أوديسة كريستوفر نولان.. بطل محطم في عالم غابت عنه الآلهة
27 يوليو 2026
أعاد كريستوفر نولان ملحمة هوميروس إلى الشاشة في فيلمه الجديد "الأوديسة"، إلا انه لم يتعامل معها بوصفها مغامرات بحّار يوناني يواجه الوحوش والآلهة في طريق عودته إلى وطنه، إنما بوصفها قصة جندي عاد من حرب منتصرًا في الظاهر ومحطمًا من الداخل.
وبينما رأى نقّاد أن الفيلم من أكثر الاقتباسات السينمائية وفاءً لروح النص الهوميريّ، اعتبر آخرون أن نولان حدّث الملحمة إلى درجة أفقدتها رؤيتها الأخلاقية للعالم القديم.
يؤدي مات ديمون دور أوديسيوس، ملك إيثاكا وأحد قادة الجيش اليوناني في حرب طروادة، الذي أمضى عشر سنوات في الحرب وعشرًا أُخَر تائهًا على طريق العودة.
وفي غيابه، تحاصر مجموعة من النبلاء زوجته بينيلوبي، التي تؤدي دورها آن هاثاواي، ويطالبونها باختيار أحدهم زوجًا وملكًا جديدًا، بينما يحاول ابنهما تيليماخوس، الذي يجسده توم هولاند، الدفاع عن بيت أبيه ومملكته.
ليست الوحوش أقسى محن أوديسيوس
يرى المؤرخ الفرنسي فابيان بييفر-بيران، في قراءته للفيلم، أن وحوش الرحلة ليست المحنة الحقيقية التي يواجهها أوديسيوس، فالأشد وطأة هو ضحايا الحرب التي انتصر فيها، ورفاقه الذين ماتوا، والنساء اللواتي فقدن أزواجهن وأبناءهن، والأسرة التي تركها معلقة بين الأمل واليأس، والمملكة التي أخذ الطامعون ينهشونها في غيابه.
أعاد كريستوفر نولان «الأوديسة» إلى الشاشة كقصة جندي عاد من الحرب منتصرًا في الظاهر، محطمًا من الداخل، لا مجرد مغامرة بحّار يواجه الوحوش والآلهة
تتحول الكائنات الأسطورية، وفق هذه القراءة، إلى مرايا تعيد أوديسيوس إلى جرائمه ونقاط ضعفه. أما البحار والعواصف فتذكّره بعجزه، بينما تلاحقه جثث المحاربين الذين حُرموا من الدفن. وتظهر أثينا، التي تؤدي دورها زندايا، أقرب إلى شبح نفسي يطارده أكثر من كونها إلهةً تتدخل في مصيره.
لا يقدم الفيلم أوديسيوس في صورة البطل الهوليوودي النبيل، بل يظهره لنا محاربًا مخادعًا ومتعبًا في آن، يعاني اضطراب ما بعد الصدمة ويحمل شعورًا عميقًا بالعار. وعلى الرغم من أنه يفترض أنه يريد العودة، فإنه لا يستطيع الشعور بما أطلق عليه الإغريق اسم "نوستوس"، أي الحنين إلى المنزل والرغبة في استعادة الحياة التي سبقت الحرب.
حتى حين يصل إلى إيثاكا، لا يستعيد مجده، حيث يظهر متسخًا ومرتديًا الأسمال، وغريبًا في بلاده. وثم تأتي مذبحته الطويلة والخشنة للمتنافسين على عرشه لا باعتبارها انتصارًا بطوليًا خالصًا، بل خاتمة دامية لرجل لا يستطيع استعادة ما فقده إلا بالعنف.
ويرى بييفر-بيران أن هذا التصوير يجعل الفيلم وفيًا لهوميروس، رغم ما وُجّه إليه من اتهامات بالتحديث والإسقاط السياسي. فالملحمتان الأصليتان، الإلياذة والأوديسة، لا تقدمان صوتًا واحدًا أو حقيقة بسيطة، بل تتداخل فيهما روايات متعددة عن الحرب والبطولة والخسارة. وهذا ما يفعله نولان حين يسمح لأوديسيوس وهيلين ومينلاوس وبينيلوبي برواية الحدث من مواقع مختلفة.
أوديسة النساء أيضًا
لا يقتصر الفيلم على رحلة أوديسيوس، بل يمنح نساء الملحمة موقعًا مركزيًا. فبينيلوبي تحكم إيثاكا في غياب زوجها، لكنها لا تُعامل بوصفها ملكة كاملة، بل كامرأة محاصرة داخل قصرها. وحتى بعد عودة أوديسيوس، يواصل الكذب عليها، فيما يتعرف إليه كلبه قبل أن تتمكن هي من التأكد من هويته.
أما هيلين، التي تؤدي دورها لوبيتا نيونغو، فتظهر امرأة جريحة أُقيمت حرب كاملة باسمها، وتندد باستخدامها ذريعة للقتل والدمار. وتتحول سيرسي، التي تلعب دورها سامانثا مورتون، من ساحرة مغوية إلى امرأة شديدة الحذر من الرجال؛ بينما تبدو كاليبسو، التي تجسدها تشارليز ثيرون، أقرب إلى من عالج أوديسيوس وساعده في النهاية على مغادرتها.
ويربط المقال هذا المنظور بترجمة إميلي ويلسون الحديثة للملحمة، التي استشهد بها نولان بوصفها أحد مراجعه. ففي عالم الفيلم، يستطيع أوديسيوس الانهيار والتحدث عن صدمته، بينما لا تملك النساء رفاهية التوقف أو العلاج؛ إذ يُطلب منهن الاستمرار في الحياة وسط النتائج التي خلفتها حرب الرجال.
أين ذهبت الآلهة؟
تمثل مسألة الآلهة جوهر الخلاف النقدي حول الفيلم. ففي قصيدة هوميروس، يبدأ السرد باجتماع في قصر زيوس يقرر فيه الآلهة مصير أوديسيوس، وتبقى حياة البشر خاضعة لتدخلاتهم وأهوائهم. أما نولان فيقلص حضورهم إلى الحد الأدنى، فلا يظهر فعليًا سوى أثينا بصورة متقطعة.
يرى الناقد الأميركي ريتشارد برودي في مراجعته المنشورة في مجلة "ذا نيويوركر" أن هذا الاختيار يحوّل الأوديسة إلى دراما إنسانية حديثة يسهل على الجمهور التعاطف معها، لكنه يزيل في الوقت نفسه أحد أكثر عناصر النص الهوميري فرادة، وهو الاتصال المستمر بين الطبيعي والخارق، وبين أفعال البشر وإرادة الآلهة.
كما يخفف نولان عنف العالم القديم وطقوسه، فالتضحيات الحيوانية والانتقام والتعذيب والتقطيع، التي يصفها هوميروس بتفصيل قاسٍ، تظهر بصورة مختصرة ونظيفة نسبيًا. ويستبدل الانفعالات الجسدية الصاخبة في الملحمة—تمزيق الثياب والصراخ والتقلب من الحزن—بصمت عسكري معاصر ودموع محسوبة.
لهذا يرى برودي أن الفيلم لا يحاول إدخال المشاهد إلى عقل إنسان العصر البرونزي، بل يصنع أوديسيوس حديثًا: جنديًا مصابًا بالصدمة، عمليًا وصامتًا، يمكن فهمه بأدوات علم النفس المعاصر. ووفق هذه القراءة، فإن ما نشاهده هو "أوديسة نولان"، لا "أوديسة هوميروس".
بحر متوسط بلا استشراق
يتميز الفيلم، وفق بييفر-بيران، برفضه الصورة الاستشراقية المعتادة في أفلام العصور القديمة. فعلى الرغم من تصوير أجزاء منه في المغرب، لا تستخدم الموسيقى والصورة الشرق المتوسطي بوصفه خلفية غريبة أو بدائية.
ولا يصور الطرواديين كبرابرة يواجهون حضارة يونانية متفوقة؛ فهم يتحدثون لغة اليونانيين ويعبدون آلهتهم ويرتدون خوذاتهم. وبذلك تبدو حرب طروادة كأنها حرب يشنها اليونانيون على جزء من عالمهم، أو على أنفسهم.
وتعكس مواقع التصوير الممتدة بين اليونان وإيطاليا والمغرب وآيسلندا واسكتلندا والولايات المتحدة عالمًا متوسطيًا كونيًا. كما تمنح اختيارات طاقم التمثيل هذا العالم تنوعه، ولا سيما اختيار لوبيتا نيونغو في دور هيلين وزندايا في دور أثينا، رغم التعليقات العنصرية التي أثارها الاختياران.
وتصبح أثينا السوداء، وفق بييفر-بيران أيضًا، إحالة محتملة إلى كتاب "أثينا السوداء" لمارتن برنال، الذي بحث في الجذور الأفريقية والآسيوية للحضارة اليونانية. إنها شخصية محورية في البناء النفسي لأوديسيوس وفي تشكيل عالم متعدد الثقافات ينهار حين يفقد قيمتي التعاطف وحسن الضيافة.
تجربة سينمائية تحولت إلى حدث
صوّر نولان الفيلم كاملًا بكاميرات "آيماكس 70 ملم"، في سابقة لفيلم روائي طويل. ولا يُعرض بهذه الصيغة سوى في 41 صالة حول العالم، منها 25 في الولايات المتحدة، ما دفع مشاهدين إلى السفر مئات الكيلومترات وحجز عروض تقام في ساعات متأخرة من الليل أو قبيل الفجر.
وبلغ متوسط إيرادات الشاشة المجهزة بهذه الصيغة نحو 153 ألف دولار خلال عطلة الافتتاح، بينما زاد سعر التذكرة بنسبة 81% على متوسط أسعار عروض السينما الأخرى.
وقد جعل ذلك صيغة العرض نفسها أحد أبطال الفيلم، وحوّل مشاهدة الأوديسة إلى رحلة موازية يتكبد الجمهور مشقتها للوصول إلى التجربة التي صممها نولان.
ملحمة قديمة عن حاضرنا
في المحصلة، لا تكمن أهمية أوديسة نولان في دقة إعادة إنتاج تفاصيل القصيدة، بل في السؤال الذي يطرحه عن معنى العودة بعد الحرب. فالبطل لا يعود الشخص نفسه، والوطن الذي تركه لم يبقَ كما كان، والانتصار العسكري لا يلغي الضحايا أو الذنب أو الخراب.
يتفق المدافعون عن الفيلم ومنتقدوه على أن نولان نقل أوديسيوس إلى زمننا، لنراه جنديًا مصابًا باضطراب ما بعد الصدمة، يحاول استعادة لغته وعائلته والعالم الذي دمرته الحرب. لكنهم يختلفون حول ثمن هذا التحديث: هل كشف الجوهر الإنساني الكامن في هوميروس، أم محا غرابة العالم القديم وحوّل آلهته وأساطيره إلى استعارات نفسية معاصرة؟
يجيب الفيلم، كما تقترح مقالة بييفر-بيران، بأن شفاء أوديسيوس لا يبدأ حين يهزم آخر وحش أو يقتل آخر منافس، بل حين يروي ما فعله، ويصغي إلى روايات ضحاياه، ويتخلى عن وهم البطل الذي لا يُهزم. وبهذا لا تعود الأوديسة حكاية الوصول إلى المنزل، لكنها تغدو السؤال عما إذا كان من يعود من الحرب قادرًا حقًا على أن يصبح إنسانًا من جديد!







