أوتاد محمد الخالدي

أوتاد محمد الخالدي

محمد الخالدي

ألترا صوت - فريق التحرير

بعد روايته "الملامية" (منشورات ضفاف، الاختلاف، كلمة – 2017)، يعود الشاعر والروائي التونسي محمّد الخالدي ليُصدر رواية جديدة تحت عنوان "الأوتاد" (دار مسكيلياني، 2018). لتُضاف إلى أربع روايات في رصيد الكاتب المولع بموضوعات التصوّف والديانات الشرقيّة.

في "الأوتاد" لمحمد الخالدي، نتتبّع سيرة أربعة أصدقاء تفرّقوا بعد ليلة صيفيّة صاخبة، ليسلك كلّ واحد منهم مساراً مختلفًا عن الآخر

الرواية الواقعة في 462 صفحة، تتبّع سيرة أربعة أصدقاء تفرّقوا بعد ليلة صيفيّة صاخبة، ليسلك كلّ واحد منهم مساراً مختلفًا عن الآخر. هكذا، تنشأ للأصدقاء الأربعة الذين عمد محمد الخالدي على منحهم ألقابًا بدلًا من الأسماء، حياة أخرى بوقائع متشابكة ومغامرات متعدّدة في جغرافيات مختلفة. ليعودوا بعد قرابة ربع قرن من الزمن إلى الحانة نفسها التي افترقوا فيها. هنا، يسردون تفاصيل ما عايشوه من مغامرات وتجارب مرّوا بها في رحلاتهم الطويلة تلك، والتي لم تقتصر على الجغرافيا فقط، إنّما كانت رحلة داخل الذات أيضًا. وتاليًا، سوف يفرغ الأصدقاء الأربعة في الحانة ذاكرتهم المثقلة بالأسماء والمدن والتواريخ والنساء، ليضعونا إزاء رحلة مضنية يخبرنا محمّد الخالدي في حديثه لـ "ألترا صوت" أنّها: "أفضت بهم إلى حقيقة سرمديّة هي أنّ كلّ التجارب الروحيّة، مهما اختلفت، تمتح جميعها من معين واحد هو المعرفة أو الحكمة الأولى".

اقرأ/ي أيضًا: شمس الدين الكيلاني.. المثقّف الشهيد والمثقّف المتفكر في الثورة السوريّة

ويضيف محمد الخالدي في حديثه أنّه اشتغل في عمله هذا طويلًا على تيمة مركزيّة مفادها أنّ "الترقي الروحي لا يتحقّق بالضرورة من خلال إماتة الجسد وقمع الشهوات، بل أيضًا من خلال اللذة وإشباع الحواس حتّى لو أدّى ذلك أحيانًا إلى الألم والغربة".

أوتاد محمّد الخالدي

جدير بالذكر أنّ محمّد الخالدي شاعر وروائي ومترجم تونسيّ، صدر له في الشعر 10 مجموعات، منها: "مباهج" و"وطن الشاعر" و"من يدلّ الغريب". بينما صدر له في الرواية، إضافة إلى المذكورة أعلاه، 5 أعمال هي: "سيدة البيت العالي" و"رحلة السالك إلى المقام الأسمى وما جاوره من ممالك" و"الحفيدة" و"الملامية". بالإضافة إلى 4 أعمال مترجمة.


من الرواية

لم تبقَ منطقة محظورة لم نزرها ذلك اليوم. فقد كان جسد خوله زورقًا يطوف بي من منطقة إلى أخرى، تحمله أمواج طامية من الشهوات وتهدهده أنغام العود، إذ أصرّت على أن يصحب إيقاعَ جسدينا أثناء احتدامهما إيقاعُ العود العراقيّ. فبدأت بشريط الشريف محيي الدين حيدر، حتى إذا انتهى مع انتهاء الجولة الأولى مدّت يدها إلى الحاكي الجاثم فوق المنضدة المحاذية للسرير واستبدلته بشريط لجميل بشير، ومع انتهاء الجولة الثانية استبدلته بآخر لسلمان شكر.كانت خوله تغيّر إيقاع جسدها بتغيّر إيقاع الموسيقى، يصخب إذا صخبت فإذا هو براكين ورعود وزلازل، ويهدأ إذا هدأت وإذا هو نهر من الحرير الناعم أطفو فوقه، مستسلمًا لنعومته حتى ليخيّل إليّ أنّني أذوب فيه ويذوب فيّ، وعندما اختلطت الأرض بالسماء في إحدى مقطوعات سلمان شكر فتداعت المجرّات واصطدمت الكواكب بعضها ببعض، واختلط قصف الرعود بدوي الزلازل، أفلت منّي جسدها فلم أعد قادرًا على السيطرة عليه فكان يأخذني إلى علّيين ويمخر بي تخومًا وأصقاعًا من السنوات الضوئية، فإذا هدأت الموسيقى قليلًا كنا على قاب قوسيْن أو أدنى من سدرة المنتهى ومن ورائها العرش. فانبسطت أمامنا مروج شاسعة من العسجد بلونه الذهبي والياقوت، بلونه الأحمر أو الأزرق السماوي واليشب بلونه الأخضر والجمشت بلونه البنفسجي والكوارتز بمختلف ألوانه من أبيض ناصع إلى ورديّ ضارب إلى الحمرة أو بنفسجي غامق. كانت تعاريج تلك الملايين من الحجارة الكريمة وشبه الكريمة تبدو، وهي تتوهّج، كأنهار لا عدّ لها من اللألاء والبريق الساطع... لم أدر كم مضى من الوقت عندما أفقنا من حلمنا، أو بالأحرى معراجنا، وإذا بخوله تفتح عينيها الواسعتين كالمخطوفة وهي تسأل: تَرى وينْ كنّا؟ ... هاي المرّة الثانية أو الثّالثة اللّي ينخطف بيها عقلي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

عمار كشيش.. نهر من النسوة الناعمات

رواية "حب الضياع": من نفحات رومانسيّة القرن الـ19