أهلًا بكم في جمهورية المتاريس!

أهلًا بكم في جمهورية المتاريس!

جنود مصريون في أحد شوارع القاهرة (ماركو لونغاري/أ.ف.ب/Getty)

بعد اندلاع الثورة المصرية في 2011، كان المجلس العسكري يعتمد على وضع الحواجز والأسلاك الشائكة لمنع المتظاهرين من الوصول للأماكن الحساسة في الدولة، مثل وزارتي الداخلية والدفاع ومجلس الشعب والسفارة الأمريكية وغيرها، وهذا ما أدى إلى اختناق الحركة المرورية وصعوبة وصول المواطنين إلى وجهتهم بسهولة. وبعد الإطاحة بمحمد مرسي زادت الإجراءات الأمينة وحواجز التفتيش والكمائن للتصدي لـ"العمليات الإرهابية"، لكن الإشكالية أنَّ التفجيرات لم تتوقف، ما جعل القاهرة تحديدًا، وبقية مصر بشكل عام "جمهورية متاريس" لا يستطيع المواطن التحرك فيها بحرية.

القاهرة تختنق

محيط وزارتي الداخلية والدفاع هو الأشد من حيث التحصينات والحواجز ومثله جميع النقاط العسكرية والأمنية في القاهرة

تتفاوت كثافة الإجراءات الأمنية حاليًا من مكان لآخر. محيط وزارتي الداخلية والدفاع هو الأشد من حيث التحصينات والحواجز، ومثله جميع النقاط العسكرية والأمنية، التى تحيط بها المدرعات من كل جانب. لكنه تمدد شيئًا فشيئًا إلى باقي المناطق والمدن. إذ يستطيع المواطنون الذين يسافرون بين مناطق مختلفة في مصر ملاحظة الإجراءات واختلافها من مكان لآخر. سألنا بعض منهم فكانت الإجابات حذرة ولكنها متذمرة.

محمد، طالب في كلية التجارة، قادم من محافظة أسوان إلى القاهرة بدافع الدراسة، يقول: "الاحتياطات الأمنية في أسوان صارت مشابهة لنظيرتها في القاهرة، عدا عن المناطق السياحية والمنطقة التي بها المعابد والآثار في أسوان فإنها أشد تأمينًا". برأيه "الأمر لا يستحق إغلاق طريق كامل من أجل تحصين مقر أمني. على سبيل المثال ما الداعي لإغلاق أحد جانبي شارع مراد بالجيزة، وهو شارع حيوي، لأنَّ به قسم شرطة؟"، الأمر ذاته يحدث في الشارع حيث قسم المطرية بالقاهرة، فهو مغلق تمامًا وتضطر السيارات والمشاة لتحويل مسارهم والمرور من شارع مجاور، كما أنَّ "الترام" الذي يمر من أمام القسم لم يعد تُفتح له الطريق إلا مرتين يوميًا، بعد أن كان يمرّ أكثر من مرة في اليوم.

أما إسلام صلاح الذي يتردد بين القاهرة وكفر الشيخ، فيروي لنا ما يشاهده في المدينتين، قائلًا "الكثافة الأمنية تكون أكثر في القاهرة، هناك نرى كثافة أمنية في أماكن كثيرة، أما في مدينة كفرالشيخ فليس بنفس الصورة. وإن كان بدا في الزيادة أخيرًا، أن الأمن وضع مدرعتين عند محطة بنزين "وطنية" تابعة للقوات المسلحة وهي الوحيدة الموجودة في المدينة، وطبعًا هناك وجود أمني عند مبنى المحافظة وعند مديرية الأمن". يضيف إسلام "كان الشارع الموجود عند مديرية أمن كفرالشيخ يعمل في الاتجاهين، أغلقوا اتجاهًا منهما وبنوا سورًا كبيرًا ليكون بمثابة حصن للمديرية، هناك مثلًا سيارات شرطة أيضًا، تطلق الغاز، وتجوب المكان طوال الوقت، رغم عدم وجود تظاهرات.

لماذا الحواجز؟

لماذا تقوم قوات خاصة ومدرعات بحراسة مول تجاري صغير في شارع الهرم؟

حسب هذه المعطيات فإنَّ الاحتياطات الأمنية موجودة في أنحاء مختلفة في الجمهورية لكنها تختلف من حيث كثافتها حسب المكان، والقاهرة من أكثر الأماكن حضورًا للأمن. شريف محيي الدين الباحث في شؤون الإرهاب يشرح السبب "أدوات التحكم في القاهرة مختلفة عن باقي المناطق، فحجم السكان فيها أكبر من أي مكان آخر، والجهد المطلوب للتأمين مضاعف، كما أنَّ خطورة المكان هو الذي يحدد نوع الاحتياطات الأمنية فيه، فشمال سيناء أكثر خطورة من أي مكان آخر فتحتاج لإجراءات أكبر، وجنوب سيناء أقل خطورة وأكثر أمنًا من أي مكان آخر". وبالمثل هناك مدن أخرى هادئة. يعتقد شريف أن انتشار السلاح في القاهرة لا يعادل عشر أمثاله في الصعيد، ورغم هذا فإنَّ سيولة السكان في القاهرة يجعلها تحتاج إلى تأمين أكبر من الصعيد الذي تحكمه عادات وتقاليد ومجتمع يعرف بعضه البعض.

لكن هل هذه الإجراءات تعرقل الإرهاب أم المواطنين فقط؟ وما فعالية هذه الحواجز والتشديدات الأمنية؟ يؤكد الباحث في علم الاجتماع السياسي أن هناك احتياجًا لإجراءات أمن، لكن بعض الإجراءات مجدية والأخرى تسبب زحمة بلا داعٍ، فالحواجز على المترو غير مجدية إلا في حال تطبيقها بجديةٍ أكبر. وقفل الشوارع ليس مجديًا دائمًا، لأنَّ الشوارع تغلق ولو أراد أحد وضع قنبلة سيستطيع. وعامة الأمن الكثيف غير مجدٍ لأنَّ ثغراته كثيرة.

ومن الناحية الرمزية والمعنوية فالكثافة الأمنية ليست جيدة لأنَّها تشير إلى أن الدولة خائفة ومنكمشة، ففي بني سويف مثلًا ثمة نقطة شرطة صغيرة وقد أغلق الشارع التي هي فيه. وكانت النقطة محصنة، وهذا مثير للاستغراب حتى إنَّ القهوجي المجاور يقول "إحنا كنا ناسيين إنها نقطة شرطة وهما اللي فكرونا".

المشهد صار طبيعيًا

من الممكن أن تضع متاريس تحمي بها المنشأة المهمة لكن من دون إغلاق الشارع

التعرض للمتاريس صار يوميًا بالنسبة لمحمد، وكذلك للقاهريين. نحن مضطرون للتعايش مع هذه الشوارع المغلقة والطرق المعطلة، لكننا نتذمر من تعطل مصالحنا وتأخرنا عن مواعيدنا جراء الضغط على الطرق المجاورة لتلك المغلقة، أما التفتيش على أبواب المترو فهو أمر روتيني. القائم بالتفتيش ينظر بسرعة إلى الحقائب وقد لا ينظر أصلاً. من الممكن أن تضع متاريس تحمي بها المنشأة المهمة لكن من دون إغلاق الشارع كما حدث عند ماسبيرو مثلًا، فالتحصينات الكثيفة ليست حلا، لأنَّه يمكن اختراقها كما حدث عند مديرية أمن القاهرة في 2013.

أما ياسر مرعي، الطالب بكلية طب الأسنان، فيرى مشهد العدد الكبير لقوات الأمن اعتياديًا، ولم يلفت نظره إلا ما حدث في صلاة القيام ليلة السابع والعشرين من رمضان الفائت، حيث توجه إلى مسجد عمرو بن العاص للصلاة، ففوجئ بعدد كبير من قوات الأمن تحيط بالمسجد، ولم يشعر بالألفة. ويضيف إسلام "أتفهم هذه الإجراءات وأراها طبيعية، لكن بها بعض المبالغة، فلماذا تقوم قوات خاصة ومدرعات بحراسة مول تجاري صغير في شارع الهرم؟".

التحصينات الكثيفة ليست حلا، لأنَّه يمكن اختراقها 

يستفيض محاولًا أن يكون موضوعيًا "في كل الأحوال المواطنون رغم تفهمهم للإجراءات، إلا أنَّهم يشعرون بالضيق من صعوبة الحركة، وهذا يظهر حسب توجهات المواطن، فالبعض يؤيدها بدعوي أنَّها أمان للجميع، والبعض الآخر يتذمر منها". أما شريف محيي الدين فيري أنّه بالنسبة للعقلية الأمنية الحالية فإنَّ الوضع مقبول. من الجيد أنَّه لا يوجد حظر تجول، لأنَّه في العام 2013 كان الوضع أقل خطورة، لكن فُرض حظر تجول وكان يطبق بالحديد والنار. يتمنى أن تستمر الداخلية في فتح الشوارع وإزالة الحواجز كما حدث في شارع منصور القريب من وزارة الداخلية، وأن يتم فتح مترو التحرير. وفي المقابل يجب مراعاة المراقبة الإلكترونية، لكن "المنظومة متهالكة وهذا أفضل ما يمكن الوصول إليه في نطاق العقلية الحاكمة".

من وقت لآخر تقوم الحكومة برفع بعض الجواجز، وفي المقابل يكبر التهديد الأمني الذي يواجهها. في الظاهر الاختبار صعب، عليها حمايتهم من دون التضييق عليهم. وفي الباطن، العقلية الأمنية تقود إلى ما تخيّله جورج أورويل في روايته الشهيرة 1984.