أين أصبح البرنامج الصاروخي الإيراني بعد الحرب؟
15 يوليو 2026
تخشى الولايات المتحدة وإسرائيل البرنامج الصاروخي الإيراني أكثر من النووي أحيانًا بسبب "عدم التكافؤ الاقتصادي" الذي يخلقه في معادلة الهجوم والدفاع. ذلك أن الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية تُنتج بتكلفة منخفضة نسبيًا؛ فتكلفة طائرة "شاهد" تتراوح بين 20,000 و50,000 دولار للوحدة. في المقابل، تضطر إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج إلى استخدام صواريخ اعتراضية متطورة للغاية وباهظة الثمن، حيث تبلغ تكلفة صاروخ (Patriot) حوالي 4 ملايين دولار، وصاروخ (SM-3) حوالي 28.7 مليون دولار، وصاروخ (THAAD) حوالي 15.5 مليون دولار.
هذا الاستنزاف المالي واللوجستي يفرض ضغوطًا هائلة على القدرة الصناعية للغرب. استهلاك الصواريخ الاعتراضية بمعدلات تفوق قدرة خطوط الإنتاج الأمريكية والأوروبية على تعويضها يضعف المظلة الدفاعية بأكملها، خاصة مع الأخذ في الاعتبار أن مخزونات الصواريخ الاعتراضية الغربية كانت تعتبر غير كافية لصراع طويل الأمد حتى قبل اندلاع الحرب الإيرانية.
إن إجبار الخصوم على استثمار مليارات الدولارات في أنظمة الدفاع الجوي وحماية الأهداف المدنية والعسكرية هو في حد ذاته نجاح استراتيجي للبرنامج الإيراني.
دروس الحرب العراقية الإيرانية وتأسيس العقيدة الصاروخية
وُلد البرنامج الصاروخي الإيراني من رحم الحاجة الماسة للبقاء وتجربة قاسية تمثلت في "حرب المدن" خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988).
حينها وجدت إيران نفسها عاجزة تمامًا عن الرد بالمثل على الهجمات الصاروخية العراقية المكثفة التي كانت تدك طهران والمدن الكبرى باستخدام صواريخ سكود السوفييتية.
وقد قاد هذا العجز الاستراتيجي القيادة الإيرانية، ممثلة بوفد رفيع المستوى ترأسه أكبر هاشمي رفسنجاني عام 1984 و1985، للتوجه نحو ليبيا وسوريا وكوريا الشمالية والصين بحثًا عن تكنولوجيا الصواريخ.
وُلد البرنامج الصاروخي الإيراني من رحم الحاجة الماسة للبقاء وتجربة قاسية تمثلت في "حرب المدن" خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988
حصلت إيران على أول دفعة من صواريخ "Scud-B" من ليبيا عام 1984، تلتها شحنات متتالية من كوريا الشمالية في يوليو 1987.
استُخدمت هذه الصواريخ فورًا في الجبهة، حيث أطلقت إيران نحو 100 صاروخ على العراق بين عامي 1985 و1988. كانت هذه التجربة حجر الأساس الذي رسخ القناعة الإيرانية بأن الاكتفاء الذاتي في إنتاج الصواريخ هو الضمان الوحيد للأمن القومي.
الشراكة العميقة مع كوريا الشمالية والصين
أدركت طهران أن الاستيراد وحده لا يبني ردعًا مستدامًا، فاتجهت نحو الهندسة العكسية والتصنيع المحلي، وهو المسار الذي قاده المهندس حسن طهراني مقدم، المعروف بـ"أب البرنامج الصاروخي الإيراني".
في هذا المسار، شكلت كوريا الشمالية الحليف التقني الأبرز. خلال التسعينيات، تم تبادل التكنولوجيا وتكييف أنظمة صواريخ (Scud-C) السائلة، التي يبلغ مداها 500 كيلومتر، لتصبح نواة عائلة صواريخ (Shahab) الإيرانية.
وبفضل التمويل الإيراني وتوفير البيانات من اختبارات الإطلاق، وسعت كوريا الشمالية مدى صواريخ (Nodong) ليبلغ 1,300 كيلومتر، وهو ما نقلته إلى إيران ليصبح صاروخ (Shahab-3) الذي تم الإعلان عنه علنًا عام 1998، مما وضع إسرائيل بأكملها في مرمى النيران الإيرانية لأول مرة.
استمر التعاون لاحقًا ليشمل تزويد إيران بصواريخ متطورة مثل (BM-25) ذات المدى البالغ 2,000 ميل، وتكييف تصميمات المحركات لتطوير الصاروخ الإيراني (Ghadr-1).
أما الصين، فقد لعبت دورًا محوريًا في توفير البنية التحتية التكنولوجية المعقدة، مثل أنظمة التوجيه، ومكونات القياس عن بعد، والمواد الكيميائية الدقيقة، ومعدات التصنيع المتقدمة. لقد كانت بكين ولا تزال المورد الرئيسي للمواد ذات الاستخدام المزدوج التي أتاحت لإيران بناء قاعدة صناعية مستقلة.
ثورة الوقود الصلب والقفزة التكنولوجية
يكمن التطور الأخطر في البرنامج الإيراني، والذي أزعج أجهزة الاستخبارات الغربية، في الانتقال التدريجي من الصواريخ العاملة بالوقود السائل إلى الصواريخ العاملة بالوقود الصلب.
تتطلب صواريخ الوقود السائل وقتًا طويلًا للتجهيز والضخ قبل الإطلاق، مما يعرضها للرصد والاستهداف الاستباقي.
في المقابل، تُخزن صواريخ الوقود الصلب (مثل عائلات Fateh وSejjil وKheibar Shekan) وهي جاهزة للإطلاق الفوري، مما يزيد من صعوبة رصدها واعتراضها ويقلل من البصمة اللوجستية المطلوبة.
يعتمد إنتاج الوقود الصلب المركب على تركيبة كيميائية دقيقة تتكون عادة من مادة "فوق كلورات الأمونيوم" كمؤكسد (بنسبة 68-73%)، ومسحوق الألومنيوم كوقود (بنسبة 15-20%)، ومركبات بوليمرية رابطة مثل (HTPB).
لخلط هذه المواد شديدة الانفجار بدقة متناهية تحت التفريغ لضمان احتراق متجانس خالٍ من التشققات التي قد تؤدي لانفجار الصاروخ في منصته، تحتاج الصناعة إلى آلات خلط ضخمة وعالية الدقة تُعرف باسم "الخلاطات الكوكبية". هذه الخلاطات يصعب جدًا تصنيعها، وتبلغ تكلفة الواحدة منها حوالي 2 مليون دولار، وتخضع لرقابة صارمة في التصدير العالمي.
نجحت إيران على مدى سنوات في استيراد هذه الخلاطات، بشكل رئيسي من الصين وبكلف باهظة، وتوطينها في منشآت سرية محصنة، مما مكنها من إنتاج مئات الصواريخ الباليستية شهريًا، والتحول إلى قوة صاروخية تمتلك الترسانة الأكبر في الشرق الأوسط.
الاستهداف الدقيق لمفاصل الصناعة
لقد ركزت الضربات الأمريكية والإسرائيلية بشكل دقيق وجراحي على "عنق الزجاجة" في الصناعة الصاروخية الإيرانية: الخلاطات الكوكبية. فهذه الآلات التي تكلف ملايين الدولارات لا يمكن لإيران تصنيعها محليًا بسبب تعقيدها التكنولوجي وتصميمها الدقيق لخلط المواد المتفجرة في بيئة خالية من الأكسجين (تحت التفريغ).
أسفرت غارات تشرين الأول/أكتوبر 2024 وما تلاها عن تدمير ما لا يقل عن 12 خلاطًا كوكبيًا في بارشين وشاهرود وغيرها من المواقع.
شلّ هذا الاستهداف الدقيق قدرة إيران على دمج "فوق كلورات الأمونيوم" مع الألمنيوم والبوليمر لصناعة قوالب الوقود الصلب، مما أدى إلى توقف شبه تام و"أزمة صناعية عميقة" في خطوط إنتاج الصواريخ الباليستية التكتيكية والمتوسطة المدى.
ولم يقتصر الهجوم على المعدات الصلبة والمباني؛ بل طال العقل المدبر والهيكل العسكري للمنظومة. في صبيحة 28 شباط/فبراير 2026، استهدفت الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية المشتركة اجتماعًا للقيادة العليا في طهران، ما أسفر عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، بالإضافة إلى العشرات من كبار قادة الحرس الثوري (IRGC)، والعلماء المسؤولين عن دمج المنظومات الصاروخية وإدارة الأبحاث الحساسة.
كان الهدف واضحًا: شل القدرة على اتخاذ القرار الاستراتيجي وإحداث انهيار في منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية.
ماذا عن الإنتاج والتطوير؟
الإنتاج المحلي للصواريخ الباليستية المتطورة ذات الوقود الصلب قد توقف تقريبًا أو انخفض إلى مستويات هامشية جدًا. بسبب فقدان الـ 12 خلاطًا كوكبيًا الاستراتيجية، أصبحت القدرة على خلط الدفع الصلب مختنقة تمامًا، وتواجه إيران عجزًا في تغذية خطوط إنتاج صواريخ هامة مثل (Khaybar Shekan). ومع ذلك، لا تزال إيران قادرة على تصنيع وتجميع الصواريخ القديمة ذات الوقود السائل (والتي تكون أسهل في الإنتاج ولكنها أبطأ وأكثر عرضة للانكشاف أثناء التشغيل) والطائرات المسيرة الانتحارية التي تتمتع بخطوط إنتاج أكثر انتشارًا ومرونة وأقل تعقيدًا هندسيًا. الإنتاج المتقدم شُلت حركته، لكن خطوط التجميع التقليدية والأقل تعقيدًا في المنشآت السرية العميقة لا تزال تعمل جزئيًا.
القدرة على تطوير تصميمات أيروديناميكية جديدة أو تحسين مدى الصواريخ الباليستية تأثرت بشدة نتيجة تدمير مراكز الأبحاث الحيوية (مثل مجمع طالقان 2) واغتيال الكوادر العلمية من الحرس الثوري.
التطور التكنولوجي حاليًا في حالة "تجميد إجباري"؛ إذ ينصب التركيز الاستراتيجي الإيراني بالكامل على "إعادة التكوين" وإصلاح البنية التحتية المدمرة ورفع الأنقاض عن المداخل، بدلًا من اختبار أنظمة أسلحة جديدة. ومع ذلك، فإن الخبرة التقنية المتراكمة على مدى أربعة عقود والمخططات الهندسية لا يمكن تدميرها بالقنابل، والعلماء الباقون قادرون على استئناف العمل فور استعادة المعدات الصناعية.
ما الذي تبقى؟
استهدفت أمريكا وإسرائيل القوات الصاروخية المتنقلة والثابتة بشكل مكثف. تُشير التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية والغربية إلى أنه من بين حوالي 450 منصة إطلاق كانت تمتلكها إيران قبل الحرب، تم تدمير أو تعطيل حوالي 300 منصة إطلاق (ما يعادل 66% من القدرة الإجمالية للإطلاق).
وعلاوة على التدمير المباشر، فإن العديد من المنصات التي ظلت "سليمة" فنيًا تم دفنها تحت الأنقاض داخل شبكات "مدن الصواريخ" الجبلية.
وأوضحت تحليلات الصور الفضائية أنه تم قصف مداخل 77% من أصل 107 مجمع أنفاق تم تحليلها، مما جعل الصواريخ والمنصات المحاصرة بالداخل غير صالحة للعمليات التكتيكية لفترة طويلة حتى يتم إزالة الأنقاض تحت نيران الاستطلاع المستمر.
يفسر هذا الانخفاض الهائل في عدد منصات الإطلاق الفعالة التراجع الحاد في حجم الرشقات الصاروخية الإيرانية (Salvos) خلال الحرب، حيث انخفض معدل النيران الصاروخية بنسبة تقارب 90%، وباتت إيران تطلق أعدادًا قليلة جدًا من الصواريخ (أحيانًا صاروخ واحد أو اثنان) في الرشقة الواحدة لتجنب استنفاد المنصات المتبقية واكتشاف مواقعها.
قبل الحرب، امتلكت إيران الترسانة الصاروخية الأضخم والأكثر تنوعًا في الشرق الأوسط، والمقدرة بحوالي 2,500 إلى 3,000 صاروخ باليستي تتراوح مدياتها بين القصيرة والمتوسطة، مع خطط لزيادة المخزون إلى 8,000 صاروخ بحلول عام 2027 لو لم تندلع الحرب.
خلال النزاعات المتتالية في 2024 و2025 و2026، استهلكت إيران آلاف المقذوفات (أكثر من 2,200 صاروخ في موجات قتالية خارجية مختلفة) في هجماتها على إسرائيل والقواعد الأمريكية ودول الخليج، بالإضافة إلى الصواريخ التي دُمرت على الأرض داخل المستودعات.
تشير التقديرات الاستخباراتية في أواسط عام 2026 إلى أن مخزون إيران قد تراجع إلى ما يتراوح بين 1,500 إلى 2,000 صاروخ باليستي (احتفظت بنحو 50-70% من مخزونها الأساسي، معظمها مخبأ على أعماق تزيد عن 70 مترًا).
يظل هذا الرقم، رغم انخفاضه وتضرر وسائل إطلاقه، مخزونًا ضخمًا وكافيًا لشن هجمات استراتيجية خطيرة واستنزاف الأنظمة الدفاعية الغربية، لكنه لم يعد كافيًا لخوض حرب استنزاف شديدة الكثافة وطويلة الأمد بمعدل الإطلاق القديم.
هل تستطيع إيران إعادة البناء؟
تحتاج إيران إلى فترة تتراوح بين عام إلى عامين على الأقل لإعادة تأهيل مصانع الوقود الصلب وإصلاح خطوط التجميع المدمرة، وذلك بشرط حصولها الفوري على البدائل التكنولوجية الحيوية. لقد ظهر اعتماد إيران الكلي على الصين كنقطة ضعف استراتيجية. تحتاج طهران بشكل ملح إلى شراء خلاطات كوكبية جديدة وشحنات ضخمة من مادة "فوق كلورات الصوديوم" التي يمكن تحويلها كيميائيًا إلى فوق كلورات الأمونيوم للتهرب من القيود المباشرة.
تُشير التقارير إلى أن إيران، وعبر واجهات مثل شركة "Pishgaman Tejarat Rafi Novin Co"، رتبت لإرسال سفن تجارية تحمل أكثر من 1,100 طن من السلائف الكيميائية من موانئ صينية إلى ميناء بندر عباس، وهي كمية تكفي لإنتاج وقود صلب لـ 260 صاروخًا باليستيًا متوسط المدى من طراز (Kheibar Shekan).
لا تزال بكين تمثل شريان الحياة الرئيسي لطهران، بالنظر إلى كونها المشتري الأكبر للنفط الإيراني (حوالي 90%) ومصدر السيولة لجهود إعادة الإعمار العسكري.
لإعاقة جهود إعادة البناء، فرضت الولايات المتحدة حصارًا بحريًا مطوقًا على إيران خلال الحرب في عام 2026، وعملت القوات الخاصة الغربية على اعتراض السفن المشتبه بنقلها مكونات صاروخية صينية أو روسية. وقد أدى الحصار وإغلاق إيران المضاد لمضيق هرمز إلى أزمة طاقة عالمية، وارتفاع أسعار خام برنت بنحو 10%، وزيادة في مؤشر تقلبات النفط (OVX) بنسبة 104%. نجاح إعادة البناء الإيراني يعتمد كليًا على قدرة "شبكات التهريب الإيرانية" على تجاوز هذا الحصار والعقوبات الاقتصادية الخانقة، وهي مهمة باتت أكثر صعوبة تحت المراقبة الدقيقة عبر الأقمار الصناعية التجارية والعسكرية.
كما يُمثل مقتل كبار القادة والعلماء ضربة للذاكرة المؤسسية والخبرة التقنية التراكمية. ورغم مرونة النظام، فإن فقدان المهندسين المتخصصين في الديناميكا الحرارية، والخلط الكيميائي المتفجر، وإلكترونيات التوجيه، يُبطئ حتمًا عملية إصلاح الأنظمة المتطورة وتصنيع مكونات حساسة محليًا. كما أن تدمير مصانع الإلكترونيات ذات الاستخدام المزدوج المهربة من أسواق آسيا يعيق تحويل الصواريخ المتبقية غير الموجهة إلى أسلحة دقيقة، وهو ما يؤثر سلبيًا على كفاءة الردع النوعي.
قبل الحرب وبعدها.. ماذا تغير في العقيدة العسكرية؟
قبل الحرب، كانت العقيدة العسكرية الإيرانية تعتمد على التفوق العددي والتهديد بضربات صاروخية مركزية ساحقة كأداة ردع قابلة للقياس، مع نظام قيادة وتحكم شديد المركزية في العاصمة طهران يوجه الأذرع والفروع العسكرية. بعد اندلاع الحرب، وما صاحبها من تدمير هائل لشبكة الدفاع الجوي وانقطاع الاتصالات واغتيال القيادات العليا في صبيحة 28 فبراير، اضطرت إيران للانتقال إلى تفعيل العقيدة التي أُعدت سلفًا لحالات الطوارئ القصوى والانهيار المركزي.
تم تفعيل عقيدة "الدفاع الفسيفسائي"، وهو المفهوم العسكري الذي صاغه القائد السابق للحرس الثوري، الجنرال محمد علي جعفري، عام 2005 كرد فعل على الانهيار السريع للجيش العراقي إبان الغزو الأمريكي الذي اعتمد على بنية قيادية شديدة المركزية. بموجب هذه العقيدة، قُسّمت القوات المسلحة الإيرانية وقيادة الحرس الثوري إلى 31 قيادة محافظة مستقلة، تمتلك كل منها مخازنها الصاروخية، ومسيراتها، وقوات (الباسيج) التابعة لها، وسلطات التفويض المسبقة للرد المستقل.
يعتمد هذا النظام على مبدأ الأوامر بالمهمة، حيث يُعطى القادة الإقليميون توجيهات عامة مسبقة وينفذونها باستقلالية تامة عند انقطاع الاتصال. عندما دُمرت مراكز القيادة في طهران وقُتل المرشد الأعلى، لم ينهار النظام العسكري. استمرت "جزر الفسيفساء" الإقليمية في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، مما حوّل الحرب من صراع جيوش نظامية كلاسيكية إلى "حرب عصابات صاروخية وبحرية لامركزية"، وجعل من المستحيل على استخبارات الغرب إيقاف الهجمات بضربة واحدة أو استهداف قائد واحد.
تزامنًا مع القيادة اللامركزية، أثبت نموذج "الخليفة الرابع" فعاليته في الحفاظ على بقاء النظام. صُمم هذا النظام المؤسسي ليضمن وجود ثلاثة إلى سبعة بدائل معينين سلفًا لكل منصب قيادي حيوي، يتدخلون تلقائيًا لسد الفراغ عند اغتيال القائد الأول، لمنع حدوث فراغ في السلطة.
بفضل هذا النظام المتين، تمكن مجتبى خامنئي (الابن الثاني لعلي خامنئي)، وبدعم حاسم من الحرس الثوري ومجلس خبراء القيادة، من تولي منصب "المرشد الأعلى الثالث" لإيران في مارس 2026، بعد فترة وجيزة من اغتيال والده. شكل صعود مجتبى خامنئي تحولًا بالنظام من التوازن الفقهي إلى دولة "أمنية-عسكرية" بحتة يهيمن عليها الحرس الثوري بالكامل وتتخذ من القمع الداخلي والسيطرة الصارمة منهجًا، بعيدًا عن المواءمات السياسية السابقة. هذا الصعود ضمن تماسك الدولة ووجه قدراتها المتبقية نحو استمرار الحرب والتفاوض من موقع السيطرة، مما أدى لاحقًا لتوقيع مسودة وقف إطلاق النار برعاية باكستانية في أبريل 2026.
هل ستعتمد إيران أكثر على المسيرات، الصواريخ أم الدفاع الجوي؟
أثبتت الحرب الفشل الذريع لمنظومات الدفاع الجوي الإيرانية المحلية (Bavar-373 وKhordad-15)، إضافة للأنظمة الروسية (S-300 PMU-2)، أمام التفوق الجوي والشبحي الإسرائيلي والأمريكي الذي حيدها بسهولة.
تحاول إيران تدارك هذا الفشل بالتوجه لشراء منظومات دفاع جوي محمولة من روسيا (مثل 500 منظومة Verba MANPADS) لمكافحة الطائرات المسيرة والمروحيات التكتيكية، لكنها تدرك استحالة بناء مظلة دفاعية استراتيجية قادرة على منع الطيران الغربي من اختراق أجوائها قريبًا.
الصواريخ الباليستية (الاقتصاد في الاستخدام): مع النقص الحاد في المنصات وتعطل الإنتاج، بات استخدام الصواريخ الباليستية يخضع لرقابة صارمة. تُستخدم الصواريخ الآن كأداة للضربات النوعية النادرة والمدروسة للحفاظ على المخزون وتجنب استنزافه بالكامل في عمليات غير مجدية.
الطائرات المسيرة (الاعتماد الأكبر): أصبحت الطائرات المسيرة الانتحارية (OWADs) الأداة المفضلة والرئيسية للهجوم الإيراني، حيث تم دمج 1,000 طائرة مسيرة استراتيجية إضافية في الهيكل القتالي. المسيرات رخيصة التكلفة، سهلة الإخفاء في التضاريس المدنية، لا تتطلب بنية تحتية ضخمة ومعقدة للإطلاق، وتستنزف اقتصاديًا صواريخ الدفاع الجوي المعادية. اعتمدت طهران على أسراب المسيرات لضرب أهداف اقتصادية ورخوة في دول الخليج (مثل محطات تحلية المياه، مراكز البيانات في البحرين، ومصانع الألومنيوم ردًا على ضرب مصانع الصلب الإيرانية)، كوسيلة للمحافظة على إيقاع ضغط ثابت ومكلف للخصوم، دون كشف المنصات الصاروخية الثمينة المتبقية.
ماذا يعني ذلك لإسرائيل؟
في حال تمكنت طهران، بمساعدة شبكات التهريب الصينية، من استعادة قدرات الخلط الكوكبي وتصنيع الوقود الصلب، فإن إسرائيل ستجد نفسها مضطرة للاستمرار في وضع "الاستنزاف الدفاعي" المكلف. تكلفة اعتراض الرشقات الصاروخية والمسيرات المستمرة ستنهك الميزانية الدفاعية وتستنزف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية (Arrow 3 وDavid's Sling)، والتي أظهرت الحرب بالفعل نقصًا حادًا في أعدادها وقدرة إنتاجها.
ستعمد إسرائيل في هذه الحالة إلى تنفيذ "عقيدة الاستباق النشط" (Active Preemption) الدائمة، وتصعيد "حرب الظل" واستهداف طرق الإمداد الصينية وسلاسل التوريد في عرض البحر (كما حدث في ضرب شحنات الخلاطات المتجهة لحزب الله عام 2019 وفي البحر الأحمر مؤخرًا). كما ستكثف الغارات السيبرانية والهجمات التخريبية السرية لمنع تجميع المعدات داخل منشآت خجير وبارشين وشاهرود، مع التلويح الدائم بعمليات اغتيال مستمرة للكوادر الفنية الإيرانية لتعطيل الإنتاج.
إذا أدت خسارة منصات الإطلاق، الخلاطات الكوكبية، والقيادات المخضرمة، إلى شلل مزمن يحرم إيران من تعويض فاقدها الاستراتيجي، فإن إسرائيل ستعتبر أنها حققت إنجازًا أمنيًا وتاريخيًا يضمن تفوقها الاستراتيجي لعقد قادم على الأقل. مع تحييد 66% من منصات الإطلاق وانهيار المظلة الجوية الإيرانية (تحييد S-300 بالكامل)، تصبح الأجواء الإيرانية مكشوفة بالكامل أمام الطائرات الهجومية الإسرائيلية.
في ظل تآكل الردع الصاروخي الإيراني، ستتصرف إسرائيل بجرأة غير مسبوقة. سيتم تركيز الجهود على القضاء النهائي على ما تبقى من شبكة الوكلاء الإقليميين ("محور المقاومة"، كحزب الله والمليشيات في سوريا والعراق) الذين فقدوا غطاءهم الاستراتيجي والدعم اللوجستي الإيراني المستمر. الأهم من ذلك، ستمتلك إسرائيل والولايات المتحدة هامش مناورة واسع لشن ضربات عسكرية حاسمة على المنشآت النووية المخبأة بعمق متى ما رصدت أن إيران تستأنف تخصيب اليورانيوم لصنع قنبلة، لعلمها أن الرد الإيراني الصاروخي سيكون ضعيفًا، مشتتًا، ولن يشكل تهديدًا وجوديًا للاقتصاد أو المدن الإسرائيلية. كما سيكثف الغرب استغلال ضعف الشرعية الداخلية في عهد مجتبى خامنئي لدعم التمرد الداخلي والاحتجاجات لزعزعة استقرار النظام.
هل انتهى الردع الإيراني؟
لا تُقاس الخلاصة بالأرقام المجردة للإحصائيات: كم صاروخًا دُمر أو كم منصة تبقت في ترسانة الحرس الثوري. الردع، في جوهره العسكري والسياسي، هو القدرة على فرض تكاليف سياسية واقتصادية وعسكرية لا تحتمل على الخصم، تجعله يحجم عن المضي قدمًا في خططه الرامية لإسقاط النظام أو تدميره بالكامل.
هل ما زالت إيران قادرة على ردع خصومها؟
الإجابة هي نعم، ولكن بطبيعة وآلية وشكل مختلفين تمامًا عما قبل الحرب. لقد انتهى عصر "الردع الشامل بالقوة الغاشمة والوابل الصاروخي". فقدت إيران القدرة العملياتية على إغراق سماء إسرائيل والولايات المتحدة بآلاف الصواريخ الباليستية المتطورة ذات الوقود الصلب في وقت واحد، وذلك بسبب ندرة منصات الإطلاق الفعالة المتبقية، وشلل خطوط الإنتاج الذي سيستمر لسنوات بانتظار معدات صينية جديدة، والانخفاض النسبي في مخزون الصواريخ الدقيقة، إضافة إلى فقدان المظلة الجوية التي كانت تؤمن المنصات أثناء تحضيرها.
ومع ذلك، لم تفقد إيران أدوات إيذاء خصومها، ولم ترفع الراية البيضاء. لقد نجحت طهران في بناء وتفعيل ما يمكن تسميته بـ "ردع الاستنزاف التكيفي" من خلال تفعيل قيادة "الدفاع الفسيفسائي اللامركزي" ونموذج "الخليفة الرابع" للقيادة، أثبتت إيران قدرة استثنائية على الصمود وامتصاص أقسى الصدمات التاريخية (بما في ذلك اغتيال رأس الهرم الديني والسياسي، علي خامنئي) دون أن ينهار النظام مؤسسيًا أو يستسلم أمام العمليات العسكرية.
استعاضت إيران عن الوابل الصاروخي الهائل بحرب عصابات عسكرية لامركزية واسعة النطاق، تعتمد على دمج ما تبقى من الصواريخ الباليستية مع أسراب لا تنتهي من الطائرات المسيرة الرخيصة الثمن، لضرب خاصرة الاقتصاد العالمي ومصادر الطاقة في دول الخليج (مثل الكويت والإمارات)، واللجوء لخنق التجارة العالمية بإغلاق المضائق الحيوية كـ"مضيق هرمز"، واستنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية الغربية بشكل بطيء ومؤلم. إن قدرة القيادات الإقليمية الـ31 في المحافظات الإيرانية على الاستمرار في إطلاق النيران بشكل عشوائي ومستقل من المخابئ والكهوف، تجعل من فكرة "الاجتياح البري" لتغيير النظام أو تحقيق "الانتصار السريع المطلق" كابوسًا دمويًا وباهظ التكلفة بالنسبة للغرب وإسرائيل.
ختامًا، خرجت إيران من الحرب مثخنة بالجراح التكتيكية والاستراتيجية؛ فقدت قيادتها، وتهدمت مصانع وقودها الصلب وخلاطاتها الثمينة، وتبخرت منظومة دفاعها الجوي بالكامل لتترك سماءها مشرعة. لكنها، وفي ظل قيادة مجتبى خامنئي وسيطرة الحرس الثوري المطلقة، لم تخرج مجردة من السلاح ولا فاقدة للإرادة. فلا تزال "دولة صاروخية-طيرانية" تمتلك ما يكفي من الأدوات والمرونة المؤسسية العميقة، والمخزون المتبقي لضمان شيء واحد أساسي يشكل جوهر الردع: أن تكلفة محاولة اقتلاع النظام الإيراني بالكامل وتغييره بالقوة تظل أعلى بكثير مما تستطيع أو ترغب الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهما في دفعه سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
وهنا يكمن مستقبل الردع الإيراني في المشهد الجيوسياسي الجديد لما بعد حرب 2026.