أن تكون مهندسًا في مصر (4-4): المصمم

أن تكون مهندسًا في مصر (4-4): المصمم

أحد مهندسي ناسا على متن محطة الفضاء الدولية

تبدأ القصة الافتراضية (الشبيهة جدًا بالعديد من الحالات الواقعية) بأربعة أطفال. ومثل كل أطفال الأرض فإنهم لديهم العديد من الأحلام والطموحات. سنفترض أن الأطفال الأربعة لهم طموح مشترك وهو أن يصبحوا مهندسين. سنفترض أيضًا أن اﻷربعة كانت درجاتهم الدراسية متقاربة وأنهم جميعًا ينتمون لنفس الطبقة الاجتماعية.

محور القصة هنا ليس هؤلاء الأربعة، بل ما سيحدث لهم حينما يدخلون "آلة تصنيع المهندسين"، المعروفة بكلية الهندسة! سنطلب من القارئ أيضًا أن يفترض افتراضين خياليين للغاية: أولهما أن هؤلاء الأربعة على الدرجة نفسها من القيم الأخلاقية التي لن تتغير بتاتًا بما سيحدث لهم في السطور المقبلة، فعلى سبيل المثال جميعهم ينظرون إلى "الواسطة" وما شابهها نظرة سلبية للغاية (وهو أمر سيجعل حياتهم جحيمًا في بلد مثل مصر).

أما الافتراض الآخر فهو أن الحياة الاجتماعية والعائلية لهؤلاء الأربعة غير موجودة، أو شبه منعدمة، وذلك فقط للتركيز على التفاصيل القادمة، وللقارئ وحده حق إطلاق العنان لخياله في تخيل ماذا سيحدث لهؤلاء الأربعة إذا كانت هذه الافتراضات -غير الواقعية- مختفية! سنسمي أبطال هذه القصة بـ"أ"، "ب"، "ج" و"د" لوصف مسار كل منهم.

من يتحكمون في كل شيء بمصر هم من الحاصلين على مجموع 50٪ في الثانوية كما تقول أغنية الألتراس الشهيرة

ملحوظة هامشية: وجود هذه المسارات الأربعة لا ينفي وجود مسارات أخرى (لعل بعضها أكثر إشراقًا!) بكل تأكيد، ولكن هذه المسارات هي الأكثر شيوعًا للأسف!

اقرأ/ي أيضًا: مهندسون عباقرة: جيري إليسورث مهندسة التعليم الذاتي

منذ طفولته كان "د" يحب اللعب بالأشياء، ولكن على عكس أقرانه بهذه المرحلة العمرية كان يميل لتحطيم اللعب ومعرفة ما بداخلها، ظن والده أن له ميولًا تخريبية، بينما كان رأي والدته أنه مشروع مبتكر صغير فشجعته. كبر "د" وهو يصنع أشياء كثيرة بنفسه، ومثل كل من يحبون الإبداع بأيديهم عانى من عقم المناهج الدراسية الممتلئة بالحفظ والتي تكاد تخلو من التجارب العملية.

أخيرًا أنهى "د" مرحلة الثانوية بمجموع يؤهله للالتحاق بكلية الهندسة، لا توجد كوابيس الحفظ العقيمة بعد اليوم! مرحبًا بالتقييم المبني على التجارب العملية والعملية فقط!

لكن المصائب تأتي مجمعة، سيكتشف "د" الكذبة الكبرى، وهي أن الكلية التي كانت الأمل الوحيد له، والمخلص من كل شرور الحفظ الآثمة، والسبب الوحيد الذي جعله يصبر على آلام الحفظ التي كادت أن تصيب عقله بالجنون، سيكتشف أن هذه الكلية لا تختلف عن غيرها!

فهي ممتلئة بالحفظ أيضًا، نعم نسبة التجارب العملية قد زادت بكل تأكيد لكنها ليست النسبة الأعلى فيما يتعلق بالتقييم. فالأساس هو الامتحانات والامتحانات والمزيد من الامتحانات! امتحانات حمقاء مليئة بالأسئلة النظرية التي يتفنن في وضعها الأساتذة ويتمرس على حلها بعض الطلبة من خلال "الشيتات" اللعينة! لا مكان للإبداع هنا، أيها المغفل أين تظن نفسك؟

سيتجرع "د" هذه الحقيقة المرة وإن كان موفقًا فسيعرف أن الإبداع ليس بداخل هذه المنظومة بالتأكيد (أنظر ماذا حدث لزميله "ب" مثلًا) وسيخرج عنها ﻷنه روحًا حرة.

هو يحب تصميم الأشياء وصناعة الابتكارات من الصفر ولكن (وآه من لكن!). أنت في مصر عزيزي "د"! لست في اليابان، ولست في ألمانيا، ولست حتى في الهند! تصور الهند التي كانت دائمًا مثار سخرية المصريين باعتبارها "بلاد من يركبون الأفيال"، صارت تهتم بالابتكارات ولا تحاربها مثلما يحدث في مصر.

في الحقيقة كونك تظل تفكر بهذه الطريقة وأنت داخل مصر هو أمر مثير للشفقة أكثر منه مثار سخرية! ألم تسمع عن ابتكار "الوحش المصري" الذي هو عبارة عن سيارة على شكل قارب؟ ألم تسمع عن الطالب المنوفي الذي زعمت الصحف أنه اخترع جهازًا يفوق سرعة الصوت؟ ألم تسمع عن الجهاز الذي يأخذ الإيدز من المريض ويعيده له إصبع كفتة أو سجق؟ ألم تشاهد بعينيك لواءً عسكريًا يتحدث بكل ثقة وفخر عن اختراع يستخرج الإسمنت من الأشجار؟

ألست أنت ومن معك من العاقلين في هذه الأرض المحروقة بمثابة أقلية شريرة مندسة، كون الغالبية العظمى من سكان مصر شاهدوا كل هذا الجنون وقاموا بتصديقه والتصفيق له، بل والهجوم والسخرية عليك أنت ومن معك، حتى لو كان معك كل الحق وثوابت الدين والعقل والمنطق والعلم معك؟

اقرأ/ي أيضًا: مهندسون عباقرة: جيمس بروتون مهندس الخيال العلمي

عن أي ابتكارات أو اختراعات تتحدث يا "د" في أرض المجانين هذه؟ إذا أردت فعل شيء كهذا فلتهاجر فورًا إلى مكان تستطيع الحفاظ فيه على عقلك، ولا تبقَ للحظة واحدة في دولة يقومون فيها بتقليد الدجالين والنصابين والأفاقين مناصب عليا، ويتم تقديمهم للناس باعتبارهم مخترعين ومبتكرين وعباقرة وأطباء للفلاسفة!

الهند التي يسخر منها المصريون، تهتم بالابتكارات ولا تحاربها مثلما يحدث في مصر

لكن ربما لديك أسباب تمنعك من الهجرة، لعلها أسباب شخصية أو أنت فقط حاولت الهجرة ولم تنجح فقررت أن "تفحت في الصخر"، ستحاول فعل شيء ما هنا في أسوأ مكان على كوكب الأرض.

ربما ستقول لنفسك إن المهندس "سويتشيرو هوندا" قد بنى مصنعه للسيارات مرتين ولم يستسلم لقصفه بالقنابل أو هدمه بالزلزال وصار من أهم رجال الصناعة في تاريخ اليابان. هذا كلام جميل وطموح ومشروع ولكن ما يحدث في مصر أسوأ من القصف بالقنابل الذرية والزلازل والبراكين والأعاصير وحتى هجوم قطيع من مصاصي الدماء! والغرض من هذه المقالات ليس بث الإحباط في النفوس بل التحذير من العواقب الوخيمة التي سيقبل عليها "د".

فلتعلم أن من يتحكمون في كل شيء هم من الحاصلين على مجموع 50٪ في الثانوية كما تقول أغنية الألتراس الشهيرة. طبعًا التعليم النظامي المؤسسي ليس مقياسًا أصيلًا للإبداع أبدًا ولكن نحن لا نتكلم عما إذا كان الشخص الحاصل على درجات متدنية عبقريًا أم لا. نحن نتحدث عما إذا كان شخص بهذه التقديرات المتدنية -وهو بالتأكيد تعرض للسخرية من أقرانه الحاصلين على درجات أعلى منه في مراحل طفولته ومراهقته- هو شخص سوي نفسيًا ليحمل سلاحًا أم لا!

قد تتذكر فيلم البرئ أو فيلم Full Metal Jacket حيث تكون المواجهة دائمًا بين الجندي النظامي والمثقف المتعلم. هذا بالضبط ما ستقبل عليه، تخيل أن شخصًا لم تكن له قيمة طوال حياته لفشله في التعليم، صار فجأة يحمل سلاحًا ولديه رخصة لقتل كل من يعارضه، والسلطة المطلقة لتقرير ما هو المباح وما هو غير المباح!

تبقى مشاريع التخرج العبقرية في كليات مصر حبيسة الأدراج، ويكون الطلاب محظوظين إذا سمح لهم بتنفيذها في الكلية

لقد صار يشعر بأنه إله على الأرض بينما هو في الحقيقة إنسان ضعيف فشل حتى في أن يحصل على درجات متوسطة في تعليمه! لكن شعوره المطلق بالقوة حيث صار معه سلاحًا يستطيع به أن يزهق أرواحًا جعله يظن نفسه يمتلك أوسم وجه وأذكى عقل وأقوى جسد. هذا الشعور الطاغي بالسلطة قد أفسد أشخاصًا كانوا على قدر كبير من النزاهة والفضيلة والحكمة على مر التاريخ، فما بالك بشخص كان نكرة طوال حياته وربما كان يتعرض للضرب من أقران طفولته أيضًا، فكبر وكبرت معه نزعة الانتقام من العالم بأسره وغذاها وصوله للسلطة، لا بفضل اختيار الناس الحرة له، بل بسبب طلقات رصاص سلاحه فقط! وعلى الجانب الآخر، لديك شخصًا أفنى عمره في القراءة العلمية والأبحاث يجد نفسه محاصرًا من الأول "أبو 50٪".

لعلك سمعت عن الجندي الذي أوقف مهندسًا في منطقة وسط البلد لأنه كان يحمل مجموعة من المحركات وقد ظنها العسكري (الشبيه للغاية بأحمد سبع الليل في فيلم البريء) بأنها قنابل! أو لعلك قرأت على مواقع التواصل الاجتماعي عن ضابط أوقف شخصًا ظن أن لديه جهازًا للتفجير عن بعد ثم تبين أن هذا الجهاز ما هو إلا بنك للطاقة مخصص لشحن الهواتف المحمولة على الطريق!

اقرأ/ي أيضًا: اختيار مدرسة مناسبة لأطفالنا.. كيف؟

أو لعلك سمعت مئات القصص -عزيزي "د"- عن العديد من مشاريع التخرج العبقرية في كليات الهندسة في كل أرجاء المعمورة التي لا تُنفذ وتبقى حبيسة الأدراج، ويكون الطلاب محظوظين إذا سُمح لهم فقط بتنفيذها داخل الكلية. كون تلك المشاريع العظيمة التي يوجد بها حلول واقعية (وغالبًا رخيصة) للعديد من مشاكل مصر تحتاج لموافقات جهات أمنية، والجهات الأمنية لن تعطي موافقة بالطبع ﻷن العقول غير النيرة والنفوس غير السوية المدججة بالسلاح، التي لا تفهم سوى لغة القوة من مصلحتها ومن مصلحة القوى الإقليمية والدولية المتحالفة معها أن يبقى الوضع في مصر على ما هو عليه. ولعلك تعرف هذا بالفعل إذا رأيت ما آلت إليه الثورة التي قامت في عام 2011.

كل هذا يعلمه "د" جيدًا. ففي النهاية: كم عدد المؤسسات التي تعمل في التصنيع الهندسي بمصر؟ وهل مصر دولة صناعية أصلًا؟ وهل تصنع مصر أي شيء له قيمة حقيقية في العالم أم أن الصناعات كلها أشياء استهلاكية كالأغذية والملابس؟ الحقيقة المرة التي سيواجهها "د" هي أنه لا مستقبل للصناعات الهندسية الجديرة بالاحترام في مصر، ﻷن هذه هي سياسة النظام الحاكم العليا!

من في مصلحته أن تعتمد مصر على استيراد حتى القمح، وأن يكون العسكريون منشغلين بصناعة المعكرونة وافتتاح صالات للأفراح

تسأل لماذا؟ أنت تعلم جيدًا من في مصلحته أن تعتمد مصر على استيراد حتى القمح، وأن يكون العسكريون منشغلين بصناعة المعكرونة وافتتاح صالات للأفراح. الإجابة واضحة وضوح الشمس! ربما يحاول "د" أن يعمل بدون ظهور قوي، ربما يعمل في غرفة صغيرة بمنزله، مثل ستيف وازنياك وجوبز، لكن هو يعلم جيدًا حجم المخاطرة التي يقوم بها في بلد لا يكتفي بعدم تشجيع التفكير والابتكار بل يحاربه ويسحقه سحقًا!

في النهاية هذه ليست دعوة للتشاؤم بل مجرد إقرار بواقع مؤلم للغاية يواجهه كل مهندس قرر البقاء في تلك الرقعة الجغرافية المسماة بمصر، كل هذه المصائب التي تواجه المهندسين داخل مصر ليست سببًا لهم لكي ييأسوا أو لا يحاولوا فعل ما يظنونه صوابًا بل لعلها أسبابًا أقوى للصمود، فهم يواجهون ما لا يواجهه أي مهندس آخر في العالم.

لذلك إن انتصروا يومًا ما وتبدلت الأوضاع فسيكون انتصارًا ملحميًا لا مثيل له يُثبت صحة مقولة المفكر الثوري الكبير فرانز فانون عن مدى احتياج قارة أفريقيا للمهندسين أكثر من أي فئة أخرى. أما في حالة الهزيمة فسيكونون قد صمدوا بشرف وحاولوا على الأقل أمام أشياء لا قبل لأي مهندس آخر بالوقوف أمامها لسويعات، ناهيك عن سنوات وعقود طويلة متحملًا سخرية أقرانه لوقوفه أمام ما لا يمكن الوقوف أمامه، ولعل هؤلاء تنطبق عليهم مقولة الأديب باولو كويلو: "أشكر كل من سخروا من أحلامي، فقد تعلمت منكم احترام كفاح الآخرين".

 

اقرأ/ي أيضًا:

عن مجانية التعليم في مصر وعوالم موازية

4 مواقع تساعدك على تعلّم لغات جديدة