أورهان باموق.. من مطبخ الكتابة

أورهان باموق.. من مطبخ الكتابة

باموق في إنجلترا (Getty)

في كتابه "الروائي الساذج والحساس" (منشورات الجمل، ترجمة ميادة خليل)، يسير أورهان باموق (1952) على خطا الشاعر الألماني فريدريرك شيلر في مقاله الشهير "الشاعر الساذج والشاعر الحساس"، الذي  صاغ هذين المفهومين في معرض تهكمه على معاصره الشاعر غوته. 

لمَ يقبل الناس على قراءة الروايات؟ وأين تمكن سر المتعة في ذلك؟ هذا ما يتصدّى أورهان باموق للإجابة عنه في كتابه الجديد

سذاجة غوته، بحسب شيلر، تنبع من كونه يكتب بعفوية تصل في سذاجتها إلى عدم القدرة على التمييز بين العالم الموجود خارج الراس، والعالم الرمزي الذي يتكون من الكلمات والصور. ومع ذلك يستطيع ذلك الشاعر أن يهيمن على المشهد الشعري في عصره. في حين يفشل شاعر مثل شيلر في اختراق المشهد رغم تمكنه من الأساليب الفنية للكتابة، وشكه الدائم في الواقع والشعر والعالم، ومساءلته الدائمة له ونزعته نحو التجديد، ذاك أن الشعر، بالنسبة لشيلر، هو امتلاك ذهني للعالم يمر بالكلمات التي تَخَلَّق بدورها عوالم موازية لموضوعها. 

اقرأ/ي أيضًا: الرواية بحسب ميلان كونديرا

يأتي الدافع عند باموق من الرغبة في الفهم، لا من العجز، كما يأتي من الطموح في الإسهام في بناء العالم الروائي نظريًا، أي محاولة فهمه وفق قواعد عقلية لا تخضع للأهواء. فعلى مدار الكتاب نجد باموق ناقدًا مؤسسًا، تارة في تلمسه للعلاقة بين الرواية والمتحف، وتارة أخرى في إغنائه للقرابة بين الرسم والرواية.

القيمة التي يحاول باموق الإسهام فيها نظريًا هي محاولته التصدي للإجابة على السؤال التقليدي، الذي يشغل الجميع، الروائيين والقراء على حدّ سواء: لمَ يقبل الناس على قراءة الروايات؟ وأين تمكن سر المتعة في ذلك؟

جاءت إسهامات باموق عبر تصور ذهني للطريقة التي تعمل بها عقولنا عند قراءة الرواية، فأول ما يثير اهتمامنا هو التعرف على الحكايات التي تروى لنا، لأنها تعكس طبيعة الصراعات التي تخترق العالم، كما تعكس أننا، على نحو ما، جزء من حكايات كونية نقوم بصياغة فصولها كل يوم. في الحكايات نتعرف على المصائر التي تنتهي إليها حيوات الشخصيات، والطريقة التي يتمكن فيها الشر من ربح العديد من الجولات، قبل أن نتمكن من هزيمته.

إنّ متعة قراءة الرواية هي في إخراجها للشخصيات والأحداث من الحيّز الورقي إلى مستوى الحضور المادي، وذلك عبر قوة خيالنا. إننا ببساطة نحوّل الكلمات إلى صور حسية من كل نوع. فبدون القارئ يتحول الكون الروائي إلى حساء من الكلمات، القراءة تسهم على نحو ما في الخلق، كل قراءة هي عملية خلق شخصية، فكم نحن متساوون حقًا في طريقة دخولنا إلى العالم الروائي، وفي الآن ذاته كم نحن مختلفون في تذوقه!

في داخل كل منا يعيش القارئ الساذج والقارئ الحساس، وطيلة فترة القراءة لا نتوقف عن التمييز بين ما هو واقعي وما هو متخيل. هذا التميز هو اللعب عينه بكل ما يعني من متعة ومسرة .

الروايات عرض لحياتنا اليومية بكل مفرداتها. نذهب إلى الرواية لنرى كيف يتصرف غيرنا

في القراءة لا يغادر البشر مسرح الحياة. البعد الأخلاقي يخترق كل مواقفهم الحياتية. الشخصيات في الرواية ترسخ تحت ثقل محاكمتنا الاخلاقية. إننا لا نتسامح مع إفلات المجرم أو المخطئ من العقاب. في الرواية، نمارس قدرتنا على معاقبة الذين نعجز عن معاقبتهم في الحياة.

في داخل كل قارئ منا ظمأ لا ينتهي إلى المعرفة. المعرفة لذة ومتعة في آن. نقرأ لنكتشف مقدار فهمنا للحياة. الروايات عرض لحياتنا اليومية بكل مفرداتها. نذهب إلى الرواية لنرى كيف يتصرف غيرنا، لنتعلم ونكتشف، نريد أن نكتشف معنى الحياة العميق الذي اشتغل عليه الروائي.

اقرأ/ي أيضًا: جمال الغيطاني.. عين السرد التي أُغمضت

في قراءة فذة كتبها بورخيس كمقدمة لترجمة رواية "موبي ديك" لهرمان ملفيل، حاول توضيح خطأ تصورنا حيث اكتشف إن محور الرواية لا يدور حول حياة الصيادين رغم حضورهم الطاغي، بل كان رصدًا للرغبة الجارفة  لدى بعض الناس بالسيطرة على الآخرين وسحق  آدميتهم. القبطان أهاب مثال الديكتاتور المسعور الذي يصر على الفتك بالبشر، أيًا تكن النتائج التي يحدثها. 

يقرأ الناس الروايات ليتعرفوا على المغزى العميق للحياة، فنحن لا نتواطئ  مع الروائي مجانًا، بل لنكتشف المعنى الذي يخفيه عنا في أعماق نصه، فالروائي الجيد، سواء كان ساذجًا أو حساسًا، هو الروائي الذي ينجح في خلق محور يليق بتطلعاتنا. 

العمل النقدي الذي وضعه باموق كان ممتعًا، إنه أشبه ما يكون بدليل للقارئ الغرق في بحر من الكلمات والصور. إنه ذلك الدليل الذي يساعدنا على اكتشاف ذواتنا في تيار الحياة العريض، علينا أن نثق بما قاله باموق لنا في كتابه عن المتعة الفنية، ذلك أنه قبل أن يحدثنا على الفن كان قد خلق أعمالًا فنية عظيمة.

اقرأ/ي أيضًا: الفكرة التي صنعت كافكا