أهالي النوبة.. متهمون بالغناء ومحرومون من الأرض

أهالي النوبة.. متهمون بالغناء ومحرومون من الأرض

اعتقلت قوات الأمن المصرية عددًا من النوبيين في مسيرة بالدفوف (أرشيفية/ ممدوح القاضي/ بروسبيكت)

استغل أهالي النوبة التدفق العددي الكبير من أهاليهم وذويهم ساكني ربوع مصر، وعودتهم لأسوان لقضاء أجازة عيد الأضحى بين أهاليهم؛ ليتجمعوا بالغناء والقرع على الدفوف، والمسير سلميًا فيما عُرف بـ"يوم التجمع النوبي" أو "مسيرة الدفوف"، بالتزامن مع انتظار وترقب مشاهدة تعامد الشمس على وجه تمثال رمسيس الثاني

في نفس الوقت تحّولت المنطقة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، حيث تلقّى مدير أمن أسوان، فتح الله حسني، إخطارًا رسميًا من مدير المباحث الجنائية في أسوان، العميد محمود عوض، يفيد بتحرّك مسيرة يشارك فيها عدد من النوبيين، بدأت من أمام معبد أبوسمبل من ميدان الجزيرة شمال مدينة أسوان باتجاه كورنيش النيل. واعتبرت قوات الأمن ما يحدث مظاهرة احتجاجية بدون ترخيص وفقًا لقانون التظاهر سيئ السمعة، فألقت القبض على عدد من المشاركين في الحدث، بلغ عددهم 24 معتقلًا وفقًا لجمعيات حقوقية نوبية تواصل "ألترا صوت" معهم.

كان "يوم التجمع النوبي" مسيرة احتفالية بالغناء والدق على الدفوف، لذا تفاجأ المشاركون بتعامل الشرطة العنيف معهم

ونُقل المعتقلون إلى معسكر الأمن المركزي في منطقة الشلال. وخالف الأمن المصري من جديد نصّ الدستور في المادة 73 على "حق التظاهر السلمي للمواطنين"، لكنه انطلق في تعامله هذا من قانون التظاهر. ومرة أخرى مشهد يكشف عيب القانون دستوريًا!

اقرأ/ي أيضًا: عامان على قانون التظاهر..هل نجح في مهمته؟

تقول الناشطة الحقوقية النوبية وفاء العشري لـ"ألترا صوت"، إن "الأمر كان بالنسبة لنا بمثابة احتفال بطريقة جديدة بالعيد". طريقة من ورائها رسالة تذكيرية بحق أهالي النوبة المهضوم منذ عشرات السنين. لكنها في النهاية كانت أجواءً احتفالية بالغناء ودق الدفوف، لذا كان صادمًا التعامل العنيف من قبل الأجهزة الأمنية، و"التصعيد غير المتوقع مقابل سلميتنا"، كما تقول وفاء.

تستغرب وفاء ما حدث معهم لأنه لم يسبق وأن حدث منذ أيلول/سبتمبر 2011 حيث أول اعتصام للمطالبة بحق عودة النوبيين لأراضيهم بعد ثورة 25 يناير، مُشيرة إلى أنّه حتى في مسيرات قافلة العودة النوبية في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 لم يحدث مثل ذلك. مبدية استغرابها أيضًا من تدخل الشرطة في ملف تقول إنه في يد المخابرات الحربية، التي "تحاول اختراق المؤسسات الحقوقية النوبية، لكن دون أن تلجأ للتعامل بعنف". 
 
نضالٌ لا ينتهي

منذ أجدادهم الأوائل، ويكتب التاريخ عن بطولات ومآسي بلاد الذهب، التي تعتبر من الروافد الرئيسية للحضارات القديمة. شعب عريق، تقسّم وقُسّمت أراضيه ما بين شمال السودان حيث الجزء الأكبر، وجنوب مصر حيث الجزء الأصغر.

وعلى مرّ التاريخ الحديث هُجّر النوبيون من اراضيهم أربع مرات، الأولى كانت عام 1898 لوضع أساسات خزان أسوان، والثانية في عام 1902 لتوسيع بناء الخزان، ثم في 1912 بسبب تعلية المياه في الخزان، والتي أعقبها تعلية أُخرى عام 1934 تسببت أيضًا في غرق قرى نوبية كثيرة، واستمر نزوح الأهالي في كل مرة من تلك المرات.

4 هجرات قسرية تعرض لها أهالي النوبة في العصر الحديث، قبل أن تختتم بالخامسة حيث التهجير القسري الكبير مع بناء السد العالي

لكن لم ينته الأمر عند هذه المرات الأربع، ففي الخامسة كان التهجير الأكبر، عام 1964 عندما هُجّر قسريًا أهالي النوبة من أراضيهم التاريخية لبناء السد العالي. تُقدّر أعداد من هجروا آنذاك بنحو 100 ألف نوبي.

اقرأ/ي أيضًا: "حلم العودة".. اعتصام "نوبي" من أجل الأرض 

وفي سبيل نضالهم للعودة لأراضيهم وإثبات حقوقهم فيها، واجه آلاف من النوبيين معضلة في إثبات حيازتهم للأرض وممتلكات أخرى، فيما تخصص حقوقيون وقانونيون نوبيون في العمل على استعادة حقوق ذويهم بإقامة دعاوى قضائية تطعن في الإجراءات الحكومية القديمة والحديثة، وتطالب بمعاملة عادلة لأهالي النوبة.

ومنذ 2014، تفاجأ النوبيون بقرار عبدالفتاح السيسي رقم 444، بجعل جزء من الأراضي النوبية التاريخية منطقة عسكرية غير مسموح بتواجد المواطنين فيها، ما اعتبروها ضربة في قلب نضالهم منذ أكثر من نصف قرن مر على تهجيرهم الكبير.

الأجانب يتملكون أرض النوبيين المحرومين منها!

الواقع يقول إنّ النوبيين تضرروا أكثر ما تضرروا منذ وصول عبدالفتاح السيسي إلى سدة الحكم. كانت البداية فور وصول الرجل لكرسي الرئاسة عام 2014، عندما أصدر القرار الجمهوري رقم 444، الخاص بتحديد مناطق حدودية مصرية باعتبارها "مناطق عسكرية لا يجوز السكن فيها"، ضمت هذه المناطق أجزاءً من الأراضي التاريخية للنوبيين، وهو أمر يترتب عليه فقدانهم للأبد هذه الأرض البالغ مساحتها 125 كيلومترًا تقريبًا.

الضربة الثانية التي وجهها السيسي لأهالي النوبة، كانت في آب/أغسطس 2016، بالقرار رقم 355، بتخصيص 922 فدانًا لمشروع توشكى الجديدة، المعروف أيضًا باسم مشروع "المليون ونص فدان".

زاد السيسي الطين بلّة في القضية النوبية وبدلًا من تمكين النوبيين من أرضهم، صادر مزيدًا منها للعسكر ثم تعامل مع احتفالاتهم بعنف!

من جهتها أوصت هيئة مفوضي الدولة بإلغاء القرار 444، إلا أنّ توصية مفوضي الدولة يظل استرشاديًا وغير ملزم، لكن مع ذلك يُمكن استخدام النوبيين له في قضاياهم المرفوعة ضد الدولة. أمّا فيما يخص القرار 355 الخاص بمشروع المليون ونص فدان، فقد خرج أهالي النوبة احتجاجًا فيما عرف بـ"قافلة العودة النوبية"، وذلك في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، والتي اعتصم فيها النوبيون لمدة خمسة أيام، لتتراجع الدولة بشطب الأراضي النوبية التاريخية من المشروع.

من تظاهرة لأهالي النوبة ضد القرار 444 (مواقع التواصل الاجتماعي)
من تظاهرة لأهالي النوبة ضد القرار 444 (مواقع التواصل الاجتماعي)

أخيرًا وليس آخرًا، أصدر السيسي قبل أشهر، وبالتماس مع اتهامات عديدة يواجهها بخصوص "بيع الأرض"؛ قرارًا جمهوريًا بمعاملة المواطن السعودي حمود بن محمد بن ناصر الصالح، المعاملة المقررة للمصريين، وتطبيق المادة 12 من قانون الأراضي الصحراوية رقم 143 لسنة 1981 عليه بخصوص تملّك قطعتي أرض على طريق "القاهرة - الإسكندرية" الصحراوي، ما اعتبره كثيرون مفارقةً أن يُصبح بإمكان غير المصريين امتلاك الأراضي في مصر، في حين أن النوبيين المصريين غير قادرين على العودة لأراضيهم التاريخية، بل تُسلب منهم بقرارت جمهورية.

اقر/ي أيضًا: ليست المرة الأولى.. بيع الأراضي المصرية بالقطعة مقابل "رز الخليج"

لكن الأمر مع حمود الصالح لم يكن متوقفًا على تملك قطعتي أرض صحراويتين، وإنما بحصوله عام 1998 على 15 فدان أرضٍ زراعية في منطقة جرف حسين بأسوان، والمحسوبة ضمن نطاق الأرض النوبية. ما أغضب أهالي النوبة لسبب يبدو بسيطًا، وهو أنه في حين أنهم محرومون من أرضهم، استطاع رجل أجنبي الحصول على آلاف الأفدنة فيها. وللآن قرار التملك سارٍ، لم تُعطله الحكومة المصرية ولا السيسي، بل زاد الطين بلّة حين صادر مزيدًا من أراضي النوبة للعسكر، وحين استخدم العنف ضد النوبيين الذين قرروا الاحتفال، وعلى هامشه التذكير بقضيتهم!

 

اقرأ/ي أيضًا:

نهاية قصة تيران وصنافير.. برلمان السيسي يُعطي ما لا يملك لمن لا يستحق

الزواج النوبي.. التزام بالجذور والذاكرة