أن تموت وأنت تحاول.. عن حلم شاب تونسي بجنّة أوروبا

أن تموت وأنت تحاول.. عن حلم شاب تونسي بجنّة أوروبا

قوارب هشة تحمل أحلام آلاف الشباب التونسي بالجنة الأوروبية (ماركو دي لورو/Getty)

"أذكر أنها كانت الليلة الوحيدة من بين لياليّ الطويلة في هذا الوطن التي أحسست فيها بأنّي فعلاً على قيد الحياة.."، هكذا وصف خليل، الشاب التونسي، 25 سنة، الليلة التي علم فيها أنه سيغادر تونس قريبًا باتّجاه إحدى دول العالم المتقدّم بعد محاولات عديدة فاشلة لم يفقد على إثرها صاحب الشهادة العليا في الإعلاميّة الأمل.

خليل، شاب تونسي يحلم بالهجرة: "الأمل هناك مجاني ومتاح للجميع، الأمل في غد أفضل، في أي شيء أريده.."

برزت من جديد على الساحة التونسية حكايات الهجرة غير النظامية التي كانت ولا تزال وسيلة الشباب التونسي العاطل منهم وحتّى من تمكًن من الظفر بموطن شغل في السعي نحو تحقيق مستقبل أفضل، وذلك بعد انتشار فيديوهات منذ فترة على مواقع التواصل الاجتماعي تضمنت صورًا ومقاطع أفواج من المواطنين يشقّون عباب البحر على متن قوارب صغيرة باتّجاه السّواحل الإيطالية.. قوارب هشّة تجعل إمكانيّة وصولهم سالمين أمرًا شبه مستحيل فإذا ما انقلبت براكبيها رسمت صورًا حزينة لجثث تطفو على سطح مياه البحر الأبيض المتوسّط.

طريق وعرة، لم تسعف قلوب بعض الشباب التونسي الحالم بغد أفضل أصحابها على المغامرة، فسلكوا نهجًا آخر أكثر أمانًا، حيث يعمد العديد من الطلبة تقديم طلب للحصول على "الفيزا" والسفر بصفة سائح وما إن تطأ أقدامهم وجهتهم المنشودة إلا وتخلّصوا من جوازات سفرهم وغابوا عن الأنظار ليبدؤوا رحلة ملؤها العناء، أولها البحث عن عمل وآخرها ربما البحث عن زوجة تهديهم جنسية الرجل الأبيض.

اقرأ/ي أيضًا: البيار".. تسلية شباب تونس لمواجهة بطالتهم"

بطل قصّتنا شابّ سلك هذا الطريق فتوجّه بعد ثلاث سنوات من الدراسة بإحدى الكليات الإعلامية في تونس نحو السويد أين أمضى أشهرًا لم تتجاوز الثمانية ليعود من جديد إلى أرض الوطن. يقول خليل لـ"الترا صوت": "ها أنا رغم كلّ المحاولات قد عدت إلى نفس الركن من نفس المقهى أشرب نفس المشروب كما كان الحال عليه منذ سنوات".

اختار صاحب الشهادة العليا أن يحاورنا من مقهى حيّه الصغير الكائن بمحافظة أريانة. لم تمرّ دقائق قليلة على جلوسنا حتّى مدّه النادل بكوب من الشاي.. ليعلّق الشاب ساخرًا: "أرأيت؟ حتّى النّادل قد حفظ عن ظهر قلب ما سأطلبه منه لكثرة جلوسي في هذا المكان"، وأضاف مبتسمًا "أُسمّيه منزلي الثاني..".

بدأ الشاب حواره بتفنيد ما يتمّ تداوله في وسائل الإعلام عن أنّ الفقر والخصاصة لوحدهما يمثلان الدافع الأساسي في دفع التونسيين نحو الهروب خارج أسوار الخضراء، وقال في هذا الصّدد: "لا أنكر أنّ الفقر والخصاصة يمثّلان دافعًا كبيرًا، لكن، لا يخفى على الجميع أنّ كثيرًا ممّن هم محسوبون على الطبقة المتوسطة في وطننا يسعون بكلّ الطّرق نحو الهجرة..".

وقبل أن يواصل حديثه، أشعل خليل سيجارة كان قد أخرجها من علبة بجيبن باهظة الثّمن، متابعًا: "ربّما لاحظتم أنّي لا أواجه مشاكل ماليّة رغم أنّي واحد من بين آلاف أصحاب الشّهائد العليا العاطلين عن العمل.. لكن هي الرتابة القاتلة ما تفتئ تخنقني.. فمع كلّ صباح جديد، قديم في نظري، أحسّ أنّ صخرة تجثم على صدري لتجعل من مهمة الشّهيق والزّفير بالنّسبة لي شبه مستحيلة..".

"لا شيء جديد"، يتكلّم الشّاب بصوت حزين، "أبسط الأشياء في هذا الوطن تمدّ أياديها لتضغط على رقابنا وكأنّها تحاول عمدًا قتلنا، خذ مثلًا تلك المؤسّسات الإداريّة، إذا ما أُجبِرتُ على ولوجها لاستخراج أيّ وثيقة رسميّة إلا وأُرغمت على قضاء نصف يوم على الأقلّ هناك. أشياء ربّما ستبدو لكم تافهة، إلاّ أنّ آثارها كمرض السّرطان، تتمكّن من فريستها رويدًا رويدًا لتفتك في النهاية بروحها، وتجعل منها جثّة على قيد الحياة".

كان التّوتّر قد بدأ يظهر على الشّاب كلّما توغّل في الحديث عن الأسباب الّتي أخذته في رحلة إلى العاصمة "ستوكهولم"، يقول :"أذكر أنّها كانت اللّليلة الوحيدة الّتي أحسست فيها بأنّي على قيد الحياة، ليلة أخبرني فيها والدي ونظرات السعادة والحزن في الوقت ذاته تقتلني، أنّ أحد معارفه المقيمين بالسّويد قد أكّد له أنّه بإمكانه مساعدتي على المغادرة.. جئت مهرولاً إلى هذا المكان في تلك الليلة لأجتمع بأقراني ككل يوم لأزفّ لهم النّبأ السعيد".

خليل، شاب تونسي يحلم بالهجرة: "لا أنكر أن الفقر والخصاصة يمثلان دافعًا كبيرًا لكن الكثير من المحسوبين على الطبقة الوسطى يسعون بكل الطرق نحو الهجرة"

يضيف الشّابّ ساخرًا: "حتّى أنّ الفرحة أسكرتني فرُحتُ أعدهم بأنّيَ لن أتركهم يغرقون في مياه حيّنا، وأنّيَ منقذهم من تونس ما إن أتمكّن من الاستقرار هناك..". ويتابع: "كانت لحظات سعيدة، لسنوات لم نحلم، تحديدًا منذ أن اجتزنا دورة "البكالوريا" سنة 2011 لنصطدم بواقع باهتٍ بلا روح. في ذلك المساء، تحدّث كلّ منا عن طموحاته، عن ضحكاتنا ونحن نتبادل كرات الثلج في بلاد الغرب، عن لقاءاتنا بعد أن ننتهي من العمل، عن فتيات أحلامنا وحتّى طريقة تربيتنا لأولادنا هناك.. ربّما هذا هو العامل الأساسيّ في هجرة الشباب بتلك الطّريقة، البحث عن مكان يساعدهم على الحلم.. عن مكان لا تكون مجبرًا فيه على التفكير، خوفًا في كلّ لحظة، بالمستقبل".

اقرأ/ي أيضًا: أي علاقة بين اختيار المسار التعليمي والبطالة؟

وبالحديث عن المستقبل، قال جليسنا، بالنسبة لحالته، فإن عائلته وبالتّحديد والداه، قد كانا أهمّ سبب دفعه نحو السفر. يشعل خليل سيجارته الثانية لينطلق في التّفسير: "قبل أن أسافر وحتّى عند عودتي إلى تونس، كانت أمّي ولا تزال تحاول جاهدة إقناعي بضرورة التفكير في الزواج خاصّة وأنّها وأبي قد أتّمّا بناء طابق آخر لمنزلنا.. لا تعلم أنّ زواجها من أبي ربّما نغّص على حكومة يوسف الشّاهد أيّامها بالنّظر إلى أنهما أنجبا بائسًا آخر (مشيرًا إلى نفسه) سيزيد من أرقام الفشل لهذا البلد".

يضحك الشّاب ويواصل: "جدّيًا، ربّما لا تحتاجون إلى ما سأقوله نظرًا إلى وجود برامج ذلك الإعلاميّ علاء الشّابي (برامج اجتماعية تتعرض لمشاكل ومشاغل في الأسرة والمجتمع التونسي)، إلا أنّني وصلت إلى مرحلة كرهت فيها كلّ أيامي بسبب والديّ، لا أطلب الكثير مقارنة بأقراني، كلّ ما كنت أريده منزلًا هادئًا، لا منزلاً أستيقظ فيه على صراخ أبي وبكاء أمي.. كلّ ليلة أقترب فيها من الدّخول إلى البيت إلا وتسارعت دقات قلبي، أتساءل إذا ما تخاصموا هذا اليوم أيضًا أم لا، هل أنّ والدي قد عنّف والدتي مجدّدًا، صرت حتّى إذا ما رأيتهما يتحدّثان فيما بينهما أقترب إليهما منتظرًا نشوب شجار فأحول دون ذلك.. هاجسي الأكبر أن أصير في المستقبل نسخة من أبي..". بهذه الكلمة، أنهى حديثه عن عائلته.

في تلك الأثناء، دخل المقهى كهل خمسيني، ليشير إليه خليل قائلاً: "دائما ما يأتي في الوقت نفسه، كل يوم، بنفس تلك الملابس.. أحيانًا أشعر أني أتحول شيئًا فشيئًا إلى رجل آليّ.. وأحيانًا ألوم تلك التكنولولجيا اللعينة، حاسوبي وهاتفي اللذان فتحا عينيّ على عالم الدول المتقدمة، كأنهما نافذة زنزانة تطلّ على دبي ولياليها الحمراء".

ختامًا، تطرّق الشاب الحزين باقتضاب إلى تجربته في السويد، مؤكدًا أنّ الصعوبة لا تكمن في التجول بلا وثائق رسمية، فرجال الشرطة هناك، وفقًا له، لن يوقفوك إذا ما كنت تتنقل في الأرجاء، على عكس رجال الأمن هنا في تونس.

ويضيف :"وجدت هناك تونسيين قد سبقوني، كهولاً وصغارًا، أحدهم لم يتجاوز السابعة عشر وربما أكبرهم يوشك على بلوغ سنّ الأربعين.. أراه كل ليلة يبكي حبيبته التي لا تفوت أي فرصة لتذكره عبر الهاتف أنها على قاب قوسين من الزواج بآخر إذا لم يتدبر أمره ويعود سريعًا".

"هناك، اشتغلت في تنظيف المنازل، وحمل الأغراض وغيرها من المهن، لم أجد مشكلًا، فعلى عكس تونس، في تلك الربوع حتى وإن تقاضيت أجرًا زهيدًا لم أشعر قط بأنّ شيئًا ما يلاحقني، الأمل هناك مجاني ومتاح للجميع، الأمل في غد أفضل، في قصة حب تغيّر نظرتي للعالم، في أي شيء أريده..".

كان الليل قد داهمنا، وامتلأ المكان بالتونسيين من مختلف الأعمار وتعالت أعمدة الدخان المنبعثة من السجائر لتزيد الجدران صفرة. خلف تلك الأعمدة كان وجه الممثل التونسي الصادق حلواس قد ظهر عبر التلفاز معلنًا بدء حلقة جديدة من برنامج "أمور جدية" الذي يبث على قناة خاصة تونسية، كان يصرخ تعليقًا على حادثة هجرة غير نظامية أن تونس مظلومة وشبابها مذنبون.

حينها، التفت إلينا خليل معقّباً :"ربّما هؤلاء هم من يلاحقوننا هنا في هذا الوطن ليمدّوا أياديهم ويكتموا أنفاسنا..".

 

اقرأ/ي أيضًا:

6 سنوات في مسار ثورة تونس.. تحديات تنموية حارقة

هوامش تونس.. جحيم التهريب ولا جنة الدولة