أين ذهب الرقم "9" في منتخب البرازيل؟
10 مايو 2026
لو ذُكر منتخب البرازيل أمام أي مشجع لكرة القدم، فستظهر بعض صور الأساطير في مخيلته، مثل رونالدينيو ورونالدو "الظاهرة" وروماريو وبيليه، وأسماء أخرى رقصت السامبا أمام حراس المنتخبات الأخرى. وإذا سأل أحدٌ عن أهم لاعبي البرازيل حاليًا، فستُذكَر أسماء مثل فينيسيوس ورافينيا، لكن لن يُذكَر اسمُ مهاجم صريح يحمل الرقم "9" على قميصه.
تغير الحال في برازيليا التي كانت تُنتج أفضل المهاجمين في العالم، ليصبح أشهر لاعبيها أجنحتها، ولا يوجد في الوقت الحالي مهاجم صريح يرتقي إلى وضعه في مقارنة مع الأسماء التي ارتدت القميص الأصفر. ولا يُلامُ اللاعبون على ذلك، حيث أن هناك عدة أسبابٍ أدت إلى ندرةِ المهاجم الصريح الآن، لكن البرازيل تظل من أكبر المتضررين من ذلك.
ما قبل مجاعة المهاجمين في البرازيل
تكمن هوية البرازيل في هجومها منذ أن بدأ عصرها الذهبي، والذي شهد صعود الأسطورة بيليه في الستينيات، وجاء بعده روماريو، الذي كان نجمًا لكأس العالم 1994، ثم تلاه "الظاهرة" رونالدو نازاريو الذي كان الهداف التاريخي لكأس العالم حتى 2014. تتشارك هذه الأسماء في إحصائية مهمة، وهي أن أقلّ لاعبٍ بينهم سجل لمنتخب بلاده 55 هدفًا رسميًّا، وأقرب مهاجم تم استدعاءه لتمثيل البرازيل يحتاج إلى 35 هدفًا ليصل إلى هذا الرقم، وهو ريتشارليسون مهاجم توتنهام.
تغيّر التكتيك يعني تغيّر المواهب في كرة القدم، ومن أبرز الأسباب الواضحةِ لاختفاء المهاجم البرازيلي الكلاسيكي هو توجّهُ أكاديمياتِ البرازيل نفسها
يشترك هؤلاء أيضًا في وظيفتهم داخل الملعب، التي تختلف عن وظيفة المهاجم في الوقت الحالي، إذ ينتظرون وصول الكرة إليهم ويتجهون بها مباشرةً نحو المرمى. لا توجد واجبات دفاعية ولا توجد حركة في أطراف الملعب، إذ إن العنوان هنا هو المركزية فقط ولا شيء غيرها، وكانت هذه هي هوية البرازيل في الهجوم: اللعب المباشر على المرمى.
أنتجت ثقافة البرازيل الكروية آنذاك هذه المواهب؛ الذين جاءوا جميعًا من كرة الشوارع والدوري البرازيلي، اللذين كانا يمتازان بأساليب لعبٍ أكثر مباشرةً في الماضي مع الضغط المستمر، وكان ما يميز كل فريق وقتها هو المواهب التي تلعب له، والعنصر التكتيكي لم يكن حاضرًا بالشكل نفسه الذي نراه الآن.
تغيرت كرة القدم وغيرت معها البرازيل
تغيّرت تكتيكات كرة القدم عمّا كانت عليه في الماضي، وصارت تقدّر المهاجمين الذين يمكنهم أداءَ أدوارٍ مختلفة على أرضية الملعب، وبالأخص الفرق والمنتخبات التي تلعب تكتيكات 4-3-3 و4-2-3-1. وقد خلق هذا التغيّر طلبًا أكبر على فئة جديدة من المهاجمين؛ الذين يستطيعون الضغطَ، والعودةَ إلى نصف الملعب، وخلقَ المساحات، والدفاع في بعض الأحيان، والكثير من الواجبات الأخرى التي تتمحور حول بناء هجمة منظمة، وليس انتظارَ الفرصةِ الذهبية التي ستمكّنهم من ركل الكرة في الشباك.

زاد هذا التغيّر من أهمية صنّاع اللعب والأجنحة؛ الأمر الذي جعلهم المصدر الأساسي للأهداف، وفي حالة منتخب البرازيل، ويُعدّ نجومُ المنتخب بعد نيمار هم فينيسيوس ورودريغو ورافينيا. هؤلاء هم من سيعتمد عليهم المنتخب في رحلته القادمة، وهم من قدموا مستويات قوية مع أنديتهم، سجّلوا فيها الكثير من الأهداف وصنعوا فرصًا أكبر للتسجيل، وهذا ما سحب البساطَ من تحت أقدام المهاجمين الصريحين في فرقهم، وجعلهم نجوم الصف الأول.
يزداد هذا التوجّه في الفرق الكبيرة تحديدًا؛ التي تكون عادةً الفرقَ التي يُستدعى منها ممثلو المنتخب، والتي تنظر إلى المباراة كمسرح كامل لكرة القدم، ولا تنظر فقط إلى من سجل ومن لم يُسجل، وتهتم الآن بما قبل الهدف، حيث تُقدر الأرقام المتعلقة بصناعة الفرص، كثافةُ ضغطِ اللاعب على دفاع الخصم، واختراقُ المساحاتِ في الأطرافِ وعمقِ الملعب. لا تتعلّق هذه الأرقام بالمهاجم الصريح، بل ترتبط بخط الوسط والأجنحة، وهذا ما عدّل دور الجناح، الذي يجب عليه أن يُسجل أهدافًا أكثر، وخير دليل على هذا لاعبون مثل مبابي وصلاح ورافينيا وسون.
تطوير المواهب استمد الثقافة نفسها
تغيّر التكتيك يعني تغيّر المواهب في كرة القدم، ومن أبرز الأسباب الواضحةِ لاختفاء المهاجم البرازيلي الكلاسيكي هو توجّهُ أكاديمياتِ البرازيل نفسها. شهد العقد الأخير تغيرًا في التوجه، الذي يركّز الآن على إنتاج لاعبين يملكون القدرة على اللعب في أكثر من مركز، ويستطيعون قراءةَ اللعبة من أي مركز يلعبون فيه، وذلك على حسابِ التخصّص في مركزٍ واحد، وبالأخص مركز المهاجم الصريح.

نشر موقعُ الكرةِ البرازيلية، وهو موقعٌ متخصص في تحليل أكاديميات الكرة في البلاد، تقريرًا عن تعن تغير التكتيكات داخل الأكاديميات المحلية؛ إذ أصبحت برامج التدريب تُركز على الوعي بتكتيكات الكرة المختلفة، ورفع حسِّ ردودِ الفعل لدى اللاعبين، وبالذات في الخط الأمامي للفريق. وهذه التكتيكات تغيب عنها فكرة الوصول المباشر إلى المرمى من منتصف الملعب، مما قلل من إنتاج المهاجمين الصريحين.
تستمر الأكاديميات في وضع البصمة البرازيلية على لاعبيها، التي ما تزال تعلّمهم فنون المراوغة بالكرة، وتعلّمهم الخروجَ من أيِّ موقفٍ يكون فيه لاعبٌ أمام مدافعٍ بمفرده، وبعض المهارات التي عُرفت بها شوارع البرازيل، وأوصلت مهاجميها إلى العالمية. وتسهم هذه التوجهات جميعها في إنتاج أجنحةٍ ماهرةٍ وواعيةٍ كرويًا.
مقياس النجاح هو التصدير
تسعى أكاديمياتُ البرازيل، التي عادةً ما تكون تابعةً لنادٍ محلّي، إلى أن تُصدّر لاعبيها في أقرب فرصة ممكنة، خصوصًا أن الأندية الكبيرة تضع البرازيل على قمة تقارير كشافيها. يظهر هذا اللاعب الصغير ويقدّم بوادر موهبته على أرضية الملعب، ثم يأتي مندوب الفريق الأوروبي ويصطحبه في حقائبه إلى ناديه. ويسعد النادي بمغادرة اللاعب، حال دخول الأموال إلى خزانته، ويشتهر اسمه حين يعرف الجميع من أين جاء الساحرُ البرازيلي الجديد.
هناك أزمةً أخرى تتسبب فيها عمليات التصدير المبكر، وهي تصدير الموهبة قبل المرور بمرحلة "النضج الكروي"، أي قبل أن يصقل موهبته ويحدد مركزه داخل أرضية الملعب. فإذا ظهر للكشّافة على أنه مهاجم صريح، سيغيّرون أسلوب لعبه الذي اعتاد عليه مبكرًا، ويحوّلونه إلى جناح أو مهاجم ثانٍ، مثل ماتيوس كونيا، مهاجم مانشستر يونايتد، والذي بدأ كخط وسط، ثم مهاجم صريح، وصار لاعبًا يشغل مركز الجناح أو صانع الألعاب، وهو ما ينعكس سلبًا عليه في منتخب بلاده الذي يملك وفرةً في هذه المراكز.
عينة من آخر مهاجمي السامبا
يُعدّ البرازيلي ريتشارليسون المهاجم الصريح لمنتخب البرازيل حاليًا، وقد لعب 54 مباراة دولية سجّل خلالها 20 هدفًا، كان آخرها في مرماه كوريا الجنوبية ضمن كأس العالم 2022. ومنذ ذلك الحين لا يزال صائمًا عن التسجيل في 13 مباراة متتالية. أمّا مع توتنهام، فقد خاض 111 مباراة منذ عام 2022 وسجّل خلالها 26 هدفًا فقط.
يمتلك ريتشارليسون معدل تهديف يبلغ 0.37 هدف مع المنتخب، وهو معدل قريب من معدلات أجنحة البرازيل: فينيسيوس، رودريغو ورافينيا. ويُذكر أيضًا أن المنتخب يعتمد على جناحيه في إنهاء الهجمات، ولا يُسند إلى ريتشارليسون الدور نفسه في التسجيل. ويُضاف إلى ذلك أنّه اعتاد في إيفرتون اللعب كجناح أيسر قبل انتقاله إلى توتنهام، الأمر الذي تطلّب منه التحوّل إلى مهاجم صريح، مع الإشارة إلى أن أفضل مستوياته الفردية كانت مع إيفرتون عندما لعب في مركز الجناح.

ويوجد أيضًا اللاعب جابرييل جيسوس، والذي لعب بقميص البرازيل بين عامي 2016 و2023، ولم يتم استدعاؤه بعدها. وأصبح ريتشارليسون المهاجم الأساسي في تشكيلة المنتخب. وتمكّن لاعب أرسنال الحالي من تسجيل 19 هدفًا في 64 مباراة، وكان آخر أهدافه في مواجهة البرازيل وكوريا الجنوبية في مباراة ودية، خاض بعدها تسع مباريات دون أن يهز الشباك.
يمتلك جيسوس معدل تهديف يبلغ 0.29 هدف في المباراة، وهو معدل لم يُرضِ الجهاز الفني الذي رأى حاجته إلى مهاجم صريح سريع وقوي، على عكس جيسوس الذي حوّله مانشستر سيتي وأرسنال إلى لاعب يميل إلى الأطراف ونادرًا ما يسجّل من داخل المنطقة. وقد تحدّث جيسوس سابقًا عن رغبته في اللعب كمهاجم صريح، لكن فقدانه لقدرته على الحسم داخل الصندوق أثّر على مستواه وتسبّب في تراجعه. وفي النهاية، اختار أرسنال التعاقد مع جيوكيريش لسد هذه الخانة.
وهنا نأتي إلى اللاعب روبرتو فيرمينو، والذي لطالما ارتبط اسمه بـ"المهاجم الوهمي". ولم يكن يومًا مهاجمًا صريحًا منذ وصول يورجن كلوب إلى ليفربول. وترتبط حقبته في ليفربول بحقبتِه مع البرازيل، وهي التي رسمت الخط الذي سار عليه منتخب السامبا في تلك الفترة. فقد لعب فيرمينو 55 مباراة بقميص البرازيل، وسجّل فيها 17 هدفًا. وفي الفترة نفسها سجّل 87 هدفًا في 292 مباراة مع الريدز.
تمكّن فيرمينو من التسجيل بمعدل 0.3 هدف في المباراة، وهو معدّل ليس الأفضل بين مهاجمي البرازيل عبر التاريخ بالتأكيد. ولم يُستخدم فيرمينو كمهاجم صريح؛ بل كان حلقة الوصل التي تُساعد نيمار وكوتينيو، والتي جعلت هجوم البرازيل فعالًا في كثير من الأحيان، وإن لم يكن مباشرًا بأي شكل. كان وجوده تجسيدًا لتطور كرة القدم الأوروبية، وهو تطور فرض على البرازيل استغلال قدرات لاعبيها المحترفين في الخارج بهذه الطريقة داخل المنتخب.
الطريق إلى بناء الرقم "9"
ينتظر محبّو الكرة البرازيلية داخل وخارج البلاد وصول "الظاهرة 2.0"، وهذا لن يحدث بين ليلةٍ وضحاها. ويبدأ حل هذه الأزمة من تعديل سلسلة توريد المواهب، والتي تنطلق من الأكاديميات التي أخرجت رونالدو وروماريو، لكنها تُركّز الآن على إنتاج لاعبين يمكنهم اللعب في أكثر من مركز. كما يجب على الأندية المحلية أن تتمسّك بمواهبها لفترة أطول، لتُنمّي مهاراتها وتحافظ على هوية الرقم "9"، وذلك قبل أن تُصدّرها مقابل الملايين للأندية الأوروبية.

ويحتاج منتخب البرازيل، إن وجد ضالته يومًا ما، إلى أن يبني نظامًا يخدم هذا اللاعب، بدلًا من تحريكه في جميع أنحاء الملعب ليبني هجمة كان من المفترض أن يُنهيها هو. وكل ذلك دليل على أن أزمة البرازيل ليست أزمة جيل أو جيلين، بل هي أزمة مركّبة تبدأ من مراحل ما قبل الناشئين. وإن أرادت البرازيل حلّها، فعليها أن تبدأ من الجذور قبل أن تُلقي اللوم على غياب المواهب.