أيامنا الجميلة في محترف الرمال
10 يناير 2026
لماذا لا ينسى كتّاب فلسطين في الداخل والضفة مطعم (محترف الرمال في اللويبدة – عمّان)؟ لماذا كلما مرّ اسم المطعم على أذهان أحدهم يصيح: يا الله يا محترف الرمال؟ لماذا كلما مرّ أحدنا من الشارع الموازي للمطعم يشهق ويدمع، فيسأله سائق الأجرة: هل أنت بخير يا أستاذ؟ فيجيب بدمعة أخرى، فيسكت السائق.
تجربة كتّاب فلسطين مع هذا المكان، المحاط بالشجر وأحواض الماء والصخور والبيوت العتيقة قربه، لا يمكن نسيانها. كنت واحدًا من هؤلاء. تلقيت دعوة من صاحب المكان، الصديق أخلد نواس، لتوقيع كتابي القصصي "أن تقعي أرضًا ويكون اسمك أماني". حدث ذلك صيف 2015، وسأعترف الآن أن الحديث عن هذا المكان الملهم هو ذريعة للحديث عن "ملاك عمّان" كما سماه أصحابه، الفلسطيني الأردني ابن قرية الخيرية المهجّرة قضاء يافا. أخلد نواس أدار المكان مدفوعًا برغبة جادّة في تشكيل فضاء ثقافي أردني فلسطيني مختلف، مع النحّات عبد العزيز أبو غزالة. لم يكن أخلد رجل أعمال يطمح إلى الربح، كغيره من رجال الأعمال الذين ارتدوا قناع دعم الثقافة واستخدموها لهدف ربحي رأسمالي. كان مثقفًا وطنيًا يرغب بشدّة في المساهمة في تطوير الحالة الثقافية في عمّان، وفق معايير إبداعية صِرفة. كانت مغامرة رهيبة خاضها أخلد المعروف بمغامراته في الحياة والكتابة والتفكير. استدان أخلد أجرة المكان من الأهل والأصدقاء، وكان يحلم بأن يسدّ فقط الأجرة من دخل المطعم، دون تفكير بأرباح. كانت أرباحه هو استقبال كتّاب فلسطين الذين تخلّت عنهم المؤسسات والدولة.
كنت أحد هؤلاء. كانت مجموعتي القصصية "أن تقعي أرضًا ويكون اسمك أماني" قد صدرت عام 2015. لم تكن لديّ تجربة في قراءة قصص أمام جمهور. أرسل لي أخلد دعوة لأمسية وتوقيع، رفضت بقوة معتذرًا، بسبب (فوبيا) الوقوف أمام جمهور، التي كنت أعاني منها. كان أخلد فكاهيًا إلى أبعد الحدود، وكان من النوع الذي بإمكانه إقناع الشجر بأهمية التحوّل إلى نهر. قال لي مازحًا: "اسمع، لديّ حل لفوبيا الجمهور، سأطلب من الحضور أن يجلسوا وظهورهم إليك، هكذا لن تراهم ولن يروك". ثم تابع: "تعال يا صديقي واكسر هذه (الفوبيا)، ستجد أصدقاء لطيفين يحبونك وينتظرونك".
وهكذا سافرت إلى عمّان أرتجف من الخوف، وفكرت حين وصلت إلى أريحا أن أطلب من السائق العودة بي إلى رام الله، لكنني خجلت ولم أشأ أن أُخذل أخلد، صاحب الروح الكريمة. لكن ما رأيته هناك من استقبال ومن حفاوة، من أخلد والأصدقاء، طمأن قلبي. استضافني "ملاك عمّان" في بيته، كما سيفعل لاحقًا مع كثيرين من ضيوف فلسطين. وقبل قراءتي للقصص، ألقى كلمة قدّمَني فيها وتحدّث عن مشروعه النبيل، قال: "نبدأ موسمًا ثقافيًا لن ينتهي في التعرّف على أدباء فلسطين والأردن الذين لم يجدوا مساحة ضوء. نمنحهم التقدير ودفء المكان والقلب. وجزء مهم في مشروعنا هو فكّ الحصار عن أدبائنا وفنانينا الفلسطينيين في فلسطين عام 48، الذين يعانون من تجاهل الشعوب العربية لهم. هؤلاء فلسطينيون، وحملهم الجنسية الإسرائيلية مضطرّين لا يبرّر هذا التجاهل. هم يشكّلون شوكة في حلق الاحتلال، وبقاؤهم على أرضهم المفروض أن نهنّئهم ونغبطهم عليه ونحتفل به وبهم".
وهكذا تدفّق أدباء وتشكيليون وموسيقيون ومسرحيون وسينمائيون من فلسطين 48 على محترف الرمال، يعرضون أفلامهم ومسرحياتهم، ويقرؤون الشعر والقصص، ويوقّعون الكتب. وبفضل هذا المشروع تغيّرت بشكل كبير فكرة (الأسرلة) التي كانت بمثابة بعبع (ما زالت بقاياها موجودة للأسف)، لم ينجُ منها حتى سميح القاسم، المولود في الزرقاء وسيد أدب المقاومة، والذي واجه في زيارة له لعمّان هجوم بعض المثقفين عليه.
هكذا فعل "ملاك عمّان" مع كثيرين من كتّاب فلسطين: استضافات في البيت، وجولات في عمّان، وأمسيات، وتوقيع كتب، وعشاءات لذيذة، وضحك كثير، ودموع أيضًا. شهدت مرة من المرات في زياراتي للمحترف مواقف أبكتني. رأيت تسعينيًا بحطّة وعقال الفلسطينيين، يجلس مع زوجته في أمسية موسيقية لفنان من يافا. أكلني الفضول، أردت أن أعرف سبب حضوره. سألته بعد العرض: "هل تحب الموسيقى يا عمّي؟" قال: "نعم يا ابني، لكني أحب يافا أكثر". وحدّثني عن أمسية ليحيى اللبابيدي، أشهر موسيقيي فلسطين، شاهدها في أوائل الأربعينيات مع والده على مسارح يافا. أين تسكن يا عم؟ في مخيم الوحدات يا ولدي.
لم يكتفِ أخلد باستضافة أدباء من فلسطين، لقد احتضن أدباء الأردن والمخيمات الفلسطينية هناك، ووفّر لهم مفاجآت رائعة. سأترك الحديث للكاتب الفلسطيني يحيى الصافي، ابن قرية (إجليل) اليافاوية وسكّان مخيم البقعة:
"أذكر أنني جئت من القاهرة للزواج هنا في عمّان ثم العودة للقاهرة، ولأنني كنت لم أنهِ دراسة الماجستير بعد، عملت عرسي في المخيم على السطح وعلى الضيق. وفي اليوم التالي لعرسي تفاجأت بأخلد نواس يهاتفني ويدعوني أنا وعروستي للعشاء في محترف الرمال، وقال: "بشرفك. ذهبنا أنا وعروسي للعشاء، وإذا بأغلب الأصدقاء والصديقات واقفين على سلّم محترف الرمال ويغنّون مع صوت سيد درويش يملأ المحترف: يا عشّاق النبي صلّوا على جماله... ودخلت المحترف وإذا بكوشة عرس، وباقات ورد، وأكثر من 50 مدعوًا من الأصدقاء. وكان أجمل وأصدق تعبير من محترف الرمال تجاه صناعة الفرح في قلوب محبّيه وأصدقائه".
تضاعفت الديون على أخلد، ولم يعد قادرًا على مصاريف المطعم، الذي لم يربح دينارًا واحدًا. اضطر حزينًا إلى التخلّي عنه، لكنه لم يتخلَّ عن استضافة أدباء وفناني فلسطين في بيته.
– شباب، شو أفضل فندق في عمّان؟
– فندق؟ أنت مجنون، روح على بيت حبيبنا "ملاك عمّان".
شكرًا أخلد، شكرًا عمّان.







