أوروبا والملف الليبي.. تحديات الموقف الموحد أمام الخطر القادم من الشرق

أوروبا والملف الليبي.. تحديات الموقف الموحد أمام الخطر القادم من الشرق

يبدو الدور الأوروبي مهددًا في الملف الليبي مع تطور دور تركيا وروسيا (Getty)

ظهر سباق الأوروبيين في الملف الليبي، خلال الفترة الأخيرة، سباقًا ضد الزمن لمنع خسارة كبرى في الرقعة الشاسعة جنوب المتوسط بالنظر أن وافدين اثنين قادمين من الشرق، روسيا وتركيا، باتت لهم يد طولى في تحديد مسار التطورات الميدانية والسياسية المتسارعة في ليبيا بما يشي بتوسع نفوذهما على حساب مصالح أوروبا بل وبما يهددها استراتيجيًا. كيف تمظهر هذا السباق مؤخرًا؟

وجد الأوروبيون أنفسهم أمام ضرورة تنحية خلافاتهم في الملف الليبي مرحليًا، على الأقل، والتحرك ككتلة واحدة لمواجهة المد القادم من الشرق، روسيا وتركيا

أعلنت روسيا وتركيا الإشراف على اتفاق وقف إطلاق النار في الجبهة الغربية في ليبيا ومن ثم عقد قمة بين الغريمين رئيس حكومة الوفاق الوطني المعترف بها أمميًا، فايز السراج، الذي أنقذ الدعم العسكري التركي قواته على الميدان وعزّز موقفه السياسي، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، المدعوم من الثلاثي الإقليمي مصر والإمارات والسعودية ومن روسيا وفرنسا، والذي أفشل مجددًا التوصل لاتفاق بسبب ضغط حلفائه الإقليميين تحديدًا المراهنين على الحسم العسكري لإفشال المسار الديمقراطي في البلاد.

اقرأ/ي أيضًا: بعد التدخل التركي والعودة الجزائرية.. إعادة خلط للأوراق في ليبيا؟

ولم تمرّ إلا ساعات قليلة على إعلان تنظيم هذه القمة حتى سارعت ألمانيا، وبعد طول انتظار، لتحديد موعد عقد لقاء برلين حول ليبيا الذي لم تعد فقط امتحانًا للقوى الدولية والإقليمية للتوصل إلى تسوية، بل بات فرصة أخيرة للأوروبيين لاستعادة المبادرة بعد تبيّن أن خاتمة خلافاتهم، تحديدًا الفرنسية الإيطالية، مؤداها خسارة كبرى لفائدة فاعلين آخرين، الروس والأتراك، ظهروا أنهم يفتكون الملف من يد أوروبا.

أوروبا وليبيا.. المنطلقات والفاعلون

يتموقع الملف الليبي كمحور أساسي في الحسابات الإستراتيجية، الأمنية أو الاقتصادية، بالنسبة لأوروبا باعتبار الموقع الجغرافي للبلد الذي تمتد سواحله على مدى 1770 كم جنوب المتوسط وثرواته الطبيعية الضخمة (أكبر احتياطي نفط في إفريقيا)، وباعتباره، أوروبيًا، جدار الصد الجنوبي للهجرة وانتشار التطرف والإرهاب. وعمل بذلك الأوروبيون على تثبيت موطئ قدم وتأمين مصالحهم، ليبيًا، منذ انطلاق الثورة خاصة بالنظر للدور الفرنسي الحاسم في تدخل قوات "الناتو"، إبان ثورة 17 فبراير 2011، وهو ما أثار وقتها حفيظة الإيطاليين، على هذا الدور، باعتبار نفوذهم التاريخي عبر ماضيهم الاستعماري في البلد الشاسع الذي يفصل بين أوروبا ومنطقة الساحل والصحراء من جهة وبين المغرب العربي ومشرقه من جهة أخرى.

وتواصل الدور الأوروبي، لاحقًا، في رسم المسار السياسي للبلاد الذي تحوّل إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية بدرجة أولى والقوى الدولية بدرجة الثانية، في ظل انقسام مؤسسات الدولة توازيًا مع حالة احتراب أهلي في مجتمع قبلي مناطقي متنوّع عرقيًا ولغويًا، ومثلت لحظة الثورة بالنسبة لمختلف هذه المكونات دافعًا لإعادة الانتظام ورسم الخطوط في مجهود إعادة بناء الهوية الوطنية. واستثمر الأوروبيون في الملف الليبي بعناوين معلنة متعددة على رأسها دعم الانتقال الديمقراطي، وإعادة الاستقرار، وتأمين السواحل والحدود.

والحديث عن الفاعلين الأوروبين في ليبيا هو أساسًا حديث عن 4 دول هي إيطاليا، وفرنسا، وبريطانيا وألمانيا إضافة لكيان الاتحاد الأوروبي، غير أن مصالح هؤلاء الفاعلين تباينت وتضاربت أحيانًا ما أدى لاختلاف سياستهم وأولوياتهم. فإيطاليا تنظر إلى ليبيا كمجال نفوذ تاريخي، وموقع لحماية مصالحها الاقتصادية من بوابة عملاق النفط "إيني" (تستحوذ على 45 في المائة من إنتاج النفط والغاز في ليبيا)، وليس أقل أهمية أيضًا بما تمثله ليبيا بوابة لا غنى عنها لحماية سواحل إيطاليا من تدفقات الهجرة، وهي التي تتحمل أوروبيًا كلفتها الأكبر. وبدورها، تسعى فرنسا إلى تعزيز نفوذها في ليبيا وتأمين مصالحها سواء اقتصاديًا من بوابة "شركة طوطال" (المنافس الرئيسي لشركة "إيني" في ليبيا وقد استحوذت نهاية 2019 على حصة شركة "ماراثون أويل ليبيا" الأمريكية في حقل الواحة وهو أكبر حقول منطقة الواحات حيث تتركز أكبر حقول النفط في البلاد).

احتد بذلك التنافس بين إيطاليا وفرنسا في ليبيا وتضاربت سياساتهم بشكل واضح، إذ دعمت روما حكومة فائز السراج الذي كان يظهر كـ"رجل الإيطاليين" مقابل البرود الفرنسي تجاهه وهو ما تأكد تباعًا برهان باريس على اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي كان عدا عن دعمه مصريًا وإماراتيًا وسعوديًا، يأتيه المدد الفرنسي، سواء من بوابة الدعم السياسي الديبلوماسي وأيضًا الدعم العسكري الميداني عبر الطائرات الفرنسية دون طيار التي كشفت تقارير متعددة عن دورها المحوري في توفير الغطاء الجوي لقوات حفتر، وهو ما جعل مسؤولي حكومة السراج لا يتوانون في توجيه الاتهامات المباشرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بدعم حفتر وتعطيل التسوية السياسية في البلاد.

وقد بلغ التنافس الإيطالي الفرنسي إلى درجة التلاسن حينما لم يتردد سابقًا نائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني بالتصريح أن "فرنسا ليس لديها مصلحة في استقرار الوضع ربما لأن لديها مصالح نفطية تعارض مصالح إيطاليا"، وهو ما أثار غضبًا فرنسيًا بلغ مستوى درجة دعوة السفير الإيطالي للاحتجاج، في أعمق أزمة ديبلوماسية بين البلدين منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

أما ألمانيا وعدا عن الهاجس المتعلق بالهجرة غير المنتظمة من جنوب المتوسط، والهاجس الأمني وإن بدرجة أقل من الدول المطلة على ساحل المتوسط، تنشط في الملف الليبي من بوابة استمرار سياستها في توسيع نفوذها توازيًا مع ثقلها الاقتصادي المتصاعد، وهي تبحث عن وضع موطئ قدم في شمال أفريقيا، مجال النفوذ التاريخي لفرنسا تحديدًا. كما تصدّر ألمانيا نفسها من بوابة الوسيط الدولي القادم من الخلف بعيدًا عن الفاعلين المباشرين المعنيين بدرجة أولى بالملف الليبي، وهي تملك، في هذا الدور، تاريخًا من الوساطات الناجحة، ما يجعلها في نهاية المطاف، الأقدر على لعب دور مساعد للتسوية بين القوى الدولية على وجه الخصوص.

ولا تغيب بريطانيا عن الملف الليبي انطلاقًا من سعيها الدائم على تأمين حد أدنى من النفوذ في منطقة، وبغض النظر أنها كانت مجالًا تاريخيًا للمملكة التي لا تغيب عنها الشمس، فهي مفتاح لأمن المنطقة عدا عن مصالح الشركات البريطانية (بريتش بيترويوم)، ويتصاعد الاهتمام البريطاني خاصة وأنهم يعلمون بلزوم التحرك بعد الخروج من مدار الاتحاد الأوروبي وخسارة فرصة التأثير على الأقل على القرار الأوروبي. وقد ظهر سلوك بريطانيا في ليبيا أقرب للدور الإيطالي، وتفسيره الأقل هو المصالح الاقتصادية المتبادلة (المشاريع المشتركة بين "بريتش بيتروليوم" و"إيني").

مؤتمر برلين.. فرصة لموقف أوروبي موحد؟

تمظهر بوضوح القلق أو الفزع الأوروبي في محاولة لتدارك ما ظهرت هزيمة جماعية بقدرة الروس والأتراك على الحسم على الأرض والرعاية للتوافقات في الغرف المغلقة، عبر تعدد اللقاءات التنسيقية بين المسؤولين الفرنسيين والإيطاليين والألمان، في الأيام الأخيرة، سعيًا لتصدير موقف أوروبي موحد.

إذ اتفقت الدول الثلاثة على تفعيل التنسيق الاستخباراتي المشترك، وتعددت الزيارات المكوكية للمسؤولين الإيطاليين والفرنسيين لدول الجوار، وتكاثرت التصريحات المحذرة من مخاطر عدم تحرك الأوروبيين على غرار تصريح رئيس المجموعة الإيطالية للاتحاد البرلماني الدولي بيير فيردناندو كازيني، عندما قال "إما أن تستيقظ أوروبا وإيطاليا أو تضيع ليبيا"، فيما سارعت ألمانيا لتحديد موعد لقاء برلين بعد انتظار لأسابيع عديدة، فلم يكن تصاعد الدور التركي/الروسي إلا عنصرًا حاسمًا يجعل من عقد اللقاء ضرورة لإعادة ترتيب الأوراق وبالخصوص، خفية، لإرجاع أنقرة وموسكو للخط الخلفي في طاولة التوافقات حول التسوية في ليبيا.

إذ مثل التدخل التركي العسكري عنصر رفض جامعًا بين الأوروبيين بما فيهم الإيطاليون المعنيون أساسًا بالإبقاء على التوازنات السياسية الحالية خاصة مع رهانها على حكومة فائز السراج ورفضها لـ"تهوّر" خليفة حفتر، عدا عن الحساسية الفرنسية الألمانية المشتركة من اتساع نفوذ أنقرة في منطقة غادرها الأتراك منذ نحو القرن، وبما يجعلهم اليوم قادرين على الضغط على أوروبا من الخاصرة الجنوبية تحديدًا في علاقة بملف الهجرة.

وليس تعاظم التأثير الروسي في ليبيا وسط مخاوف من اتساع مجال النفوذ من شرق المتوسط، ميناء طرطوس في سوريا، إلى جنوبه، موانئ النفط الليبية، إلا ورطة أوروبية من تصاعد حصار "الدب الروسي" من شرق القارة إلى جنوبها، قد تستجلب يقظة واشنطن المنكفئة على الملف الليبي باعتباره ملفًا يهمً الأوروبيين أساسًا، ولعل مشاركة وزير الخارجية الأمريكي مارك بومبيو في لقاء برلين ستكون مؤشرًا على مدى التفاعل الأمريكي مع اتساع نفوذ الخصم الإستراتيجي الروس في منطقة شمال أفريقيا.

ويبلغ الهاجس الأوروبي أوجه في ظل قدرة الروس والأتراك، رغم دعمها لأطراف متناقضة في ليبيا، على التوصل لتوافقات بعنوان المصالح الاقتصادية المشتركة، ففي الوقت الذي أرسلت أنقرة قوات عسكرية لمواجهة خليفة حفتر المدعوم من المرتزقة الروس، كان الرئيسان رجب طيب أرودغان وفلاديمير بوتين يدشنان السيل التركي لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا.

اقرأ/ي أيضًا: قصف الكلية العسكرية بطرابلس.. ألعاب "الطيران الأجنبي" في ليبيا

في خضم ذلك، وجد الأوروبيون أنفسهم أمام ضرورة تنحية خلافاتهم مرحليًا، على الأقل، والتحرك ككتلة واحدة لمواجهة المد القادم من الشرق، روسيا وتركيا، باعتبار أن نتيجة الخلافات الأوروبية الأوروبية الممتدة طيلة السنوات الماضية، قد تنتهي ليس لانتصار طرف على آخر فيما بينهم، بل لهزيمة جماعية للأوروبيين الذين يحاولون الآن لتداركها واستعادة ما أمكن من زمام المبادرة في ليبيا. وقد حاول الأوروبيون مؤخرًا استعراض القوة عبر القدرة على المشاركة في الفعل الميداني على الأرض مع إطلاق وزير الدفاع الإيطالي لورينزو جويريني لتصريح اختباري مفاده أن "أوروبا تدرس فرض مناظر حظر طيران في ليبيا"، ومؤخرًا عدم استبعاد رئيس الوزراء الإيطالي جزيبي كونتي، عشية لقاء برلين، نشر قوات أوروبية لدعم السلام في ليبيا.

 بلغ التنافس الإيطالي الفرنسي إلى درجة التلاسن حينما لم يتردد سابقًا نائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني بالتصريح أن "فرنسا ليس لديها مصلحة في استقرار الوضع ربما لأن لديها مصالح نفطية تعارض مصالح إيطاليا"

يتنافس الأوروبيون كثيرًا في ليبيا، حول المصالح الاقتصادية وتوسيع النفوذ، لكن تجمعهم محاور كبرى هي الاستقرار الأمني وصد خطر قوافل الهجرة، وهم كانوا يسعون لاقتسام "الكعكة" فيما بينهم، أساسًا، غير أن الزحف القادم من الشرق، روسيا وتركيا، جعل الآن من اصطفافهم صفًا واحدًا ضرورة لإنقاذ الموقف الاستراتيجي، رغم أن المواقع المتقدمة لأنقرة وموسكو في الملف الليبي المحققة مؤخرًا يستصعب على الأوروبيين كسرها بسهولة، وهو ما يعني أن الرقعة الليبية ستظل، على المدى القريب على الأقل، مساحة ساخنة للصراع بين القوى الدولية والإقليمية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 تصعيد متواصل في ليبيا.. ما السيناريوهات المحتملة أمام الأزمة؟