ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

أيها الكاتب: غِبْ غِبْ ولا تأتِ إلى المقهى

20 ابريل 2026
حسن البطل
حسن البطل (كاريكاتير ناصر الجعفري)
زياد خداش زياد خداش

لماذا يحدث ذلك؟ أن نشعر بامتعاض خفي وغامض حين نتفاجأ بإصدار جديد لروائي أو شاعر نعرفه عن قرب أو نحبه، إصدار لا يبتعد زمنيًا عن الإصدار السابق إلا أشهرًا أو حتى أسابيع؟ لماذا تخرج منا فورًا هذه الجملة الساخرة: "هذا الكاتب بيبيض ما بكتب؟"، لماذا نحب الكاتب الذي لا يتوفر؟ ولا يتواجد في أماكن نتوقعه فيها؟ ولا يثرثر كثيرًا، ولا يحكي لنا عن مشاريعه الإبداعية وهي قيد الإبداع؟ لماذا نبحث عن الكاتب الذي لا نعرف عنوان بيته ولا ندري متى يكون في البلد ومتى لا يكون؟ ما السر في الإحساس بروعة أعمال الكاتب الذي لا نعرف شكله؟ ولم نعرف نبرة صوته، ولم نجلس معه في مقهى ولم نحادثه حتى تلفونيًا؟ ما العلاقة الغريبة بين النضج الجمالي والغياب، وبين الانطفاء الجمالي والحضور الجسدي؟

لماذا يغيظنا أن نرى كاتبًا لا يتوقف عن السفر إلى أمسية هنا ومهرجان هناك؟ (هو مفش غيره في البلاد؟)، بينما لا نمتعض من أنفسنا ولا ننتبه حين نسافر نحن كثيرًا إلى معارض كتب ومهرجانات دولية وعربية؟ لماذا نشعر بانخفاض لهفتنا لأعمال الكاتب الذي نحبه حين نراه كل يوم في أية لحظة نريدها؟ وحين يرد على مكالماتنا بسرعة؟ حين يوافق على دعوتنا له على سهرة عائلية عند أصدقاء لا يعرفهم؟ لماذا كونه متاحًا ومتوقعًا يجعله أمامنا كاتبًا متواضع المستوى على صعيد الكتابة والنضج المعرفي؟

"هذا هو حسن البطل… شوو؟؟" لكزني صديق شاعر قادم من مدينة أخرى إلى رام الله ومعجب جدًا بمقالات حسن، لكنه لم يره شخصيًا حتى الآن،

وحين أشرت له متحمسًا أن هذا هو حسن، توقف عن المشي: "شووو هذا هو حسن؟ بتحكي جد؟ ما اتخيلته هيك؟ ولك شو هذا؟"، كان حسن يبدو في مشيته المنحنية، وسعاله الذي يمشي معه، وملابسه البسيطة، وبنطاله الفضفاض، وقصر قامته، وملابسه غير المكوية، وملامح وجهه المرتخية، وكأنه عجوز ثمانيني مريض أو فاقد للذاكرة. وحين أخبرته أن حسن لا يسمع أبدًا وأنه يقرأ شفاه الذين يحدثونه، صُعق الصديق، وظهر على وجهه الامتعاض: "كمان ما بسمع؟؟ أف"، وهنا استدعيت متعجبًا ما قاله لي هذا الصديق مرة: "أول ما أصحى بقرأ مقال حسن البطل، وبالأحرى بلتهمه، يا أخي شو هذا: سرد أدبي ومجازات ومعرفة وعبارات أنيقة وشعر وتاريخ ومعلومات وتحليل رشيق وجرأة، نفسي لما أشوفه أحضنه".

لم يذهب صديقي للسلام على معبوده، قال لي: "سيبك منه، لو ما شفته أحسن"، ضحكت قليلًا لكني ظللت أفكر، حين غادرني الصديق، بالذي أراد أن يراه في حسن؟ ما علاقة جمال كتابة حسن بشكله وهيئته؟ هل هناك صورة شكلية نخلقها للكاتب الذي نحبه تشبه عالمه؟ وحين يخذلنا نشعر بالإحباط؟ هل كان على حسن أن يكون طويلًا ومتماسكًا وأنيقًا وثابت الخطو حتى يندفع تجاهه صديقي الشاعر ويتكلم معه؟

هذا نفسه حدث معي حين جلست لأول مرة بالصدفة مع كاتب كبير عاد مع مثقفي أوسلو إلى رام الله، كانت كتابات هذا الكبير قد صاغت وجداننا الوطني، حفظنا مقاطع من نصوصه، وكتبنا بعض عباراته على الجدران، صورته خرافية في أذهاننا تشبه الحلم، كان صالح يقول لي: "معقول هذا العظيم مثلنا بروح على الحمام؟ وقال مالك: أظن أنه روح، لا يكتب هذا الجمال إلا روح لا جسد فيها، لأنه يكتب الأبدي والجوهري والسري في الأشياء، أنا مش متخيل أنه يُخرج ريحًا مثلنا".

ذهبت مع صديقيّ صالح ومالك إلى مقهى "بوظة ركب"، فإذا بالكاتب هناك، كانت أوسلو في أول شهورها، رحّب بنا الكبير، وثرثر كثيرًا عن كتابه القادم، وسأل عن بيت للإيجار، ثم شكا من بدايات بواسير تتكون في مؤخرته، طلب بعد القهوة آيس كريم، لم تكن الكلمات تخرج من أفواهنا في أول اللحظات، لم نصدق أننا نجلس مع صائغ وجداننا، لكنه حين سأل عن بيت للإيجار انخفض الإحساس بخرافيته، فها هو مثلنا يحتاج بيتًا، وصوته عالٍ في المقهى لدرجة أن صاحب المقهى كاد أن يطلب منه خفض صوته، ذهب صالح مستدركًا الموقف، وهمس في أذنه: "هذا كاتب كبير عائد، ضحك صاحب المقهى: شو يعني؟ ماشي، كل الاحترام، بس اللي بهمني أنه ما يزعج زبايني". استأذن الكبير للخروج، وكانت الصاعقة أنه لم يذهب ليدفع ثمن قهوته وكوب الآيس كريم، كنا صغارًا في السن مفلسين وبلا عمل، لكن صاحب المحل كان لطيفًا: "اسمعوا، هاي مش أول مرة بعملها، عملها امبارح مع ناس أجوا عليه من حيفا. معلش، طلباته وطلبتكم على حسابي، بس المرة الجاي ما اطيشوا على شبر مي".

الحادثة الأخيرة التي سأرويها تخصني شخصيًا، كان محمود درويش قد عاد إلى البلد، كنا نعشقه، ولا نصدق أنه موجود، مضت على وجوده سنتان، ولم يره أحد في الشارع، ولا في المقاهي، ولأن مفهومي للأدب كان ما زال وظيفيًا، اعتبرت ذلك خطأ وتعاليًا، وأن محمود مقصّر تجاه الجيل الجديد، وأنه يجب أن يخرج من مكتبه إلى الشارع وينقذنا من ترهل الثقافة ويربت على أكتافنا.

"إلى محمود درويش: ألم يداهمك السأم من نظافة الأشياء حولك؟" كان هذا عنوان مقالتي التي نشرتها في أسبوعية أخبار الأدب منتصف التسعينيات، حين أتذكرها أخجل، أستغرب كيف لم أكن أعرف أن الخروج إلى الناس بكل هذه الحشودية والشعبوية خطير جدًا لنص الكاتب، ثم لصورته، ثم لنقاء روحه ووقته، محمود قرأ الرسالة، وقيل لي حينها إنه ضحك وقال: "خداش فاهم الحياة الاجتماعية للكاتب غلط".

صدق محمود، تخيلوا محمود يصل إلى مقهى رام الله كل صباح معه الجريدة، يجلس بين المثقفين، يثرثر ويضحك بصوت عالٍ، ويحكي للشباب عن مشروعه الشعري القادم، ويسألهم عن رأيهم في كتابه السابق، وعن شجار وقع بينه وبين سائق سيارة الأجرة التي أوصلته للمقهى، تخيلوا مهيب برغوثي العزيز مثلًا وهو يربت على كتف محمود ويسأله: "كم مرة عشقت يا محمود وما هو أجمل شيء في المرأة؟"، تخيلوا العزيز فراس الحاج محمد وهو يصرخ في وجه محمود: "يا زلمة شو هالنص الضعيف اللي كاتبه؟ ما عجبني، أنت بتكتب أحسن من هيك، بعدين ليش كنت مرتبك في أمسية بيت لحم؟"

كان محمود أذكى منا جميعًا، عرف وطبق ذلك بحرفية ومثابرة وصبر: الحضور الجسدي وابتذال الحياة الاجتماعية للشاعر يتلف الدهشة بقصائد الشاعر. بعد كل نص أو كتاب لمحمود كنا نحاول أن نلتقط أنفاسنا من الحب والتأثر، وكنا نقول: ما أجمل هذا الشاعر!! وصرنا نعرف أن غيابه المطبق وانقطاع أخباره الشخصية عنا هو جزء أصيل من صورته الجميلة ووقع نصوصه المذهل.

كلمات مفتاحية
مقاطعة "يوروفيجن"

"يوروفيجن 2026": مقاطعة واسعة وانقسام أوروبي غير مسبوق حول مشاركة إسرائيل

تختم النسخة السبعون من مسابقة "يوروفيجن" الغنائية فعالياتها في 16 أيار/مايو في العاصمة النمساوية فيينا، وسط أجواء توصف بأنها الأكثر توترًا في تاريخ الحدث الممتد منذ عام 1956

المؤتمر الصهيوني

كيف تشكّلت "الصهيونية الحديثة": الجذور الدينية والتاريخية للصهيونية المسيحية

يظنّ كثيرون أن الصهيونية المسيحية نتاجٌ متأخر للمشروع الصهيوني، غير أن ملامحها تبلورت مبكرًا وتقاطعت مع تصوّرات تيودور هرتزل

ألتراس الجنوب

"الألتراس": من ظاهرة محلية إلى هوس ثقافي عالمي

لم تعد جماعات "الألتراس" مجرد ظاهرة محلية نشأت في الملاعب الإيطالية أواخر ستينيات القرن الماضي. فقد خرجت خلال العقود التالية من حدودها الجغرافية الأولى لتنتشر في مدرجات العالم

إيبولا
علوم

طقوس غريبة أثناء الدفن.. "أخطاء قاتلة" تفجر كارثة إيبولا في الكونغو

كشفت التحقيقات عن سلسلة من الأخطاء ساهمت في تفاقم الكارثة، إليكم أبرزها

فلسطين
قول

"وهم نهاية التاريخ".. كيف جعلت الليبرالية الغربية الجحيم حكرًا على الشرق الأوسط؟

تتراكم القوة عن طريق تركيز الثروة والسلطة في يد فئة قليلة، ومن خلال تجريد الفئات الضعيفة والمهمشة مثل الشرق الأوسط من الأصول والموارد، وذلك عبر تقسيم النظام العالمي نفسه إلى عدة أشياء

ضد التحرش
مجتمع

هل يصبح الإقصاء الفني عقوبة موازية للقضاء؟

تنشط في السنوات الأخيرة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي في مصر، حركة تُعد الامتداد المحلي لحملة "أنا أيضًا" (Me Too) العالمية

مانيدو
أدب

مانيدو: سردية الحب والجليد بين الذاكرة والأسطورة

"مانيدو، قصة حب جليدية"، سيرة إنسانية تحمل في ثناياها أثرًا يشبه تلك الأرواح المتعالية عن الخلق وعن الأم الأولى، كسلسلة جامعة لكل شعوب الأرض