"أوراق أفغانستان: التاريخ السرّي للحرب" لكريغ ويتلوك.. إدانة شاملة لأطول حروب أميركا
15 نوفمبر 2025
صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب "أوراق أفغانستان: التاريخ السرّي للحرب" The Afghanistan Papers: A Secret History of the War، ضمن سلسلة ترجمان، من تأليف كريغ ويتلوك وترجمة أحمد طارق البوهي، في 448 صفحات، شاملًا مقدمة للمترجم، وأحد عشر فصلًا، وفهرسًا عامًّا.
أسرار أطول حرب أميركية تخرج إلى العلن
يقدّم الصحافي الاستقصائي كريغ ويتلوك في كتابه أوراق أفغانستان، الصادر عام 2021، إدانة شاملة وصادمة لأطول حرب خاضتها الولايات المتحدة الأميركية. ويستند إلى آلاف الوثائق الحكومية السرّية التي حصلت عليها صحيفة ذي واشنطن بوست عبر قانون حرية المعلومات، ليكشف عن شبكة معقدة من التضليل وسوء الإدارة والإنكار داخل أروقة صنع القرار الأميركي طوال عقدين من الزمن. ويوضح الكتاب كيف أنّ الإدارات الأميركية المتعاقبة - من جورج بوش إلى باراك أوباما ثم دونالد ترمب - قدّمت روايات متفائلة، ومضلّلة عن مسار الحرب، على الرغم من إدراكها الداخلي لحالة الفشل وانعدام الرؤية.
الحجة المركزية في الكتاب واضحة وصريحة: الحرب الأميركية في أفغانستان قامت على الأوهام، لا على استراتيجية واضحة أو أهداف محددة. ويشبّه المؤلف ما كشفه بـ "أوراق البنتاغون" التي فضحت حرب فيتنام، مؤكدًا أن التاريخ يعيد نفسه من جديد. فكما في فيتنام، اعتمد القادة الأميركيون في أفغانستان على خطاب سياسي يهدف إلى الحفاظ على دعم الرأي العام، بينما كانت التقارير الداخلية تكشف عكس ذلك كليًّا. يقول أحد القادة العسكريين في اقتباس شهير من الكتاب: "لم تكن لدينا أدنى فكرة عمّا نقوم به"؛ وهي عبارة تختصر مأساة الحرب بأكملها.
يقدّم المؤلف سردًا موضوعيًا تحليليًا بدلًا من عرضٍ زمني تقليدي، فيتناول القضايا الكبرى التي كرّست فشل المشروع الأميركي، وهي: غياب الهدف، وسوء فهم المجتمع الأفغاني، والفساد الناتج من تدفق المساعدات، والضغوط السياسية لإظهار "تقدّم" مزيف. بدأ التدخل الأميركي بهدف محدد هو تدمير القاعدة وإسقاط طالبان، لكنه تحوّل سريعًا إلى مشروع لإعادة بناء الدولة من دون خطة أو استراتيجية خروج. مليارات الدولارات صُرفت على مشروعات تنموية غير خاضعة للرقابة، فعمّقت الفساد بدلًا من أن تكافحه، وأضعفت الحكومة التي أرادت الولايات المتحدة ترسيخها.
مرآة للسياسة الأميركية وثقافة الإنكار
يكشف الكتاب أيضًا عن المنظومة البيروقراطية التي غذّت التضليل المتواصل؛ فالقادة الميدانيون والدبلوماسيون الأميركيون كانوا مضطرين إلى تقديم مؤشرات وهمية دالّة على النجاح للحفاظ على الدعم السياسي. جرى التلاعب بالبيانات عن جاهزية الجيش الأفغاني ونسب التنمية والاستقرار، في حين كانت الحقائق تشير إلى انهيار وشيك. في العلن، تحدّث المسؤولون عن "التحولات الإيجابية" و"الضوء في نهاية النفق"، بينما أقرّوا في السر بأن طالبان ما تزال قوية، وأن القوات المحلية غير قادرة على الصمود. ويعتمد المؤلف، أساسًا، على مقابلات أجراها مكتب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان SIGAR؛ ما يمنح الرواية صدقية استثنائية، لأنها تنقل أصوات المشاركين الحقيقيين في الحرب.
المؤلف يحافظ على نبرة هادئة وموضوعية؛ إذ إنه يترك الوثائق "تتحدث بنفسها". فبدلًا أن يقدّم اتهامات مباشرة، يتيح للقارئ أن يستخلص بنفسه مدى المأساة الأخلاقية والسياسية التي تسببت فيها الحرب
وتتجلّى أهمية الكتاب في وقت ظهوره ودلالته التاريخية. فصدوره تزامن مع انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان عام 2021، وفيه تفسير دقيق للفوضى التي تزامنت مع الانسحاب والسقوط السريع للحكومة الأفغانية. ويُظهر المؤلف أن الانهيار لم يكن نتيجة أخطاء اللحظة الأخيرة، بل إنه حصيلة تراكمية لعقدين من الخداع المؤسسي وسوء التقدير. بهذا، يتحوّل الكتاب إلى شهادة تاريخية على الثقافة السياسية الأميركية القائمة على الإنكار والخوف من الاعتراف بالفشل، ويتحوّل أيضًا إلى درسٍ في كيفية انحراف الديمقراطيات الكبرى عن مبادئ الشفافية عندما تواجه إخفاقاتها في الخارج.
ورغم ما يتضمنه الكتاب من نقد لاذع، فإنّ المؤلف يحافظ على نبرة هادئة وموضوعية؛ إذ إنه يترك الوثائق "تتحدث بنفسها". فبدلًا أن يقدّم اتهامات مباشرة، يتيح للقارئ أن يستخلص بنفسه مدى المأساة الأخلاقية والسياسية التي تسببت فيها الحرب: أكثر من 170 ألف قتيل أفغاني، وأكثر من 2400 جندي أميركي، ومليارات الدولارات المهدورة، فضلًا عن فقدان الثقة العامة بمؤسسات الحكم.
لا يقتصر هذا الكتاب على كونه توثيقًا لحرب فاشلة، بل يشكّل مرآة نقدية تكشف خلل منظومة اتخاذ القرار في الولايات المتحدة، وتطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الحروب الأميركية، ومدى صدقها أمام شعوبها. إنه كتاب لا يكتفي بسرد الماضي، بل يحذّر من تكرار الأخطاء ذاتها في المستقبل. وبفضل دقّته الصحافية وعمقه التحليلي، يظلّ مرجعًا أساسيًا لفهم كيفية انهيار أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة، فضلًا عن أنّ هذه الحرب لا ينبغي أن تُنسى دروسها.
يُشار إلى أنّ كريغ ويتلوك هو صحافي استقصائي ومؤلف أميركي بارز، اشتهر بعمله في صحيفة "ذي واشنطن بوست". متخصص في قضايا الأمن القومي والشؤون العسكرية، مع تركيز خاص على البنتاغون والسياسة الخارجية الأميركية. أجرى تغطية أحداث عديدة في أكثر من 60 دولة، وشمل عمله أيضًا تغطية لصراعات كبرى مثل الحروب في أفغانستان والعراق والبلقان. برز اسمه على مستوى وطني من خلال سلسلته الاستقصائية "أوراق أفغانستان" التي كشفت عن إخفاقات عميقة ومعلومات مضلّلة تزامنت مع أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة. وفي عام 2021، أصدر كتاب "أوراق أفغانستان: التاريخ السرّي للحرب"، وقد أصبح هذا الكتاب من أكثر الكتب مبيعًا ونال إشادة واسعة بفضل دقته البحثية وكشفه للحقائق. تخرّج في جامعة ديوك، وحصل على العديد من الجوائز تقديرًا لإنجازاته في الصحافة الاستقصائية.
أما المترجم أحمد طارق البوهي فهو باحث ومترجم في العلوم السياسية. حاصل على الماجستير في الشؤون الدولية من الجامعة الأميركية بالقاهرة (2016). بصدد إعداد أطروحته للحصول على الدكتوراه في العلاقات الدولية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسة في جامعة القاهرة. له عدة ترجمات غير منشورة، ونشر المركز العربي ترجمته لكتاب "مقدمة مختصرة في العلاقات الخارجية الأميركية" لأندرو بريستون عام 2021.







