01-مارس-2022

طالب أجنبي من أوكرانيا في محطة القطار بولندية (Getty)

في مشهدٍ عجائبيّ، يحدث شجارٌ بين مستوطِنين إسرائيليين من أوكرانيا مع مستوطِنين آخرين من روسيا، على خلفية هجمة بلاد الفريق الثاني على بلاد الفريق الأول، وكأنهما كلاهما لا يحتلان الأرض التي يتشاجران فوقها.

على نقاط الحدود التي يتدفّق إليها الأوكرانيون، ثمة سماح بالمرور للشقر ذوي العيون الزرق، ومنع لمن لا يمتلكون ذلك الامتياز

على هذا النحو من السريالية والعبثية تنفتح نقاشات متعددة الأبعاد، بسبب الحرب الدائرة في أوكرانيا، حول الظلم والتهميش للشعوب المعذَّبة. ففي الوقت الذي يقف العالم موقفًا حاسمًا من روسيا بوتين، وتتخذ الدول إجراءات في منتهى القوة إنصافًا للشعب الأوكراني، يسري شعور من الشكّ في نفوس أناس آخرين من سكّان هذا الكوكب، إذ يشعرون أن الغرب يكذب، وأنه ما يفعله مجرد استعراض مبالغ فيه، لا يُقنع غير قليلي الذكاء من البيض الذين لا يعترفون بوجود أية معاناة ما لم تكن ضمن الخرائط القريبة إلى فهمهم، وللناس الذي يشبهونهم.

اقرأ/ي أيضًا: عودة الواقع

على نقاط الحدود التي يتدفّق إليها الأوكرانيون، ثمة سماح بالمرور للشقر ذوي العيون الزرق، ومنع لمن لا يمتلكون ذلك الامتياز ممن يقيمون في أوكرانيا كطلبة أو عمّال. وبالمثل، وعلى السواء، ما تقوله تعليقات المراسلين الذي يريدون للمعاناة أن تمر إلى قلوب المشاهدين عبر حواجز المكان، فيتحدثون عن ضحايا شقر وزرق العيون، يشاهدون نتفليكس ويمتلكون حسابات على إنستغرام.

بين نقطة الحدود الفيزيائية على الأرض والنقطة المعنوية على الشاشة، يُفتح أمامنا نقاش عنصري قميء على أوسع أبوابه، وما استحضار الملونين فيه غير ظلم جديد، خصوصًا أنهم ليسوا طرفًا في الحرب، لا كمجرمين ولا كضحايا، لكنّ ما نسمعه ونقرأه طول الوقت يقول لنا إن العقلية البيضاء تعود إلى مقولات تصنيفية حول من يستحقون الاهتمام والاكتراث، وبالتالي الحياة، ومن لا يستحقون.

يغدو النظر إلى حقّ الأوكرانيين في إنشاء ديمقراطية وبناء حياة كريمة جائرًا حين يقابله رفض لحق البلدان العربية التي أشعلت ثورات ديمقراطية أيضًا، وكان لأوكرانيا نفسها أن تستلهمها في انتفاضتها عام 2014، التي سُميّت باسم عربي: "انتفاضة الميدان".

في الاتجاه نفسه، يتساءل الناس عن معنى المقاومة، من الذي يجب أن يقاوم؟ ومتى؟ وكيف يحق للأوكرانيين المقاومين أن يحملوا كل هذا التقريض، بل أن يصل الدعم إلى أن يُفتح الباب لهم كي يستقبلوا متطوعين من الدول التي تُسمي مقاومة الفلسطينيين إرهابًا. ولماذا تصبح المقاومات ذات الطابع الإسلامي إرهابًا أيضًا ما دام جزء من القتال الدائر الآن يحمل صبغة مسيحية؟

يغدو النظر إلى حقّ الأوكرانيين في إنشاء ديمقراطية وبناء حياة كريمة جائرًا حين يقابله رفض لحق البلدان العربية التي أشعلت ثورات ديمقراطية أيضًا

اقرأ/ي أيضًا: حرب الضحيتين

نعرف أن هذه الأشياء حدثت وتحدث كل الوقت، وبسببها يعرف العالم نضالات فرانز فانون ومالكوم إكس وجيفارا وغسان كنفاني.. هذه أشياء قديمة لا جديد فيها سوى أنها تحدث لأشخاص جدد فقط، لكنّ الجديد أنَّ لدى مستضعفي زماننا كاميرات ومنصات. لهذا افضحوا ذلك كله، واجعلوا العار يرافق أسماء كل من هؤلاء إلى الأبد. اكتبوا وصوّروا ذلك بكل اللغات التي تعرفون، فكما تستحق أوكرانيا الحياة نستحقها أيضًا، نحن وسوانا، وبالتأكيد هذه الأفكار لا علاقة لها بحقّ الشعب الأوكراني في تقرير مصيره، بل إنها تدعمه في ذلك وتتضامن معه في محنته، وفي رفض سلطة بوتين الوحشية التي تستعمل حياة الأبرياء وسيلة لامتلاك بطاقة الدخول إلى نادي أقوياء العالم، وأيضًا في رفض منطق الدول الغربية التي تضع نفسها دومًا في مكان تُحدّد فيه من يجب أن يحيا ومن يجب أن يموت.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نحن الذين نموت في كل حرب

عن يسار عربي يحيا في زمن الحرب الباردة