة؛ ويعدّ حوالي نصف محركّات النموّ الاقتصاديّ في يد "فيلق شينجيانغ للإنتاج والإنشاء" XPCC أو "الفيلق". إن استيعاب طبيعة تلك الدولة داخل الدولة هو أمر ضروريّ لأي فهم لتلك المقاطعة الصينيّة النائية.

بحلول نهاية الثورة الثقافية، لم يبق سوى 392 مكانًا للعبادة صالحًا للاستخدام وأداء الشعائر في منطقة كاشغر، وهي واحدة من أهم المراكز الدينية في غرب الصين

أُنشِئَ "الفيلق" عام 1954 لحماية حدود الصين والأراضي الخالية. قاموا بتجنيد الجنود الذين سُرِّحوا بعد الحرب الأهليّة، وهم شيوعيّون مُخلصون كانوا على استعداد لجلب "الحضارة" إلى الريف، بالإضافة إلى صينيّين من قوميّة هان (سواء كانوا شيوعيّين أم لا) الذين أُرسلوا إلى المنافي أو معسكرات العمل، من أجل "إعادة التعليم"، مثل الكاتب الشهير وانغ مينغ، وهو شيوعيّ أُدِينَ بتهمة "الانجراف إلى اليمين". أنشِئ اثنا عشر فيلقًا/لواءً في أماكن مثل بيلونغجيانغ والتبت ومنطقة منغوليا الداخليّة. وبعد وفاة ماو تسي تونغ عام 1976، أزيلوا جميعهم عدا أولئك الموجودين في شينجيانغ، والذين أصبحوا اليوم أنشط من أيّ وقتٍ مضى.

اقرأ/ي أيضًا: اضطهاد الإيغور في الصين.. معسكرات اعتقال لتعليم الشيوعية!

يتتبّع متحف شيهيزي تاريخ "الفيلق" بأسلوب واقعيّ- اشتراكيّ: هناك عشرات من الصور القديمة، لجنود- فلّاحين فقراء أو أطفال في مدارس مؤقّتة، تفوح فيها روح الريادة في زمنهم. وهناك غرفة ممتلئة تمامًا بخريطة ضخمة تعرض نفوذَ "الفيلق" اليوم، وهو نفوذٌ تجاوَزَ بكثيرٍ نفوذّ الحكومة الإقليميّة.

لا زال الفيلق تحت سيطرة جيش التحرير الشعبيّ. وفي المقاطعات التي تحت سيطرته يقطن حوالي 1.9 مليون نسمة. لديهم سلطة تحصيل الضرائب، ويمتلكون 1500 شركة، ومنها شركات إنشاءات والعديد منها متداولة في سوق الأوراق الماليّة. كذلك يدير "الفيلق" جامعتَين، ويسيطر على ثلث الأراضي الزراعيّة في شينجيانغ، ورُبع الإنتاج الصناعيّ في المقاطعة، وما بين نصف إلى ثُلثَي صادراتها. (ومما يثير الدهشة، أنّ "الفيلق" هوأكبر منتج للكاتشب في العالم؛ وحتى أنه اشترى شركةً فرنسيّة، هي Conserves de Provence، في عام 2004 من خلال شركة تابعة له هي Xinjiang Chalkis Co).

الحدود الجديدة

في لقاءٍ تاريخيّ بشأن استقرار مقاطعة شينجيانغ عام 1996، دعا المكتب السياسيّ في الحزب الشيوعيّ الصينيّ جميع الشيوعيّين إلى "تشجيع شباب الصين إلى المجيء والاستقرار في المناطق التي يتركّز فيها "فيلق شينجيانغ للإنتاج والإنشاء XPCC“. لكن هذا ليس سبيل الهجرة الوحيد الذي أحدَثَ تحوّلًا واضحًا في التركيبة السكّانيّة للمنطقة (فقد نمَت قوميّة هان الصينيّة من نسبة 6٪ فقط من السكّان عامَ 1949 إلى 40.6٪ عامَ 2006). ومنذ رفع القيود على الحركة الداخليّة، جاء الصينيّون من قوميّة هان إلى المنطقة آمِلين في تكوين ثروتهم في المكان الذي رأوه بمثابةِ حدودٍ جديدة. تَبِعهم في ذلك الفلّاحون الفقراء (مينغونغ) من المقاطعات التي يكون فيها مستوى الدخل أقلّ حتّى من شينجيانغ، مثل سيزوان وشآنشي وغانسو. هؤلاء الناس بالكاد يعيشون من عائد وظائفهم منخفضة الأجر، لذا فإنّ مِن التضليل نعتَهم بـ"المستعمرين"، كما يفعل الإعلام الغربيّ عادةً.

يضمّ القادمون الجدد كذلك مهنيّين يعملون في شركات القطاع العام، والذين تُعدّ رواتبهم أفضل بكثير، وإن كانت ظروفهم المعيشيّة ليست أفضل حالًا. أحد هؤلاء ليو وانغ، وهو مهندس يعمل في إنشاء خط السكّة الحديديّ الجديد بين أورومتشي وهوتان، وهي آخر امتداد عمرانيّ قبل صحراء تكلامكان. يأتي وانغ من مقاطعة شآنشي، ويرى زوجته وأطفالَه مرّة في العام، عند رأس العام الصينيّ. لا يرى وانغ فرقًا كبيرًا في الثروة بين قوميّات هان والإيغور والقزق. ففي رأيه أنّ منطقة شينجيانغ بكاملها في حاجة إلى تغيير شامل. ويؤكد: "لا زالت الشيوعيّة هنا، في نبرةٍ لا يبدو كلامه معها إطراءً.

يأسف ليو وانغ على بطء دوران عجلة التنمية في المنطقة، قائلًا إن "كل شيء دومًا يجب أن يُحال إلى أعلى. عليك دائمًا أن تضمن عدم تعرضك للمسائلة". نتيجةً لهذا، يُهدَر المال العام. ويضيف وانغ "إنّهم يبنون الطرق السريعة والمطارات والفنادق، لكن لا يجري تدريب العَمالَة اللازمة بعد ذلك". ولهذا فإنّه في موقع الإنشاءات الذي يعمل فيه تذهب الوظائف التي تتطلّب مهاراتٍ إلى قوميّة هان، فيما يُترَك الإيغور في الوظائف التي لا تتطلّب مهارات خاصة. تلك المقولة تتردّد دومًا. وفيما كنا نمرّ خلال موقع البناء على طريق كاشغر-هوتان، قال لي سائق التاكسي الأويغوريّ: "بالطبع هناك مهندسون إيغور، لكنهم لا يستطيعون السفر إلى الخارج للتدريب، والآن كلّ التقنيات تُستورَد من ألمانيا واليابان؛ ولا تُعطي السلطاتُ المهندسين الإيغور جوازات ليسافروا".

لا يوجد في الصين الحق التلقائيّ في الحصول على جواز سفر؛ إذ إنّه هبةٌ من قيادة المقاطعة. سواءٌ كنتَ مهندسًا أو باحثًا أو مجرّد مواطنٍ عاديّ، فإنّ الحصول على موافقة يتضمّن مسارًا من العقبات لأيّ شخص ينتمي إلى أقلّيّة عِرقيّة. وإذا نجحتَ في تخطّي العقبات، فإنّ عليك السفر إلى العاصمة بيجين للحصول على تأشيرة من سفارة البلد الذي ترغب بالسفر إليه. كلّ هذا يجعل السفر إلى الخارج شيئًا بعيدَ المنال بالنسبة لمعظم الإيغور.

حاجز اللغة

اللغة هي المعوق الآخر الذي يواجه الإيغور في سوق العمل. معظم الإيغور لا يتحدثون لغة الماندرين، أو يتحدثونها بشكل سيئ، ولكنها اللغة المستخدمة في معظم أعمال الهان. يقول وانغ جيان مين، أستاذ علم الإنسانيات بالجامعة المركزية للقوميات في بكين، إنه "غالبًا ما يكون هناك خلط بين اللغة والعرق. يمكنك تفهم أن سوق العمل يتطلب أن تتحدث لغة الماندرين بشكل سليم، ولكن ليس من الطبيعي أن يتطلب أن تكون من الهان". قد لا يكون ذلك طبيعيًا  ولكنه بالتأكيد أسهل، بحسب رجل أعمال شاب يعمل في ضواحي شيهيزي، حيث يقول: "بسبب الأقليات تحتاج إلى كافتريا تقدم منتجات حلال أو أطعمة خاصة، لأن عاداتهم الغذائية مختلفة".

لا يوجد في الصين الحق التلقائيّ في الحصول على جواز سفر لأبناء الأقليات؛ إذ إنّه هبةٌ من قيادة المقاطعة

وأضاف "عندما تقع مشكلة، يكون الإيغور أقل ميلًا للمصالحة"، من المينغونغ الذين يمكن إعادتهم إلى مقاطعاتهم الأصلية عند أقل احتكاك. ونتيجة لذلك، يجد الإيغور، وحتى ذوي الكفاءات العالية منهم، صعوبة في الحصول على وظيفة. وهذا يزيد من إحباطهم، على الرغم من أن الوضع ليس ورديًا في سائر البلاد، حيث يخفق واحد من بين كل ثلاثة خريجين في العثور على وظيفة.

اقرأ/ي أيضًا: الإسلام في الصين

ومع ذلك، تعتبر اللغة عائقًا حقيقيًا. في السابق، اعتادت معظم العائلات على إرسال أطفالها إلى مدارس الأقليات العرقية حيث كانت لغة الماندرين مجرد مادة متاحة للتعلم، بينما في الريف لم تكن تُدرَّس على الإطلاق. وقد خلق هذا نقطة ضعفهم الحالية وجعل من المستحيل على الشباب مغادرة مقاطعاتهم، لأنها المكان الوحيد الذي يتحدث لغتهم. لم تواجه نخبة الإيغور في المدن هذه المشكلة، فهناك يرسل الآباء أطفالهم إلى المدارس الصينية (حيث يمكنهم كذلك تعلم الإيغورية).

إلا أن التدريس باللغة الصينية صار إلزاميًا في جميع المناهج الدراسية منذ عام 2003، باستثناء تدريس الأدب. أصبحت الأويغورية الآن اللغة الثانية في الصين. وساهم هذا القرار الجديد في إثارة خلاف كبير بين الهان والإيغور. وصف البعض القرار "بالإبادة الثقافية"، أو كما شبهها عبد الرحمن، بغسيل الدماغ. ويؤدي ذلك إلى مواقف سخيفة في الريف، كما أخبرتني نادرة، وهي معلمة حديثة العهد، تدربت في جامعة اللغة الصينية في أورومتشي، ولكنني قابلتها في قرية بعيدة عن كاشغر. نادرة هي المعلمة الوحيدة التي تُدرس لغة الماندرين هناك، ولا يمكنها إلقاء التحية على كل تلاميذها. تقول "الزعماء السياسيون هم من يختارون من يذهب إلى المدارس ثنائية اللغة، ومن يذهب إلى المدارس الأخرى". تزيد هذه التعسفية في صنع القرارات من غضب العائلات التي ترفض بالفعل تدريس لغة الماندرين إجباريًا.

في المقابل، يرى ناظم، الذي يدير قسمًا في جامعة أورومتشي، وجود فرصة لمجتمعه، حيث إن "هذا يسمح لك بالتمكن من لغتك الأم - تحتاج إلى معرفة طريقة كتابتها للحفاظ على ثقافتك - وتعلم لغة الماندرين من أجل المعرفة والتبادل والعمل". مثل الكثيرين من الطبقات الوسطى، يخشى ناظم أكثر من الهجر التدريجي لتعلم الإيغورية من قبل الفئات الأكثر ثراءً في المجتمع، والذين يرسلون أولادهم إلى المدارس الصينية لمنحهم أفضل فرصة ممكنة. يقل استخدام الآباء للإيغورية أكثر وأكثر، والإلمام باللغة آخذ في الانخفاض، "هكذا تموت اللغات".

لكن الشباب أكثر عنادًا. انتظرت أسيان، والتي تعاملت باللغة الصينية منذ البداية، رحيل زميلها الأكبر سنًا قبل أن تفصح عن رأيها. قالت "إنهم يبدأون بتحديد نطاق تعليم الإيغورية حتى ينتهي بها الحال إلى الزوال". في محافظة يونان، حيث تلقت أسيان تعليمها، لم تعد لغات الأقليات تُدَرّس. وتتوقع  أسيان طريقًا طويلًا يؤدي في نهايته إلى فقدان الهوية، خاصة وأن "التعليم يقلل من ثقافتنا ويحولها إلى فولكلور".

في مدينة كاشغر حيث يمكن أن تضمّ صلاة الجمعة عددًا يصل إلى 20 ألف مُصلّ، يتم الحدث بأكمله في ظل مراقبة رجال شرطة سريين يرتدون ملابس مدنية

وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، على الرغم من أن عددًا قليلًا جدًا من الهان سيعترف بذلك.  لقد "مل" البعض منهم، مثل زانغ وي الذي يعمل مصورًا، من سماع شكاوى الإيغور، يقول: "يتلقى أفراد الأقليات العرقية معاملة تفضيلية في امتحانات القبول بالجامعة بسبب نظام المكافآت. وهناك أماكن محفوظة لهم خصيصًا في إدارة المؤسسات العامة. وكُتّابهم ينشرون أعمالهم بسهولة أكبر من كتاب الهان". ثم يستشهد بمثال عن أحد الموهوبين من الهان الذي حُرم من الترقية ونالها بدلًا منه إيغوري غير كفؤ.

منذ عام 2003، ألزم القانون الإدارات بأن تكون قيادتها مشتركة، واحد من مجتمع الهان وواحد من أقلية عرقية. ولكن في معظم الأوقات، تبقى السلطة في يد الهان. هذا هو الحال في المستويات العليا في حكومة المنطقة: الرئيس هو نور بكري، من الإيغور، لكن أمين الحزب وانغ ليكان هو الحاكم الفعلي. حكم ليكان المقاطعة بقبضة من حديد منذ عام 1994. يقول يي فانغ، شيوعي كبير في السن من بكين يرى أن اشتباكات تموز/ يوليو الماضي عار على الصين، "إنه (وانغ ليكان) ليس من نوعية الرجال التي تفهم الوضع جيدًا. لم يعرف الحب طريقًا إلى قلبه، ولا يفهم أرواح الناس"، ويضيف: "يجمع وانغ بين الليبرالية والقمع دون وضع اعتبار للناس أو لثقافتهم.. موقفه لا يتعلق كثيرًا بالاستعمار بل بالاستبداد". وكما يذكرني فانغ، فإن شينجيانغ جزء لا يتجزأ من الصين، التي تعترف الأمم المتحدة بحدودها.

التاريخ يخدم السياسة

كالعادة، يحمل التاريخ صبغة سياسية، والحقائق التاريخية يتم استغلالها بل وحتى تحريفها في النزاعات الحالية. في متحف كاشغار المغبر والذي لا يزوره إلا القليل، هناك لافتة تقول "عام 60 قبل الميلاد.. تأسست الحكومة المحلية في عهد أسرة الهان. ومنذ ذلك الحين، أصبحت شينجيانغ جزءًا من الدولة الصينية". كانت تلك هي الرواية الرسمية لفترة طويلة، لكنها أُسقطت الآن، كما أُسقطت فكرة أن الصينيين كانوا أول سكان المنطقة. وكانت المومياء الهندو أوروبية الرائعة التي عُثر عليها في صحراء تكلامكان هي التي أبطلت هذا الزعم. كانت شينجيانغ واقعة على طريق الحرير وشهدت خليطًا من الأجناس والثقافات وقادة الحروب. فمن السخف إذن محاولة تقليص ذلك إلى ثقافة واحدة.

اقرأ/ي أيضًا: انفوغرافيك: دمويون غيروا وجه التاريخ

على الجانب الآخر، فإن تأريخ "استعمار الإقليم" بوقت وصول الشيوعيين في عام 1949، كما سيضعه المؤتمر العالمي للإيغور (وهي وجهة نظر تقبلها عدة صحف فرنسية)، لا يعكس الحقيقة أيضًا. يرجع أول تواجد سياسي صيني في شينجيانغ إلى سلالة المانشو في خمسينات القرن الثامن عشر. في أعقاب حركات التمرد، أنشأ داوجوانغ، الإمبراطور الثامن، أول "مكاتب إعادة الإعمار" كجزء من سياسة الإدماج، حيث كانت القوى ترفض الاعتماد على الزعماء المحليين لأنهم كانوا "فاسدين ويضرون بسياسة الدولة المركزية". في عام 1884، أصبحت المقاطعة جزءًا من الصين. (على سبيل المقارنة، أصبحت نيو مكسيكو جزءًا من الولايات المتحدة قبل ذلك بقليل -عام 1846- وكذلك كاليفورنيا عام 1850).

في الواقع لا يطالب معظم الإيغور بالاستقلال، ولكن بمزيد من العدالة والاعتراف بهويتهم

صحيح أن التاريخ ليس مكتوبًا وأن شينجيانغ شهدت محاولات عديدة  للاستقلال. نجت إمارة كاشغري من عام 1864 إلى 1877 بفضل اعتراف الإمبراطورية العثمانية وبريطانيا العظمى وروسيا. وصمدت جمهورية تركستان الشرقية التي لم تدم طويلًا من تشرين الثاني\نوفمبر 1933 إلى تشرين الثاني\فبراير 1934. وأخيرًا، كانت هناك جمهورية تركستان الشرقية ثانية، وهي عضو غامض في الاتحاد السوفييتي تتألف من ثلاث مقاطعات شمالية، استمرت من عام 1944 إلى 1949. وكما يقول ريمي كاستيتس، إن "الشعور بأنك وريث إمبراطورية قوية أو ممالك نافست الصين في بعض الأحيان" كان له آثاره.

في الواقع لا يطالب معظم الإيغور بالاستقلال، ولكن بمزيد من العدالة والاعتراف بهويتهم. يقول عبد الرحمن "ربما يكون حالنا الآن أفضل مما كان عليه قبل عقد من الزمان، لكننا ما زلنا متأخرين". يبلغ إجمالي الناتج المحلي 15,016 يوان لكل شخص في شيهيزي (90% منها من الهان)، و6,771 لسكان آكسو (30% منهم من الهان)، و3,497 في كاشجار (8.5% من الهان) و2,445 ين في هوتان (3.2% من الهان).

هذه اللامساواة الصارخة القائمة على أسس عرقية، تدفع الإيغور إلى الإسلام، وهي وسيلتهم الوحيدة في المعارضة وتأكيد هويتهم. وبالفعل لم يعد مشهد النساء في البرقع نادرًا. هناك خطر واضح من أن الأصوليين سيكونون المستفيدين من هذا التحول. ولا تزال الجماعات المتطرفة هامشية، لكن ذلك قد يتغير إذا رفضت بكين الدخول في أي نوع من الحوار.

الأقليات في شينجيانغ، والإيغور تحديدًا، عالقون بين التحديث الذي يسحق ثقافتهم، وبين التمييز الذي يستبعدهم من الازدهار، وبين السلطوية التي تدمر تفردهم. ويُعزى تفكك الإيغور إلى أسباب اجتماعية وثقافية أكثر من دينية. وهو وضع سيستمر طالما أن الحكم الذاتي الذي تمنحه بكين لشينجيانغ صوري فقط.

 

اقرأ/ي أيضًا:

مشكلة بحر الصين الجنوبي

مشكلة التعليم.. أكبر المخاطر التي تهدد اقتصاد الصين؟