أوسلَندَر

أوسلَندَر

خيام للاجئين في مدينة دريسدن الألمانية (Getty)

"أوسلندر" ليس اسمًا لشاعر ألماني كبير مثل هاينريش بول أو ريلكه أو ريمارك أو غوته، وكذلك ليس اسمًا لشاعر مغمور يتنطّح تلك الأسماء الكبيرة، إنَّ اللفظة التي تحمل همًّا موسيقياً ويمكن لشاعر عربي يكتب التفعيلةَ أن يوظفها في قصيدهِ بدونِ عناء كبير، كما لو أّنّه شاعر ستيني أو سبعيني يأخذ من الأسطورة اسمها لا دلالاتها، فينسجُ نصًا مغرقًا في أمرٍ يفترض أنَّ له علاقة مع الأسطورة/ الخرافة، بينما سيجد متلقي القصيدة أنَّها تمشي على ضفة وإلى الأمام وتسير الأسطورة بدلالاتها على ضفة أخرى وإلى الخلف، ذلك ما يستدعي المثل الشعبي: "عرب وين وطنبورة وين".

من الملزم الذهاب إلى ما يرفع الصورة النمطية، أو يخفف من فجاجتها بالتماهي مع الممكن والهامش الذي تفسحه الصورة العامة

قد أزعجتكم في هذه المقدمة لأنها لا تتخلّص من المعنى الذي عنيته عن القول وقرينه، لكن لا بأس لو عرفتم أن أوسلندر هي الترجمة الوظيفية والنفسية للاجئ واللجوء، ويكفي للألماني على سبيل المثال أن يرى رجلًا أو امرأة أو حصانًا بشعر أسود وطويل ليهتف: "أوسلندر"، مع أنَّ تهجينًا طال الأوروبيين من المغاربة السمر، ومن الأتراك، ومن الأفارقة.. جعل سحنتهم تهدأ قليلًا من الحمرة الطافحة بل الفاقعة لصالح خلاسية خفيفة، لا يخلصها من شأنها المائل للأجنبية تبعًا للعرفِ السائد إلاَّ اللغة الصافية النقية بلا لكنةٍ تركها التهجين، أو قوة حرثِ الغريب في الأوروبية التي رأت فيه مختلفًا عن أبناء جلدتها الأصليين.

ليسَ الأوروبي الذي خبرَ القانون بعد الدم، وتصالح مع نفسه بأنَّ الأرض هنا واسعة والخير له ولمن وفد عليه من يصوغ نظرية "الأجنبي المخرّب"، وأنه يعمل ويدفع ضريبته بينما المقيم يسكن البيت ويتمتع بالدفء ويأخذ وعياله راتبًا لا يدفعه لطلب الآخرين حاجة، سيما أنَّ جاليات كبيرة تموضعت في أماكنها وأخذت طريقها في العمل وصارت تنافس برؤوس الأموال والمضاربة الاقتصادية والاجتماعية، من حيث إظهار الممكنات والخصائص المشيرة إلى ذواتهم كذوات عالية، ولها شأنها في التغيير والممارسة اليومية والمساهمة في الصورة الحقيقية للبلد، هذا الجهد يقوم به من يتلمس ذاته، بوصف هذه الذات مستلبة في بلد "المنشأ"، فمن الملزم الذهاب إلى ما يرفع الصورة النمطية أو يخفف من فجاجتها بالتماهي مع الممكن والهامش الذي تفسحه الصورة العامة، في المقابل تصطدم هذه الذوات بالذوات (الذليلة) والمتبرمة والجالدة لنفسها فإن رأى أحدهم يتبوّل في مكان عام قال هو "أجنبي"، وإن رأى أحدهم رمى علبة فارغة من نافذة سيارته قال" أجنبي"، وإن رأى أحدهم قطع إشارة المرور مخالفًا قال" أجنبي"، وإن ثقب أحدهم الأوزون قالوا (هو)، وإن كان موظفًا ونازيًا ومارس عنصريته قالوا لا بد أن جذوره أجنبية أو نام مع أمه أجنبي.

اقرأ/ي أيضا للكاتب: فارسٌ يمسحُ ظلاله عن الهواء!

لشدة ما يخاف من القانون معتقدًا أن العصا التي كانت عن ظهره موجودة هنا، تراه يبالغ في الالتزام ويحرص على عدم خرق الصغائر 

في حركة النزوح الكبيرة الأخيرة للسورين وقد ينطبق الأمر على غيرهم أيضًا نستطيع أن نميز أن هناك من يخالف القانون وبالحد الأدنى، وتأتي هذه المخالفة ضمن مايسمى بالحالة الفردية وأحيانًا كثيرة عن جهل بالمخالفة نفسها، لذلك الإشارة إلى كل مخالفة على أنها آتية من أناس جدد لم يشغلوا إلى الآن نسبة ولو ضئيلة من عدد السكان هي إشارة ناقصة ومعطلة ومدعاة للإحباط وفيها عسف كبير، وهنا قد أجد ممن لا يقترب مطلقًا من أي أمر يضعه في فوهة المسائلة أو الطعن في نفسه ومشاعره وهو الفاقد للقانون في مكانه الأول وكانت أحلامه دولة تستند إلى القانون وتحقُّ حقوق شعبها وفقه، وهذا لا محالة هنا وجد ضالته وآنسه وأراحه هذا التحول الذي أصاب حياته عنوة، لكنه الممكن الذي توفر له وهو ممكن طيب للغاية فيما لو قورن بوضع من بقي على قيد الحياة هناك، الآخر هو الخائف من القانون وكان يعتقد أن العصا التي كانت لا تنفك عن ظهره هي موجودة هنا فتراه يبالغ في الالتزام ويحرص على عدم خرق الصغائر مما سنته الدولة التي صار في كنفها، وصار ينظر إلى المخالفين وهم أكثرية مواطنة وليست مقيمة على أنهم معتوهون أو خارجون على القانون، خاصة تلك الظواهر التي تفقع في "الفوخن إندي"، أي نهايات الأسبوع.

قالَ لي صديقي الشاعر فايز العباس أنّه شهد ضبطًا لرحلة إحدىَ القطارات، والمفاجأة أن من أصل ثمانية مخالفين، واحد فقط كان أجنبيًا، وهو ليس سوري بالضرورة، بل كان أفريقيًا يرعاكم الله.
ارحمونا ياأصحاب التعميمات، قيل: "التعميم قاعدة الأغبياء"، أليسَ كذلكَ؟!

اقرأ/ي أيضا للكاتب: احتمالات الفقد.. أيا ليل الهجرة ما أطوَلَك!