أي مستقبل للطفل العربي؟

أي مستقبل للطفل العربي؟

طفولة على شفير الحرب اليمانية (الأناضول)

أجد متعة خاصة في الذهاب إلى الفعاليات المتوجهة إلى الطفولة، ومرد هذه المتعة إلى أن هذه الفعاليات تعيد إلي روح طفولتي المهددة يوميًا في فضاء جزائري/عربي وأفريقي بات خاضعًا لسلطة الإسمنت والحروب، وإلى الفرصة التي تتاح لي فيها لأن أرصد جملة التحولات في نفسية وعقلية ومزاج وذوق الطفل الجديد، بما يؤهلني لفهمها/تفهمها بعيدًا عن منطق الأبوية في تعسفاتها المختلفة.

هناك استبداد أب في فهم الذات الجديدة التي أنجبها، لكنه لم يبذل جهدًا في فهم السياقات المختلفة التي شكلت وعيها

على العرب والمسلمين الحاليين (لا أجد مبررًا لاستعمال صفة "المعاصرين" إلا في نطاق نادر) أن ينتبهوا إلى معطى ظل ينخر يومياتهم وسلوكاتهم وأفكارهم ويهددها أكثر مما يهددها ما يسمونه غزوًا ثقافيًا، هو أن نزعتهم الأبوية والذكورية الزائدة عن الحد المسموح به إنسانيًا، جعلتهم يلتفتون إلى رضا الزوج عن الزوجة، في ظل غياب تام عن التفاتهم إلى رضا الزوجة عن الزوج، كأنها آلة خشبية بلا مشاعرَ وأفكار ومواقف، ويتحدثون عن عقوق الأبناء، في ظل تغييب كلي للحديث عن عقوق الآباء في حق أولادهم.

اقرأ/ي أيضًا: التنظيمات المتشددة.. قراءة أخرى

هذه العقلية أسست للهوة/الهوات التي باتت تفصل جيل الأبناء عن جيل الآباء، بكل ما يترتب عنها من قطائعَ سلبية تحكمها روح النكران والإلغاء، حتى أن متابعة بسيطة لأقسام المجتمع في المنابر الإعلامية العربية تجعلنا نقرأ ونشاهد ونسمع أحداثَ قتل وضرب بين الطرفين، طفل/شاب يضرب أو يقتل أباه، وفي ألطف الحالات يسوقه إلى بيوت الشيخوخة، وأب يقتل أو يُعوّق ولدَه، وفي ألطف الحالات يطرده من البيت، مكتفين بالشجب والتنديد، من غير أن نتحرك في ظل فهم عميق للظاهرة التي تشي، على مستوى الرمز، بأن هناك استبدادَ أب في فهم الذات الجديدة التي أنجبها لكنه لم يبذل جهدًا في فهم السياقات المختلفة التي شكلت وعيها في تجلياته المتشعبة.

هنا، حتى نفهم هذا المعطى عميقًا، علينا أن ننصت إلى صوت هذا السؤال: لماذا يندر أن نسمع أو نقرأ أو نشاهد معركة متبادلة بين الأم العربية وولدها/ابنتها؟ أبادر إلى القول إن حضنها لم يبرد وأذنها لم تصم وعينها لم تعمَ ويدها لم تنكمش ورجلها لم تنقطع في علاقتها اليومية مع أولادها، عكس ما يحدث من جهة الأب، والدليل أن الفتى العربي يبوح لأمه بعلاقاته العاطفية وبمشاكله في الشارع والمدرسة، لكنه لا يفعل ذلك مع أبيه.

اقرأ/ي أيضًا: السودان.. لماذا تخاف الحكومة من الطلاب؟

لا نزال بعيدين في تعاملنا مع طفلنا عن الأبجديات البديهية في التربية

قبل مدة يسيرة، أثارت الصحافة الجزائرية زوبعة بسبب إقدام إحدى دور النشر على إصدار قصة للأطفال مليئة بالأخطاء النحوية، انطلاقًا من العنوان الذي رُفع بالألف رغم أنه مضاف إليه مجرور بالياء لكونه مثنى، ولم تلتفت إلى مضمون القصة الذي كان معاديًا لقيم إنسانية متعارف عليها، منها احترام الذات الإنسانية للطفل بعدم تعنيفه وضربه وتشغيله وحرمانه من حقوقه في الصحة والتغذية والأسرة والتعليم، بما يُشيرُ إلى أننا لا نزال بعيدين في تعاملنا مع طفلنا عن الأبجديات البديهية في التربية.

معظم من ينتجون للطفل العربي فنونًا وآدابًا يراعون فيها البعد الأخلاقي فقط، بمنطق افعل ولا تفعل، ويهملون الجوانب الجمالية، ناسين أن هناك طفلًا عربيًا جديدًا يُنفق في الصباح والمساء نصف ساعة أمام المرآة قبل أن يخرج إلى الشارع، وسنمنحه، بصفتنا آباءً، مبررًا موضوعيًا في نظره لأن يكرهنا حين نحول بينه وبين تلك الوقفة الجمالية أمام المرآة.

طريقة التناول هذه في السابق أثمرت لنا قبولًا شبابيًا لداعش، والاستمرار فيها سيثمر لنا قبولًا لمسخ آخر نجهل ملامحه، وتعرفها المخابر الغربية من الآن لأنها لا تعبث مثلما نفعل. أيها الكبار في الفضاء العربي.. رجاءً توقفوا عن "الإبداع" للأطفال، أو استعينوا بخبراء العالم في هذا الحقل، فأنتم من زمن آخر يرفض الجديد/التجدد. 

اقرأ/ي أيضًا:

بين هويتين

علم الجينات يوجه الضربة القاضية لإسرائيل