أن تكون مهندسًا في مصر (3-4): مهندس المبيعات

أن تكون مهندسًا في مصر (3-4): مهندس المبيعات

مهندس المبيعات أحد أكثر المهن دخلًا حول العالم

تبدأ القصة الافتراضية (الشبيهة جدًا بالعديد من الحالات الواقعية) بأربعة أطفال. ومثل كل أطفال الأرض فإنهم لديهم العديد من الأحلام والطموحات. سنفترض أن الأطفال الأربعة لهم طموح مشترك وهو أن يصبحوا مهندسين. سنفترض أيضًا أن اﻷربعة كانت درجاتهم الدراسية متقاربة وأنهم جميعًا ينتمون لنفس الطبقة الاجتماعية.

محور القصة هنا ليس هؤلاء الأربعة، بل ما سيحدث لهم حينما يدخلون "آلة تصنيع المهندسين"، المعروفة بكلية الهندسة! سنطلب من القارئ أيضًا أن يفترض افتراضين خياليين للغاية: أولهما أن هؤلاء الأربعة على الدرجة نفسها من القيم الأخلاقية التي لن تتغير بتاتًا بما سيحدث لهم في السطور المقبلة، فعلى سبيل المثال جميعهم ينظرون إلى "الواسطة" وما شابهها نظرة سلبية للغاية (وهو أمر سيجعل حياتهم جحيمًا في بلد مثل مصر).

أما الافتراض الآخر فهو أن الحياة الاجتماعية والعائلية لهؤلاء الأربعة غير موجودة، أو شبه منعدمة، وذلك فقط للتركيز على التفاصيل القادمة، وللقارئ وحده حق إطلاق العنان لخياله في تخيل ماذا سيحدث لهؤلاء الأربعة إذا كانت هذه الافتراضات -غير الواقعية- مختفية! سنسمي أبطال هذه القصة بـ"أ"، "ب"، "ج" و"د" لوصف مسار كل منهم.

الممثل الشهير جيم كاري يقول: أظن أن الجميع عليهم أن يصبحوا أثرياء ومشاهير ليعرفوا بعدها أن هذه الأشياء ليست الإجابة

ملحوظة هامشية: وجود هذه المسارات الأربعة لا ينفي وجود مسارات أخرى (لعل بعضها أكثر إشراقًا!) بكل تأكيد، ولكن هذه المسارات هي الأكثر شيوعًا للأسف!

مما لا شك فيه أن حياة "ج" مثار حسد الكثيرين من أقرانه، صحيح أنه يعمل لأوقات كثيرة وفي مواعيد متضاربة أحيانًا، ولكن كل هذا لا يعني شيئًا في أذهان أصدقائه وأقاربه مع معالم الثراء السريع التي ظهرت عليه (لا يعني هذا أنه ثري مثل كارلوس سليم أو بيل جيتس ولكن مقارنة بكل من في جيله فهو بلا شك صاحب الوضع المادي الأفضل بينهم).

اقرأ/ي أيضًا: اختيار مدرسة مناسبة لأطفالنا.. كيف؟

فإذا كان ثمن المرتب المرتفع للغاية هو بعض الليالي المتأخرة في المكتب، والسفر خارج المدينة/خارج البلاد في بعض أيام الشهر فليس هناك مانع؟ هكذا يفكرون. وسيئ النوايا منهم يحسده ويحقد عليه، أما طيبو النوايا فربما يشعرون ببعض الغيرة الحميدة، ويتمنون لو أصبحوا مثله، والقلة القليلة المندسة -ككاتب هذه السطور- يشفق على من اتخذوا هذا المسار إشفاقًا حقيقيًا!

يسخر الكثيرون من مقولة "الفلوس مش كل حاجة"، ويعتبرونها كليشيهًا رومانسيًا مكانه الطبيعي الأفلام والروايات، ولا علاقة له بالواقع الذي يسحق البشر بمطرقته فيحولهم لعجين، حقًا النقود مهمة ولكن بنظرة أكثر تفحصًا إلى حياة "ج" سنجد أنه ليس سعيدًا.

لا نحتاج هنا حتى إلى الاحتجاج بالنصوص الدينية المقدسة أو الفلسفات الشرقية القديمة لإثبات أن النقود الكثيرة لا تشتري السعادة، بل يكفي أن تحصل على هذه الحقيقة من أفواه أيقونات هوليوود ونجوم السينما الأمريكية المعاصرة، وهم من هم من حيث تحصيلهم لكل الإنجازات المادية التي حلم بتحقيق ربعها الملايين من البشر في النصف الآخر من الكرة الأرضية.

فها هو الممثل الكوميدي الشهير جيم كاري مثلًا يقول: "أظن أن الجميع عليهم أن يصبحوا أثرياء ومشاهير ويحققوا كل ما أرادوا ليعرفوا بعدها أن هذه الأشياء ليست الإجابة". وأيضًا بطل العالم السابق في كمال الأجسام، وممثل أفلام الخيال العلمي، وحاكم ولاية أمريكية حاليًا (وربما رئيس أمريكا مستقبلًا) أرنولد شوارزنيجر الذي أتى من النمسا فقيرًا ليحقق كل هذا، فتكون مسيرة حياته دعاية لـ"الحلم الأمريكي"، ليقول بسخرية شديدة: "النقود لا تجعلك سعيدًا، لدي الآن خمسون مليون دولار ولكني كنت بنفس القدر من السعادة حين كان لدي ثماني وأربعون مليون دولارًا فقط".

اقرأ/ي أيضًا: تعليم أفضل.. تعليم بالمجان: مطالب المغاربة

فإذا كانت حياة هؤلاء الأثرياء مليئة بالخواء هكذا، فمن باب أولى أن تكون حياة "ج" -الأقل ثراءً بكثير من مشاهير هوليوود وفي نفس الوقت الأكثر ثراءً بين أقرانه لدرجة تجعلهم يرون حياته حلمًا أقرب لهم من حياة نجوم السينما- خاوية على عروشها أيضًا، أليس كذلك؟

لنبدأ من أول الحكاية، وتحديدًا من توصيف المهنة نفسها: "مهندس مبيعات"، ألا يبدو وقع تلك الكلمة غريبًا على العقل، ثقيلًا على اللسان؟ الناس تعرف المهندس بأنه الشخص الذي يستطيع إصلاح الأشياء، إعادة بنائها، وربما تصميمها من الصفر أيضًا -نظريًا وعمليًا- إذا اقتضى الأمر، ولكن ما علاقة المهندس من قريب أو بعيد بـ "المبيعات"؟ هل ﻷن "ج" وهو طالب درس عدة أشياء متعلقة بـ"المبيعات" كبعض فنون التسويق وإدارة المشاريع؟

الناس تعرف المهندس بأنه الشخص الذي يستطيع إصلاح الأشياء، إعادة بنائها، وربما تصميمها من الصفر أيضًا إذا اقتضى الأمر

ومن قال إن هذا من الصواب؟ وعلى افتراض صحته، فما علاقة هذا بصلب مهنة المهندس؟ ربما يقول قائل حتي تسهل عليه هذه المواد "التجارية" عملية تحويل مساره المهني Career Shift إن أراد ذلك يومًا ما. والرد على هذا بأن من يريد تغيير وجهة مساره المهني بالكامل، فسيتحتم عليه بالتأكيد أن يدرس الكثير من الأشياء من بدايتها وبعض الدورات، والمواد التمهيدية في مرحلة الجامعة لا تختصر هذا الطريق كثيرًا.

فلا يوجد فارق حقيقي كبير هنا بالإضافة إلى أنه في هذه الحالة سيكون مسمى وظيفته "مندوب مبيعات" وليس"مهندس مبيعات" فما علاقة الهندسة بالمبيعات؟ هل يقوم بصناعة روبوتات تقوم بعملية التسوق بدلًا منه إن كان مهندسًا ميكانيكيًا أو يقوم ببرمجة حاسوب يتولى الاتصال بالعملاء وإقناعهم بشراء المنتج بينما يسترخي على مقعده الأثير إن كان مهندسًا للاتصالات، أم ماذا بالضبط؟

اقرأ/ي أيضًا: مهندسون عباقرة: جيري إليسورث مهندسة التعليم الذاتي

الحقيقة المرة التي لا مفر منها أن "ج" يعمل في وظيفة يمكن بسهولة لأي طالب في كلية تجارة أن يعمل بها بدلًا منه -إن توفرت لديه بعض المعلومات التقنية واجتهد ليتفوق على منافسيه- فهو لا يقوم بأي عمل هندسي حقيقي سوى ربما بعض الكلام التقني المنمق، أما العلاقات العامة وتقديم العروض التقديمية Presentations باستخدام برامج كالباور بوينت فهذه كلها أشياء يمكن لكثير من خريجي الكليات الأدبية حتى -وربما أيضًا بعض طلاب الثانوية والإعدادية- أن يقوموا بها على أكمل وجه.

هل مهندس المبيعات يعد مهندسًا حقيقيًا. أم الهندسة بالنسبة له مجرد حرف "م" قبل بطاقة عمله ووضعًا اجتماعيًا يجعله يحصل على راتب كبير

فما هي القيمة التي يضيفها هذا المهندس فعليًا في عمله بصفته مهندسًا؟ هذه إحدى الأسئلة المحرجة التي سيتعين على "ج" الإجابة عليها.

سيتحجج البعض بسوء التعليم الذي لا يُخرج مهندسين عباقرة وهذا حق، وسيتحجج البعض الآخر بأن كون "ج" ناجحًا على المستوى المادي يكفي، وربما معهم بعض الحق، وسيذهب آخرون لإمكانية أن يفعل "ج" في وقت فراغه شيئًا هندسيًا بحق (فمثل هذه الأشياء الهندسية لا تكسب منها نقودًا كثيرة في بلد كمصر) وهذا احتمال ضعيف للغاية، لا لسوء ظن بشخصية "ج" لا سمح الله، ولكن ﻷن وظيفته رغم كونها أقل اجهادًا من وظيفة "د" التي سنتعرض لها لاحقًا، إلا أنها تستهلك الكثير من وقته.

بالطبع هو يكسب أموالًا أكثر من "ب"، وفي حالة كان "أ" ناجحًا للغاية فسيكون مستواهم المادي متقاربًا إلى حد كبير، لكن الإرهاق في وظيفة ليس لها علاقة وثيقة بالهندسة يجعل المرء يتساءل: هل حقًا أصاب "ج" باختيار الكلية المناسبة، وهل هو حقًا مهندس بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ. أم أن الهندسة بالنسبة له مجرد حرف "م" قبل بطاقة عمله ووضع اجتماعي يجعله يحصل على راتب كبير، ومزايا وظيفية عالية، مقابل وظيفة يؤديها آخرون، من تخصصات مختلفة، برواتب أقل، لمجرد أنهم لم يتخرجوا من نفس الكلية التي أعطته تلك الورقة؟

اقرأ/ي أيضًا:
من يستطيع تغيير العالم؟
أي علاقة بين اختيار المسار التعليمي والبطالة؟