أولياء الجزائر الصالحون.. شموع مضيئة بالأمنيات

أولياء الجزائر الصالحون.. شموع مضيئة بالأمنيات

تستقطب أضرحة الأولياء الصالحين الجزائريين على اختلاف أجيالهم وحساسياتهم الفكرية(الترا صوت)

ترتبط المدن الجزائرية بالأولياء الصالحين الذين عاشوا أو ماتوا فيها، وتنسب إليهم ويُسمّون حرّاسَها من الشرور والأشرار، فالجزائر العاصمة تسمى مدينة سيدي عبد الرحمن نسبة للعلامة عبد الرحمن الثعالبي، المتوفى عام 1384، ووهران تسمى مدينة سيدي الهواري نسبة للعلامة محمد بن عمر الهواري، المتوفى عام 1439، وقسنطينة تسمى مدينة سيدي راشد نسبة لولي مختلف في أصله وسطيف تسمى مدينة سيدي الخير، المتوفى عام 1845 وتلمسان تسمى مدينة سيدي بومدين نسبة للمتصوف أبي مدين شعيب، المتوفى فيها عام 1198.

ترتبط المدن الجزائرية بالأولياء الصالحين الذين عاشوا أو ماتوا فيها، وتنسب إليهم ويُسمّون حرّاسَها من الشرور والأشرار

تستقطب أضرحة هؤلاء الأولياء، الجزائريين على اختلاف أجيالهم وحساسياتهم الفكرية، لأغراض مختلفة يأتي التبرك والدعاء والرقية في مقدمتها، كما يسارعون إلى إشعال الشموع في زاوية خاصة بذلك وإطلاق أمنيات ذاتية وعامة، تختلف من زائر إلى آخر.

اقرأ/ي أيضًا: الصوفية في تونس.. رقم بلا معنى؟

في ضريح سيدي بومدين بمدينة تلمسان، 700 كيلومتر غربًا، عملنا على رصد أمنيات نخبة من الشباب والشابات، وهم يشعلون شموعًا عند مدخل الضريح، الواقع بين المسجد الذي أمر بإنجازه السلطان المريني أبي الحسن علي عام 1339 وبيته الذي فتح مؤخرًا للسواح، فتفاوتت الإجابات وجرعة الصراحة، وتوحدت القناعات باعتبار هذا الطقس إنسانيًا بالدرجة الأولى ولا علاقة له بالدجل والشعوذة، فالداعي بحسبهم إنسان يحتاج إلى العون وتحقيق أمنياته والمدعو هو الله القادر على كل شيء.

يقول صلاح، 27 عامًا، إنه يقيم غير بعيد عن الضريح، وقد داوم على إشعال شمعة فيه كل جمعة، مرفوقة بأمنية أن يوفق في الهجرة إلى ألمانيا التي يعشق تفاصيلها منذ صغره. "هذا العشق دفعني إلى تعلم اللغة الألمانية والإلمام بالعادات والثقافات والطقوس والأمزجة وردود الأفعال الخاصة بالشارع الألماني، وميولاتي الرياضية والموسيقية ألمانية، ومعظم دردشاتي في موقع فيسبوك مع الناطقين باللغة الألمانية". سألناه عن الموانع التي أخرت تحقيق أمنيته في الواقع فقال: "تقدمت بملف الحصول على تأشيرة شينغن تسع مرات وكنت أخيب في كل مرة".

من جهته قال أسامة إنه أشعل شمعته من أجل سلامه الروحي، "لا أتحمّل نفسي ويومي حين يكون مزاجي معكرًا، وأنت تعلم أن دواعي تعكير المزاج باتت كثيرة في اليوميات الجزائرية، لذلك قد يحصل أن أتفادى مخالطة الناس طيلة الصبيحة حتى لا يعمل أحدهم على تعكير مزاجي". يشرح: "ما معنى أن يحدثك أحدهم عن مآسي البطالة وهو يعلم أنك دون عمل، وعن مآسي الحب والهجر وهو يعلم أنك خسرت حبيبتك التي تربت على يديك؟ كلما شعرت بالضيق واليأس قصدت سيدي بومدين وأشعلت شمعة أتمنى معها ألا أخسر إيماني بالحياة".

تستقطب أضرحة الأولياء الصالحين، الجزائريين على اختلاف أجيالهم وحساسياتهم الفكرية، لأغراض مختلفة يأتي التبرك والدعاء والرقية في مقدمتها

اقرأ/ي أيضًا: الأولياء الصالحون في تونس.. ذاكرة وطقوس

سألنا وسيلة العاملة في متحف المدينة، وهي تعدد لنا أمنياتها، عن سبب غياب أمنية أن ترزق بزوج صالح وهي التي تجاوزت عتبة الثلاثين، فقالت: "أحب أن أشعل شمعة للقضايا التي تخص الإنسانية، أما القضايا الشخصية فستحل في وقتها، وإن لم تحلَّ فأنا مستعدة للتأقلم مع وضعي مهما كان. أين يظهر رهان حصولي على زوج مع رهان أن يحصل السوريون واليمنيون والليبيون على السلام والصوماليون على الطعام والفلسطينيون على الاستقلال؟".

أمنية محمد، 23 عامًا كانت مختلفة تمامًا، فهو قدم من مدينة المشرية، 650 كيلومتر غربًا، ليشعل شمعة لصديقه الذي حكم عليه بالسجن مدة طويلة بتهمة المتاجرة بالمخدرات: "كان يستهلكها لكنه لم يكن يبيعها، وحدث قبل عام أن كان في سيارة صديق له من غير أن يعلم بأنها كانت مفخخة بكمية معتبرة من القنب الهندي، فاشترك معه في الحكم بعد أن داهمتهما الشرطة فجأة".

يحدث أن يجلب الزائرون شموعهم معهم، وقد يشترونها من الدكاكين الثلاثة المتوفرة قبيل الضريح، وقد يتبرع بها أحدهم أو يجدونها في الضريح أصلًا، وقد يشعل أحدهم شمعة بالنيابة عن أحدهم، ويتطيّر بعضهم من سقوط شمعته أو صعوبة تثبيتها بعد إشعالها، كما لا يقبل البعض أن يزيح غيرُه شمعته ليشعل الشمعة الخاصة به بالنظر إلى ضيق المساحة المخصصة لذلك، وللجزائري في شموعه شؤون. 

تستقطب أضرحة الأولياء الصالحين الجزائريين على اختلاف أجيالهم وحساسياتهم الفكرية(الترا صوت)

اقرأ/ي أيضًا:

السيدة زينب.. سند المكسورين وبراح من ضلَّ السبيل

التراث الصوفي وتجديد الخطاب الديني