أية حكاية نعيش؟

أية حكاية نعيش؟

لوحة لـ نيكولاس دي ستايل/ روسيا

انتظرت الليل طيلة ساعاتٍ مضتْ

هي هواية اعتدت عليها كما تعلمين

أدمن على الصحو ومجاراة الليل حتى ينام

تمامًا كما أدمنت على طيفك الذي يرافقني

طيلة سهراتي، يبقى طيفك المموج

مغزولٌ

ومنقوشٌ

على أطراف المساء، ترافقينني حتى ينام الليل.

*

 

بدأت والليل أولًا بأغنية من تراث مدينتي

ثم أخرى من تراث مدينة إسطنبول،

وكلما ابتعدت عن مدينتي الصغيرة،

كلما تقدم طيفك، وتحرّش بي

كم كنت أرجو أنَّ لكلمة التحرش معنى إيجابيًا واحدًا

أي أن نستعملها - حين نريد- كما نستعمل "الحركشة" في لغتنا العامية

لغة البسطاء، والشوارع المتسخة.

الحركشة في قاموسنا يا عزيزتي هي رغبة

وحب

وسُكْر

ودعوة للحب، هو تحرش مشروع، ومباح

تحرشٌ بمحض إرادتنا

*

 

لا عليكِ، أنا أضيّع الكلام

كنت أخبرك عن طيفك الذي يحركش أمسياتي

هل ما زلت مهتمة بسماع الحكاية؟

أم تريدين مني شروطًا بغية إخبارها لكِ

أَأٌطفئ السِيجارة؟

وهل تريدينني أن أجلب كأسًا من اليانسون بدل القهوة؟

سأكمل على أية حال..

فقهوتي كدت أنتهي منها، والسِيجارة لم أشعلها بعدُ

سأشعلها.. أعرف ذلك جيدًا، وأعرف انكِ تعرفين.

*

 

الحكاية؟ آه نعم، الحكاية...

ما من خير في حركشات الليل، فالشيطان كان ثالثنا

شيطانٌ محب، يقدس الحُب

شيطان لا تعرفه كتب الدين

نعرفه كلانا، ومن ذاق من شيطنته.

غرِقَ الليل

غرق الليلُ بي إلى ذاكرتي الدبقة اللزجة كحلزونة شتوية

أخذني في رحلة مستعرة

إلى حزيران الذي التقينا فيه مرارًا

للمرة الأولى عندما زرعتِ فيّ ابتسامةً

وحزيران الذي يليه

حين زرعتُ أنا الضحك لكِ

ثم إلى المدن التي مررنا بها

إسطنبول وفانكوفر وتورنتو

مونتريال وباريس

وقرى ألمانية القريبة من بعضها البعض

كتجمع أسماك التونا من أفواه القرش.

السفاري المزيفة المزروعة في ذهن صديقنا المرح فقط

والصورة التي شهدت فيها الشمس غروبًا على حبنا

مررت أيضًا بارتباكي في ليلة الميلاد وأنا أبعثر لأمك لحظات لقاءنا الأول

وأقص عليها مهاراتي في مغازلة ابنتها،

كنت طفلًا يفتخر بفعلته، وينثر الحب متحديًا

وربطة العنق التي رسمتها لي بعد أن قلّمت أطراف لحيتي الخشنة.

*

 

كاد الليل أن ينتهي، همس لي بمرور الوقت سريعًا

رطوبة الغرفة قلّت

والسماء بدأت تفقد شيئًا من حُلكها

أية حكاية نعيش نحن؟

باغتني السؤال كلما اقتربتِ مني

طيفُكِ

زاد خوفي والخفقان

أنا المؤذي والأناني، اعترفت لليل في سرعة خيالية

أدركني بسهولة، الليل

وأنهك كامل قواي

دفعني لأبوح كما تفعل المخابرات في بلادي

أسئلة مباغتة وغير منطقية.

*

 

تلحفت ببؤسي،

وحيرتي

بشوقي

تلحفت بكلماتك التي كتبتيها لي في رسائلنا الورقية في زمن نالت فيه الشبكات الافتراضية منّا

رسائلنا التي نحتال فيها على قدرٍ غبي

وأحكام تعسفية جعلت من كل واحد منا في طرف مغاير من المعمورة الأعجوبة.

*

 

تخلّصتُ من الكوابيس، هربت من الموت كما فعلتُ في الماضي

فخبرتي أصبحت لا بأس بها في هذا المجال

أخالك تعرفين ذلك.

أولستِ كذلك؟

ربما تعلمتِ القليل منها أيضًا المهارات الوحيدة التي أعرف:

الهروب والتهرب

ملاحقة عقارب الزمن والتحايل عليها.

مسامرة الليل، وانتظارك.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 

أصدقاء وموت

حبّ وسواس خنّاس