"أيام مارون بغدادي" في بيروت: ذاكرة مرئية لكاميرا عكست أهوال الحرب
12 يوليو 2025
في سينما مونتين التّابعة للمركز الثقافي الفرنسي في بيروت، عاد اسم مارون بغدادي ليضيء شاشات المدينة من جديد، بعد أكثر من ثلاثة عقود على رحيله، في حدث استثنائيّ حمل عنوان "أيّام مارون بغدادي"، نُظّم بين 30 حزيران/يونيو و4 تموز/يوليو 2025، في تمام الساعة السابعة والنصف مساءًا. هو احتفاء استثنائي بتجربة سينمائية تركت بصمةً لا تُمحى، وساهمت في رسم معالم صورة لبنان في أحلك مراحله، حين كانت الكاميرا مرآة مكسورة تعكس شظايا وطن يبحث عن نفسه وسط ركام الحرب.
نُظّم الحدث من قبل "نادي لكلّ النّاس"، المعروف بمبادراته الثقافية الّتي تسعى إلى إعادة ربط الجمهور اللّبناني بإرثه البصري والسينمائي، بالشراكة مع المركز الثقافي الفرنسي، في خطوة تعبّر عن تقدير بالغ للسّينما اللّبنانية، ولأحد أبرز روّادها الذين تركوا وراءهم أرشيفًا ناطقًا بالوجع والحب والانتماء.
أفلام مرقمنة: استعادة للصّورة والذّاكرة
لم يكن العرض مجرد إعادة بثّ لأفلام قديمة، بل جاء في إطار مشروع ترميم ورقمنة أرشيف مارون بغدادي، ما أضفى على المشاهدة طابعًا تقنيًّا وعاطفيًّا مزدوجًا. كانت الشّاشة تنبض بالحياة من جديد، تحتضن الصّوت والصّورة بشفافيّة رقميّة متجدّدة، وتنفض الغبار عن أشرطة تحمل وجع الحرب، وأحلام المخرج، وخيبات مرحلة بكاملها.
هذه الأفلام، الّتي تم ترميمها بجودةٍ عالية، حملت في تفاصيلها مشاهد من زمن الحرب الأهلية، وصورًا لمدينة بيروت المنهكة، كما وجوهًا لا تزال مألوفة، تعكس انكسارات المرحلة وقوّة الحنين
تضمّنت العروض خمسة أفلام مختارة بعناية: "همسات" فيلم يلتقط نبض المدينة من خلال لغة بصريّة شاعريّة؛ "كلّنا للوطن" وثائقيّ سياسيّ يتناول الهويّات المتصارعة تحت راية وطنٍ واحد؛ "تسعون" تأمّلات في الحبّ والزّمن والانهيار؛ "وعاد مارون إلى بيروت" عمل من إنتاج قناة الجزيرة يعكس عودة الذّات إلى مكان لا يعود كما كان؛ "الرجل المحجب" فيلم نادر يتقاطع فيه الوثائقي بالرّوائي، في معالجة فلسفيّة للسّلطة والتديّن والهويّة.
هذه الأفلام، الّتي تم ترميمها بجودةٍ عالية، حملت في تفاصيلها مشاهد من زمن الحرب الأهلية، وصورًا لمدينة بيروت المنهكة، كما وجوهًا لا تزال مألوفة، تعكس انكسارات المرحلة وقوّة الحنين.
وجوه في القاعة: حضور يتجاوز الزّمن
تميّز الحدث بحضور غنيّ ولافت لأسماء ثقافيّة وفنيّة شكّلت جزءًا من المشهد السّينمائيّ اللّبناني، أو كانت شاهدةً عليه. من بين الحاضرين برز حسن نعماني مدير تصوير أفلام مارون بغدادي الوثائقيّة، والذي تحدث عن أثر بغدادي في توثيق لحظات نادرة من ذاكرة المدينة؛ الرّوائي حسن داود، والّذي رافق بغدادي زمنيًّا في إنتاج خطاب جمالي متوازٍ بين الأدب والسينما، حيث ساعد في كتابة سيناريو فيلم "كلنا للوطن".
كما وكتب سيناريو فيلم "زوايا" الذي تعذر تصويره بسبب وفاة بغدادي في فترة التحضير له؛ المخرج والباحث هادي زكاك، والذي قدّم مداخلة نقدية حول تطور اللغة السينمائية لدى بغدادي، من الروائي إلى الوثائقي؛ سمير حبشي، المخرج الذي تأثر بشكل مباشر بتجربة بغدادي، وشارك شهادته الشخصية؛ مارسيل خليفة، الموسيقي الذي عبّر عن صداقة جمعت بينه وبين بغداي، مُتذكرًا كيف كانت الموسيقى والسينما لغتين متكاملتين في رؤية بغدادي، حيث ساعد في تأليف موسيقى أفلام مارون بغدادي الوثائقيّة، وأخيرًا عائلة الأديب ميخائيل نعيمة، والتي حضرت تكريمًا لعلاقة فكرية وإنسانيّة كانت تربط بين بغدادي وأدباء المهجر.
السينما كأرشيف للوجع
ما ميّز هذه الأمسيات ليس فقط عرض الأفلام، بل النقاشات التي تلتها، والتي شكّلت مادة ثقافية غنية في حدّ ذاتها. جلسات الحوار بعد كل عرض تحولت إلى فضاءٍ للتأمل الجماعي، حيث تلاقت وجهات النظر من مختلف الخلفيات الفكرية، وجاءت الأسئلة محمّلة بثقل الذاكرة والتاريخ، وكأن كل مشهد سينمائي أطلق سلسلة من الأسئلة المعلّقة. لم تكن الأسئلة تقليدية أو سطحية، بل انطلقت من عمق التجربة اللبنانية: كيف صوّر بغدادي الإنسان وسط الدمار؟ هل السينما مجرّد فن بصري، أم أنها شهادة توثيقية على الواقع؟ هل للفن دور حين تتفكك الدولة وتتصدّع المجتمعات؟ وهل بإمكان الصورة أن تُعيد ترتيب العلاقة بين المواطن ووطنه؟
عبر هذه الحوارات، ظهرت السينما بوصفها أرشيفًا حيًّا للوجع، وسجلًّا غير رسميّ للحظات عصية على التوثيق بالكلمات. لقد بدا أن الأفلام التي عُرضت، برغم مرور السنوات، لا تزال تحتفظ بحرارتها، وبقدرتها على إثارة الأسئلة وفتح الجراح التي لم تندمل بعد.
تساءل الحاضرون عن موقع بغدادي في تاريخ السّينما العربية، هل كان مجرد مخرج متأثر بالمدارس الغربية، أم أنه شكّل فعلًا مدرسة سينمائية قائمة بحد ذاتها؟ وتطرق النقاش إلى التّحديات التي تواجه إرثه اليوم، وسط عالمٍ تتسارع فيه التقنيات وتتبدّل فيه وسائل العرض والتلقي، من شاشات السينما إلى الهواتف الذكية، ومن الصالات الجماعية إلى المشاهدة الفردية. وسط هذا التحوّل، هل تبقى أفلامه قادرة على إحداث التأثير نفسه؟ أم أن قيمتها أصبحت أرشيفية محضة؟
في هذا السياق، تحولت النقاشات إلى مراجعة جماعية لمفهوم السينما بوصفها مرآة اجتماعية لا تكتفي بعكس الواقع، بل تعيد تشكيله وقراءته. وأكّد بعض الحضور أن تجربة بغدادي تقدم نموذجًا عن كيف يمكن للفن أن يكون مساحة للبوح، للغضب، وللأمل. فالمخرج الذي صوّر بيروت تحت القصف، لم يفعل ذلك بنزعة استعراضية، بل بروح إنسانية عميقة، تُحيل الصورة إلى سؤال وجودي حول معنى الحياة والكرامة والانتماء.
ولعل ما يضاعف من قيمة هذا الحدث هو أن الأفلام المعروضة لم تأتِ فقط كمنتج فني، بل كوثائق مُرمّمة، عادت إلى الحياة بفضل جهود تقنية متقدمة، ما أضفى على العروض بُعدًا إضافيًّا: أن الحفاظ على الذاكرة ليس عملًا فكريًّا فقط، بل يحتاج إلى قرار ومشروع وتمويل وإرادة.
مارون بغدادي: الكاميرا كبحث عن وطن ومساحة للشفاء
من خلال عروض "أيام مارون بغدادي"، لم يظهر المخرج الراحل كمجرّد صانع أفلام يحترف التقاط مشاهد الحرب، بل كمؤرّخ بصري لِما تتركه الحرب في النفوس، لما تمزّقه في العلاقات، وتُخلّفه من كدماتٍ على الهوية الفردية والجماعية. في كل لقطة من أعماله، تظهر الكاميرا ليس كأداة ميكانيكية تُوثّق الحدث، بل ككائنٍ حيّ يلتقط، يتتبّع الأثر، ويغوص في التفاصيل الهشّة التي قد تغيب عن العين العادية.
مارون بغدادي كان أقرب إلى شاعر بالكاميرا، راوٍ للحظة اللبنانية المأزومة، حَسّاس لأصوات الشوارع المهجورة، ولصدى الأمل المُثقل بالخذلان. لم يكن هدفه تقديم الحرب كمشهدية صاخبة، بل كشف تشققات الروح وسط ضجيج الخراب.
في فيلم "تسعون"، على سبيل المثال، لا يكتفي بتصوير الحياة اليومية في زمن الانهيار، بل يجعل من الشخصيات مرآة تعكس المدينة المنهكة، حيث يتحوّل كل حوار إلى استعارة عن وطن يتهالك بهدوء. أما في "كلّنا للوطن"، فيقدّم قراءة نقدية جريئة للخطاب الوطني.
مارون بغدادي كان أقرب إلى شاعر بالكاميرا، راوٍ للحظة اللبنانية المأزومة، حَسّاس لأصوات الشوارع المهجورة، ولصدى الأمل المُثقل بالخذلان
لكن ما جعل هذه العروض أكثر من مجرد استعادة لأفلام أرشيفية، هو اللقاء الجماعي الذي ولّدته. في قاعة سينما مونتين، اجتمع جمهور متنوع، من أجيال عاصرت بغدادي وعاشت زمن أفلامه، إلى شباب لم يسبق لهم أن شاهدوا أعماله إلا من خلال مقاطع عابرة على الإنترنت. هذا التلاقي، بين الماضي والحاضر، بين من عاش الحرب ومن سمع بها كحكاية، أضفى على الحدث طابعًا إنسانيًا عميقًا. كانت السينما، هنا، وسيطًا للحوار بين الأجيال، ومنصّة للشفاء الجماعي.
نادي لكل الناس: مهمة ثقافية نبيلة
من الضروري التوقف عند الدور الريادي الذي يقوم به نادي "لكل الناس"، الجهة المنظمة لهذا الحدث الثقافي اللافت. على مدى سنوات، أثبت النادي التزامه العميق بإحياء الإرث الفني اللبناني والعربي، من خلال تنظيم عروض مفتوحة، ندوات، ورش عمل، وبرامج توعوية تستهدف شرائح مجتمعية مختلفة، واضعًا في جوهر رؤيته قناعة بأن الثقافة هي وسيلة مقاومة، ومنصة للذاكرة الجماعية.
في "أيام مارون بغدادي"، أعاد النادي التأكيد على أن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة، خصوصًا في بلد يتعرض فيه الفن والمعرفة لتهميش مستمر. لقد جسّد الحدث نموذجًا حيًّا عن كيف يمكن للجهات الأهلية المستقلة أن تؤدي دورًا موازيًا، بل مكمّلًا للمؤسسات الرسمية الغائبة أو المنهكة. من خلال التعاون الوثيق مع المركز الثقافي الفرنسي، الذي وفّر الفضاء والدعم اللوجستي، نجح النادي في إقامة تجربة ثقافيّة غنية.
الجهد الذي بُذل في ترميم ورقمنة أفلام مارون بغدادي ليس تفصيلًا تقنيًا فحسب، بل فعل ثقافي بامتياز. هو إعلان عن رفض النسيان، وعن إصرار على إنقاذ الذاكرة من التلف.
هذه التّجربة الّتي نظّمها النادي يمكن اعتبارها نموذجًا يُحتذى به في كيفية تفعيل الأرشيف السينمائي، ليس فقط عبر عرضه، بل من خلال بناء تجربة متكاملة تحفّز النقاش وتفتح آفاق البحث والذاكرة. هي ليست مجرد مناسبة عابرة، بل حلقة من مشروع طويل النفس، يسعى إلى أن يُصبح للسينما اللبنانية مكانها الطبيعي في الوعي العام، وأن يتكرّس الفن كحقٍ جماعي.
حين تصبح السينما بيتاً للذاكرة
لم تكن "أيّام مارون بغدادي" مجرّد حدث فني أو احتفالية بأفلام مُرمّمة من أرشيف مخرج راحل، بل كانت مساحة للتمعّن في الذاكرة الجماعية، ودعوة صريحة للتفكّر، للحوار، وربما، للمصالحة مع ذواتنا ومع ما عجزنا عن مواجهته من صور الماضي.
في هذه العروض، بدا أن مارون بغدادي لم يرحل فعلًا. لقد حضر في القاعة، في نظرات المتفرجين. بغداي لم يكن فقط صانع أفلام، بل كان شاهدًا على زمنٍ مُلتبس، ومؤرّخًا عاطفيًّا لهويّة تتشظى، وناقدًا جريئًا لخطاب السلطة والوطن والانتماء.
تجاوزت أفلامه إطار السينما لتصبح وثائق وجدانية، ومع كل عرض، بدا أن هذه الأفلام لا تزال تحمل طاقة حيّة، قادرة على مساءلتنا، على إحراجنا، على كشف هشاشتنا، وفي الوقت نفسه، على ملامسة عُمق إنسانيتنا.
إنّ "أيّام مارون بغدادي" لم تكتفِ بإحياء ذكرى، بل فتحت نافذة على ضرورة بناء أرشيف جماعي للوجع والأمل معًا، وأعادت تأكيد أن السينما، خاصّة في السّياق اللّبناني، هي ضرورة وجوديّة وبيت للذاكرة، وساحة لحوارٍ طويل لم ينتهِ بعد.