أيمن رضا في

أيمن رضا في "أكلناها".. التلقائية العصية على القرف ومشتقاته

أيمن رضا في أكلناها (يوتيوب)

أثبت الفنان أيمن رضا، طيلة فترة حضوره في برنامج "أكلناها"، أنه عصي على الانجرار إلى كافة أنواع القرف الذي ظلّ مقدم البرنامج باسم ياخور يحاول دفعه إليها، كي يرينا الخائف والمستكين والقانع الذي يسكن وجدان رضا، الذي كلما أراد أن يتفوه بما يمليه عليه ضميره الحي بخصوص سلوك فنان أو ظاهرة عامة، أنصت إلى ما تقوله له قواعد النفاق الاجتماعي في مجمع الفنانين المرائي.

لجأ أيمن رضا للاستعاضة عن الطعام المقرف في برنامج باسم ياخور بمنطق الصراحة التامة

في تعامله مع منطق القرف في برنامج ياخور القائم على تجنب الإحراج مقابل الانحدار نحو القرف (تذوق الطعام المقرف)، لجأ الرجل للاستعاضة عنه بمنطق الصراحة التامة القائمة على راحة الضمير والثقة بالنفس، الأمر الذي يفسّر لنا عدم تردده في تسمية الممثلة نسرين طافش، التي رأى فيها واحدة من الفنانات السوريات اللواتي تحصلن في الآونة الأخيرة على عدد من الجوائز والتكريمات الفنية غير المستحقة عن جدارة وقيمة، كونها وصلت إليها عبر مجالات أخرى كالموضة والعلاقات العامة التي لا تمت لمهنتها الحقيقية كممثلة درامية بصلة.

اقرأ/ي أيضًا: باسم ياخور في برنامج "أكلناها".. الانحدار نحو القبح والتفاهة

المراقب للسياق الذي جاءت فيه زلة اللسان التي صدرت عن رضا في معرض مطالبته باستراحة قصيرة بعد أداء جميل ومتنوع لمقطوعة "وزع شوكولاته وطعمينا، مو ضروري تعرف أسمينا" بقصد قضاء حاجة التبول، لا تحمل في دلالتها صدق التصورات المسبقة التي يحملها ياخور عن رضا، من حيث كونه أسيرًا لعوالم طفولته التي تبقيه عاجزًا عن الوصول لمرحلة النضج الاجتماعي، التي تفرض على صاحبها التمييز بين الحسن والقبيح، إذ سنرى رضا في نفس اللقاء في قمة المعقولية والنضج والجدية عند تطرقه لمتطلبات العمل الفني الناجح الذي يؤمن به، على عكس ما يحاول ياخور ترسيخه في أذهاننا عن رضا العاجزعن التمييز بين القبيح والحسن. إن سوء فهم ياخور لعفوية رضا في مطالبته على الملأ باستراحة للتبول، لا يمكن ردها إلى رغبة رضا الكيدية بالسخرية من ياخور وبرنامجه، كما قد يتهيأ لياخور أن يفهمه، بقدر ما يمكن ردها لطبيعة رضا الفطرية التي تعتقد أنه يمكن إنشاء الأريحية بينه وبين جمهوره المتواجد في صالة الأستديو، رغم أنه لم يمض على التقائه بهم سوى ساعات.

التلقائية تلك هي كلمة السر الكبيرة التي تميز رضا عن غيره من ممثلي الكوميديا، إلى الدرجة التي تزول فيها الفواصل بين الممثل والإنسان، الذي يصر أن يقدم نفسه لنا كطفل صغير لاهٍ، لا يتورع عن دفعنا لمجارته باللعب عبر الضغط على كف يدنا اليسرى بأسناننا كتعبير عن حالة الغضب التي قد تتملكنا إزاء شخص ما أو موقف ما، وما كل ذلك سوى أنه لا يكتفي بأن ينقل إلينا الضحك عبر الإيماءات والألفاظ، بل يصر أن ينقله لنا عبر الحواس والأنفس. إن النظر لرضا كخالق فرح كبير عبر النكتة التي يخلقها من العدم تارة، وعبر الغناء والعزف والسلوك الطفولي المتفلت من أي حجاب تارة أخرى، يدفعنا لمعاينته على نحو ساذج من حيث كونه مرآة لشخص لاهٍ، لا يحمل في داخله سوى هناءة البال أوالتفاهة المعممة على نحو ما، حيث لا قيم إنسانية ولا مبادئ كبرى اللهم سوى التهريج والتزمير والعيش على هامش الحياة الصاخبة.

إلا أن شطط تصوراتنا السلبية عن الرجل سرعان ما تتبدد، عندما نتعرف عليه شخصًا جديًا كل الجد، مهمومًا بقيم الحياة الكبرى كالصدق والحب الصداقة، حيث نراه يعيش في قوقعة عائلته الصغيرة المحاط بالحب ودفء العائلة وتفاصيلها الصغيرة، مقابل انسحابه الطوعي من لقاءات أصحاب المهنة المؤسسة على الغيبة والنميمة والعلاقات الشخصية التزلفية والنفعية. إن ما يجرح رضا في علاقات الصداقة هو إصرار البعض، ومنهم ياخور، على التعامل معها على نحو كاذب. فكيف لرضا أن يأخذ ادعاء ياخور بصداقته الحميمة له، وهو الشخص الذي لم يسمح له وقت فراغه خلال السنوات الثماني الماضية بالاتصال به سوى ثلاث مرات؟ وكيف له أن يدعي صداقته الحميمة لمخرج "بقعة ضوء" الليث حجو، وهي علاقة مؤسسة عل المنفعة البحتة، التذلل والمديح المجاني مقابل حجز مقعد دائم للعمل معه؟

التلقائية تلك هي كلمة السر الكبيرة التي تميز رضا عن غيره من ممثلي الكوميديا

لقد أثبتت مشاعر الحيرة والاندهاش والإحراج والامتعاض والغضب التي ظهرت على وجه ياخور وهو يستمع لجرأة رضا الفجة، في نسف ادعاء صداقته له وللآخرين في الوسط الفني عمق الجرح النرجسي الذي أصابه في مقتل، الأمر الذي نراه في استقتاله لرد الصفعة التي تلقاها من رضا بصفعة أقسى وأكثر لؤمًا، حتى لو جاءت عبر البرنامج الذي يقدمه، والذي يفترض فيه الركون للحيادية والنزاهة االمطلقة في التعامل مع الضيوف. ففي محاولة رده على سؤال الشيف أنطوان المطبوخ في غرفة الإعداد التي يشرف عليها، "من هو الصديق اللي بتقرف تاكل معه"؟، أجاب ياخور: "أيمن رضا لانه بياكل بدون أتيكيت، وهو لا يأكل بل يجلعص الأكل جلعصة"، الأمر الذي جعل رضا يفهم رسالة تصفية الحساب العلنية تلك، ليرد عليها برسالة مقذعة "باسم ياخور حل عن طي....، لسه كل شغلة مئلعطة (مقرفة) بتلزقها فيني، لحد الآن ما عم أرضى رد، بدك تنجح برنامجك مو ع حسابي".

بعيدًا عن انتهاك قواعد الآداب التي يصر ياخور على رمي رضا بها، فإن توضيح ياخور للسبب الذي جعله يتجنب دعوة أيمن للمشاركة في برنامج " ببساطة " الكوميدي، الذي يشرف على إنتاجه، يذهب لكسر الصورة النمطية لرضا الفوضوي لصالح رضا المتطلب، ذلك الفنان الذي يرفض المشاركة في عمل فني، لا ترغب الجهة المنفذه له بتقديم جميع الشروط التي تجعل منه عملًا فنيًا يليق بذائقة الجمهور الذي تتوجه له، كما يرفض التبخيس من مقدار نفسه عبر قبول العمل بثمن بخس مع منتج لا يفكر إلا بمقدار الربح الذي سيجنيه على حسابه.

اقرأ/ي أيضًا: عابد فهد.. العودة إلى حضن البهيمية

في صمت رضا عن اسم الشخص المتنفذ الذي حرمه من حقه بالمطالبة بمتسحقاته البالغة ما يقارب الـ170 ألف دولار من عقد وقعه مع تلفزيون أورينت عندما كان يحظى صاحبه برضى السلطات السورية عنه، قبل ثورة السوريين، يترك الرجل لنا مساحة من التعاطف معه كضحية من ضحايا الاستبداد، الذي بمقدور سطوته الكلية الحط من كرامات الأشخاص الذين يعيشون في كنف رعايته، كما بمقدوره السطو على ممتلكاتهم الشخصية دون أن يستطيعوا فعل شيء حيال ذلك.

ما لا يمكن فهمه ولا تبريره في سلوك رضا العام هو انحداره إلى مستوى المندوب الإعلامي، الذي يقوم بمهمة الترويج لصالح شركة إم ـ تي ـ إن للهاتف المحمول، عبر قيامه بجولات مبتذلة على المناطق التي سيتم فيها توزيع تلك الهبات المجانية. الأمر الذي يدعونا للتساؤل عن الاستسهلال الذي يرفضه رضا في مكان ويقبله في مكان آخر. فهل هو حقًا جانب أصيل في شخصيته المتمردة؟ أم هو جانب عارض من جوانب عيشه كما كل السوريين في ظل الاستبداد الأسدي، الذي يصادر عليهم التمتع بكل إرادة حرة، ويدفعهم لممارسة أعمال لا تليق بكرامتهم؟ وهل يمكن أن يغيب عن ذهن رضا اللمّاح السلوك الإجرامي لجنود الأسد، وتحل محله بطولات متوهمة لجيش أمضى جل وقته في تحويل حياة المطالبين بالحرية إلى جحيم إلهي لا حدود قارة لعنفه؟ أم أن احتقار ذلك الألم والسخرية منه هو الثمن المناط برضا أو بغيره من رعايا الدولة الأسدية دفعه ليتمكنوا من العيش في ظل النظام العبودي الأسدي، الذي يضع الفرد دومًا ما بين خياري التمرد والموت، أو الخضوع والإذلال سواء جاء عبر التساوق مع سردية النظام عن المؤامرة كما فعل رضا من خلال قربان عبوديته الصغير، أغنية "ما رح إتركك يا شام"؟ أم جاء عبر المديح المجاني لبطولات جيش لا يفعل شيئًا سوى أن يحيل حياة الناس وموارد عيشهم إلى أرض يباب لا غير؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

نقابة الفنانين في سوريا: مجلس تأديب علني

عادل إمام.. الزعيم الهلفوت