أين العراق من محور روسيا؟

أين العراق من محور روسيا؟

رئيس الوزراء العراقي مع مقتدى الصدر (Getty)

أمريكا كانت ولا تزال أول وآخر دولة استخدمت السلاح النووي ضد المدنيين، كذلك كانت، ولا تزال، الدولة التي ترسل جيوشها من أقصى العالم إلى أقصاه لغزو الدول واحتلالها، والكل يعرف من هو الذي دمر بغداد وخلّف فيها آهات الحرب والاحتلال.

يمكن تبين أن الانضمام العراقي إلى محور روسيا غير ممكن حاليًا، لكنها خطوة آتية لا محالة

في المقابل فإن روسيا (وكذلك الاتحاد السوفيتي سابقًا) كانت أول وآخر دولة ساعدت أغلب الدول الحديثة في بناء بناها التحتية وأركانها العسكرية، تبحث عن المصالح المشتركة في أغلب التعاملات السياسية والاقتصادية (وخصوصًا العراق وسوريا ومصر) إضافة إلى تأسيس جامعة أكاديمية كنية حسنة منها سُميت (جامعة الصداقة بين الشعوب) جميع طلابها أجانب.

الظروف الدولية

لذلك من الأفضل أن نقرأ التاريخ لنعرف المستقبل. ومن الأفضل للعراقيين أن يفكروا تفكير الدولة التي لم تخرج إلى الآن من ويلات الاحتلال، وما زالت منهكة بحرب الإرهاب، نفكر تفكير الدولة التي ذُلت بعد عظمتها لتستجدي العظمة من تلك الدولة أو غيرها، لكن دون أن يغض العراقيون النظر عن الذي وقف معهم أو الذي خذلهم في انتكاستهم الأخيرة. وأن ينأوا بأنفسهم عن الرأي السائد بأن يبتعد العراقيون عن كل المحاور، ويبنوا الدولة بسواعدهم دون طلب المساعدة، لأن كل الدول متآمرة ولا تريد الخير للعراق، نعم قد يصح هذا الحديث لكن يجب أن يعرفوا أن هذه ليست لغتهم، بل لغة الكبار، الكبار الذين يملكون الأمن القوي والاقتصاد القوي والدبلوماسية القوية.

روسيا إلى الآن تمتلك سياسة متزنة تعتمد على قاعدة "الكل يربح" في التعاملات السياسية وخاصة مع العرب، وقد ورثت هذه السجية من الاتحاد السوفيتي، بعكس الغريم الأمريكي الذي دائمًا ما يتلاعب بمصائر ملايين البشر من أجل حماية خط الشر المطلق الذي خطه الرؤساء السابقون، فأي زلة تغير مسار هذا الخط ستنهار وتذهب أمريكا إلى الخراب، لذلك فإن أي رئيس جديد للولايات المتحدة لا مناص له من إكمال المسيرة ولو كلفه هذا إنسانيته.

وبالحديث عن الرؤساء الأمريكيين، فإن موعد انتهاء الفرصة الوحيدة للعراقيين للخروج من كنف أمريكا واللجوء إلى روسيا، هو ما قبل الانتخابات الأمريكية في 2016، أي قبل أن تجلس كلينتون أو ترامب على كرسي الرئاسة الأمريكية، فيبدو حسب المعطيات والنتائج الأخيرة أن أوباما أجّل كل شي للرئيس الأمريكي القادم، للحفاظ على جائزة نوبل التي حصل عليها، وربما من أجل اعتبارات أخرى.

اقرأ/ي أيضًا: أحمد الجلبي..صندوق العراق الأسود

من هنا نجد أن المناخ الدولي العام، مهيأ لهكذا تغيير، خصوصًا مع دخول روسيا على خط المواجهة مع داعش في سوريا، وتكرار حديث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن عدم وجود أي طلب عراقي إلى روسيا لضرب داعش، الأمر الذي يُفسر بأن روسيا مستعدة لضرب تنظيم داعش في العراق إذا ما طلبت بغداد منها ذلك.

الداخل العراقي 

نتحول الآن إلى الداخل العراقي ونقرأ الإمكانية العراقية للتحول من محور أمريكا إلى محور روسيا - صين- إيران، فيبدو أن غالبية القوى الشيعية تتجه نحو هذا المحور، الأمر الذي دفع غالبية القوى السنية إلى الحديث مجددًا عن استحداث مجلس السياسات العليا للسيطرة على سياسة الدولة هذا من جانب، ومن الجانب الآخر فإن كل المؤشرات تشير إلى عدم توفر هذه الحكومة على إمكانية إجراء هذا التحول الخطير، فالعبادي مكبل بسلاسل السفارة الأمريكية في بغداد، وبدأت شعبيته بالتناقص، إضافة إلى الشهية الشيعية للانضمام لمحور روسيا، وهو ما قد يجعل أمريكا تفكر بخيارات عديدة منها دفعه لتقديم الاستقالة، وهذا أقصى ما يستطيع فعله أوباما حاليًا، ومن ثم بعد الاستقالة تبقى الأمور بيد الأمين العام لمجلس الوزراء الجديد عماد الخرسان المدعوم خليجيًا، ومن المرجعية في النجف، إلى أن يأتي الرئيس الأمريكي الجديد ويقرر ما يقرر.

في هذه الأثناء يبدأ الحديث عن سيناريوهات عديدة بطّلها المالكي أو من ينوبه للوصول إلى سدة الحكم بالقوة، وبمساعدة إيرانية تتمثل بفصائل مسلحة أبرزها "قوات بدر" و"كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق" المنضوية تحت اسم "الحشد الشعبي"، وهو ما لن يتم إلا بموافقة المرجعية النجفية والتيار الصدري والسفارة الأمريكية، وسيكون ذلك تصعيدًا خطيرًا جدًا بين إيران وأمريكا.

بالنسبة للعراقيين، نوري المالكي هو المسؤول الأول عن خراب العراق، وضياع مليارات الدولارات، وتسليم ثلث الأرض إلى داعش

لذلك إذا تم هذا الانقلاب ونجح، فإن أول الخيارات التي ستنتج هو طلب رسمي إلى روسيا لضرب داعش، خصوصًا أن داعش في هذه الأثناء ستتقدم في كل الجبهات نتيجة ارتباك الوضع لدى الجيش العراقي وانشغال الفصائل الثلاث (الكتائب والعصائب وبدر) وإخوانهم بأمور الحكم في بغداد.

قد يكون كل هذا غير واقعي حاليًا و"خياليًا جداً"، خصوصًا بعد أنباء عن استنفار مسلح لـ"سرايا السلام" التابعة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر غير المدعوم من إيران والمناوئ لها تحسبًا لأي انقلاب، الأمر الذي يعبر عن رفض التيار الصدري للانقلاب بقيادة نوري المالكي، كونه بنظرهم وبنظر حلفائهم وغالبية الشعب العراقي المسؤول الأول عما لحق للعراق من دمار وخراب وضياع مليارات الدولارات وتسليم ثلث العراق إلى تنظيم داعش خلال فترة حكمه.

لكن يبدو أن الصدر وعمار الحكيم رئيس المجلس الأعلى الإسلامي، ومن خلال بعض خطوط الاتصال يبديان تأييدًا لتغيير رئيس الوزراء، الأمر الذي جعل العبادي يتحرك لإنقاذ الموقف باقتراحه لتشكيل تحالف سياسي عابر للفئوية، طرحه لأول مرة خلال اجتماع مع اتحاد القوى السنية قبل أن يعرج على محافظة النجف الأشرف (العاصمة العلمية للشيعة) ليطلع المرجعيات والقيادات الدينية بهذه الخطوة التي رفضها البعض وأيدها الآخر.

مثل هذه الخطوات، عرفها الجميع أيام المالكي حينما انشغل رئيس الوزراء السابق بتشتيت المعارضين واستقطاب أعضاء الكتل المنافسة، وكان الغائب الوحيد حينها هو المواطن الذي لا ناقة له ولا جمل في كل تلك التحالفات السياسية، فهل يا ترى سينجح العبادي بلم شمل السياسين وآهات المواطن العراقي؟!

خطوة مؤجلة

من هذه الأحداث المرتبكة، يمكن تبين أن الانضمام إلى محور روسيا غير ممكن حاليًا بسبب الاستقرار القتالي للجبهات العراقية، وكذلك بسبب الوضع السياسي العراقي المعقد، لكنها خطوة آتية لا محال، خصوصًا بعد زيارة الوفد البرلماني العراقي الرفيع لموسكو مؤخرًا، حيث قال رئيس الوفد ورئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية وبالنص "إننا أخبرنا موسكو بأن دخولكم في سوريا هو اختبار لكم وسنتريث كثيرًا إلى أن تتضح الأمور في سوريا"، الأمر الذي يعبر عن نوع من الحنكة الدبلوماسية حديثة الولادة لدى بعض ساسة العراق. وآمل أن تكون هذه الحنكة موجودة لدى الشعب العراقي الذي أصبح الآن متذمرًا من الجانب الأمريكي، وخصوصًا فئة النازحين الكبيرة التي لسان حالها يقول أهذه هي الديمقراطية يا أمريكا!!

اقرأ/ي أيضًا:

عراق تائه بين السفارات وتلفوناتها

سيارة مفخخة في الكرّادة