أن تكون مهندسًا في مصر (2-4): الأكاديمي

أن تكون مهندسًا في مصر (2-4): الأكاديمي

لا يمكن القول عن مناخ الأكاديميا في مصر أنه موضوعي وحر (Getty)

تبدأ القصة الافتراضية (الشبيهة جدًا بالعديد من الحالات الواقعية) بأربعة أطفال. ومثل كل أطفال الأرض فإنهم لديهم العديد من الأحلام والطموحات. سنفترض أن الأطفال الأربعة لهم طموح مشترك وهو أن يصبحوا مهندسين. سنفترض أيضًا أن اﻷربعة كانت درجاتهم الدراسية متقاربة وأنهم جميعًا ينتمون لنفس الطبقة الاجتماعية.

محور القصة هنا ليس هؤلاء الأربعة، بل ما سيحدث لهم حينما يدخلون "آلة تصنيع المهندسين"، المعروفة بكلية الهندسة! سنطلب من القارئ أيضًا أن يفترض افتراضين خياليين للغاية: أولهما أن هؤلاء الأربعة على الدرجة نفسها من القيم الأخلاقية التي لن تتغير بتاتًا بما سيحدث لهم في السطور المقبلة، فعلى سبيل المثال جميعهم ينظرون إلى "الواسطة" وما شابهها نظرة سلبية للغاية (وهو أمر سيجعل حياتهم جحيمًا في بلد مثل مصر).

أما الافتراض الآخر فهو أن الحياة الاجتماعية والعائلية لهؤلاء الأربعة غير موجودة، أو شبه منعدمة، وذلك فقط للتركيز على التفاصيل القادمة، وللقارئ وحده حق إطلاق العنان لخياله في تخيل ماذا سيحدث لهؤلاء الأربعة إذا كانت هذه الافتراضات -غير الواقعية- مختفية! سنسمي أبطال هذه القصة بـ"أ"، "ب"، "ج" و"د" لوصف مسار كل منهم.

اقرأ/ي أيضًا: بمناسبة عودة الدراسة: العلم ومنظومة التعليم

ملحوظة هامشية: وجود هذه المسارات الأربعة لا ينفي وجود مسارات أخرى (لعل بعضها أكثر إشراقًا!) بكل تأكيد، ولكن هذه المسارات هي الأكثر شيوعًا للأسف!

يمكنك أن تكون عبقريًا في النجاح بالامتحانات لكن هذا لن يجعلك عبقريًا في شرح معادلة لنيكولا تيسلا، أو تبسيط مفاهيم ميكانيكا الكم

كان "ب" دائمًا من بين الثلاثة الأوائل في ترتيب نتائج الطلبة في مدرسته. هذا بالطبع يعني أنه حصل على مجموع مرتفع للغاية يؤهله للالتحاق بكلية الهندسة بكل سهولة ويسر. لم يكن "ب" يعاني في فهم المواد الدراسية؛ فهو كثير الأسئلة بشكل قد لا يطيقه بعض المدرسين في المدرسة والأساتذة الجامعيين والمعيدين بالكلية ولكن لا بأس.

ربما استلزم الأمر في البداية تدخل أهله لكي يلحقوه بقطار الدروس الخصوصية، ولكن في تلك الكلية: الكلية التي أرهقه السهر والخروج من المنزل للذهاب لـ "سناتر" الدروس والعودة متأخرًا، حتى صار لا يجد وقتًا لتغيير ملابسه أو لتناول وجبة منزلية عادية، وحتى يستطيع الحصول على هذا المجموع المرتفع الذي سيؤهله للالتحاق بكلية الهندسة العريقة.

صار عليه أن يعتمد على نفسه اعتمادًا شبه كلي، فعلى الأغلب لن يجد أساتذة يشرحون له في وقت فراغهم، فإذا كان لديهم متسع من الوقت فعلًا فسيتظاهرون بالعكس! لماذا؟ ﻷن وضعهم الاجتماعي كأساتذة جامعيين أو ما يسميه المصريون بالـ"برستيج" يحتم عليهم ذلك كما يظنون!

فلا يعلم أولئك المتحذلقون المغرورون أن أعظم العلماء على مر التاريخ كانوا يتواضعون لدرجة شرح وتبسيط علومهم لأكثر الناس جهلًا، لا يعرفون مثلًا أن أينشتاين قال: "إذا لم تستطع شرح مادتك العلمية لطفل عمره ست سنوات فأنت نفسك لا تفهمها!" لا يعرفون أو يعرفون ولكن لا يعترفون!

فالوضع الاجتماعي أهم طبعًا وتلك الشهادات التي حصلوا عليها (على الأغلب من خارج القطر المصري) هي أشياء تجعلهم يتكبرون على كل من حولهم، وتجعلهم يصرخون في غضب وحنق حينما يسألهم طالب مسكين سؤالًا بسيطًا يبدو من وجهة نظر هؤلاء العباقرة سؤلاء غبيًا وأحمقًا، لدرجة تجعلهم يتأففون ويتعففون عن تشريف هذا السؤال "التافه" بإجابة تجعل أفواههم المشعة بالحكمة، وأحبالهم الصوتية الذهبية، تبذل مجهودًا لكي تجيبه!

كلا أيها الطالب المسكين، أنت لا تستحق الإجابة فمن أنت أصلًا لكي تسألهم سؤالًا كهذا؟ تظن أن هذا الكلام مبالغة. إذن دعني أخبرك سرًا. كاتب هذه السطور كاد أن يتعرض للطرد من المحاضرة مرة على يد أحد هؤلاء الأساتذة ﻷنه سأل سؤالًا بسيطًا، وفي مرة أخرى صرخ فيه الأستاذ الجامعي الكبير الذي ترك التدريس في الولايات المتحدة الأمريكية وتفضل وتكرم على الطلاب الأوباش من أمثالنا لكي يجعلنا ننهل من بحر علمه الفياض وهو ينظر إلينا بتقزز.

اقرأ/ي أيضًا: تعليم أفضل.. تعليم بالمجان: مطالب المغاربة

صرخ هذا الأستاذ الجامعي الكبير الذي ترك التدريس للطلاب الشقر ذوي العيون الزرقاء والخضراء لكي يدرّس للطلاب السمر ذوي البشرة البنية والداكنة قائلًا: "أنت مش عارف أنت بتكلم مين؟". ربما هو خطأ كاتب هذه السطور، وربما هو خطأ كل طلاب كليات الهندسة أن يظنوا ولو لوهلة أن هؤلاء الأساتذة الكبار العباقرة يخلون من العقد النفسية!

ربما ظنوا (وبعض الظن إثم!) أن تواجد هؤلاء الأساتذة لإكمال دراستهم بالخارج سيجعل صدورهم أكثر رحابة لتقبل الأسئلة وأكثر هدوءًا وصبرًا مع الطلاب الأغبياء الذين لا تتسع عقولهم الضئيلة لمجرد التعرض لرذاذ عبقرية هؤلاء الأساتذة!

أو ربما الأمر ببساطة أن أغلب هؤلاء الأساتذة هم مجرد عباقرة. في حل المسائل! نعم ربما هذا هو السبب.

شتان الفارق بين أستاذ جامعي واثق من نفسه حتى ولو لم يمتلك كل الإجابات وبين من تهتز ثقته لتساؤل بسيط من شخص أتى من بيئة مختلفة

يمكنك أن تكون عبقريًا في النجاح في الامتحانات والـ "كويزات" والـ "شيتات"، لكن هذا لا يجعلك عبقريًا في شرح معادلة لنيكولا تيسلا، أو تبسيط مفاهيم ميكانيكا الكم. يمكنك أن تحصل على أرفع الشهادات، وفي نفس ذات الوقت لن تجيد الرد على سؤال بسيط لطالب من الأجيال الجديدة يفكر بطريقة مختلفة عنك. ستصرخ فيه ﻷن سؤاله هذا أفقدك الثقة في علمك وإذا فقدت الثقة في علمك الذي تظنه سببًا في حصولك على تلك الشهادة، فماذا تبقى منك؟ وماذا تساوي حياتك؟

لعل هذا السؤال الذي تحاول إقناع نفسك بأنه غبي -عزيزي الدكتور الجامعي- لكي تبرر أمام نفسك في المرآة، وقبل أن تذهب للنوم أنه سبب وجيه للصراخ في هذا الطالب الأحمق يجعلك تتشكك في أساليب التعليم والتدريس التي احترفتها طوال عقود!

الأمر شبيه للغاية بذلك المشهد في الفيلم الهندي الشهير Three Idiots حينما سأل طالب أستاذًا جامعيًا عن جدوى اختراع قلم جاف مخصص لرواد الفضاء ليكتبوا به من الوضع المقلوب، بينما كان يمكنهم ببساطة استخدام قلم رصاص!

لكن شتان الفارق بين الأستاذ الجامعي الواثق من نفسه حتى ولو لم يمتلك كل الإجابات لكل الأسئلة (فلا يوجد أحد يمتلك كل الإجابات)، وبين من تهتز ثقته بهذه البساطة لمجرد تساؤل بسيط من شخص أتى من بيئة مختلفة، ومن جيل مختلف، ويفكر بطريقة مختلفة تمامًا عنك!

والمأساة ليست في عدم الكفاءة فقط، بل في تلال العقد النفسية التي يلقيها هؤلاء في وجه الطلبة المساكين. فيمكن ببساطة للأستاذ أن يتهرب من السؤال بلباقة وأناقة بالقول إنه سيبحث في الأمر أو إننا لم نصل بعد لتلك المرحلة من المنهج.

اقرأ/ي أيضًا: اختيار مدرسة مناسبة لأطفالنا.. كيف؟

إجابات سهلة وبسيطة وتترك الباب مفتوحًا للبحث وللأستاذ أن يحافظ على ماء وجهه أمام الطلبة ﻷنها تعطيه متسع من الوقت للبحث في الإجابة التي لم يعرفها، ولكن لا! لابد وأن يظهر هذا الأستاذ بمظهر العارف ببواطن الأمور! لابد وأن يظهر بأنه يعرف كل شيء وأي شيء وإلا فلا قيمة لتلك الورقة التي يعلقها فوق مكتبه!

هل الأستاذ الجامعي الذي يعتقد بمثل هذا الكلام مسكين؟ هل هو ضحية أكثر منه مجرمًا؟ ربما في مرحلة ما، ولكن كونه لا يريد التغاضي عن كل هذه الأمراض النفسية المستعصية ولا يحاول علاجها ولا حتى كبتها أمام الآخرين، بل يطلقها علي الطلبة بكل استفزاز واستخفاف واحتقار، وربما حتى يبرر لنفسه هذا بأن حياته لم تكن سهلة على الإطلاق. فلابد أن يعاني هؤلاء الطلاب الملاعين مثلما عانى هو على طريقة الفنان الراحل سعيد صالح حينما قال في مسرحية العيال كبرت: "طب منا بكرة هتجوز ويبقى عندي عيال، وديني ﻷقطع عنهم المصروف".

سيكافح "ب" المسكين الحقيقي -والضحية الأصلية هنا- لكي يتفادى العقد النفسية للأساتذة والمعيدين كما يتفادى الجندي حقلًا للألغام. سيقنع نفسه بأنه سيكون متسامحًا مع الأجيال الجديدة، ليس منتقمًا، وإنه سيحرص عندما يصبح أستاذًا على ألا يُعرض الطلبة لما تعرض له هو حينما كان في عمرهم -تمامًا مثلما حرص الرجل الوطواط على ألا يتعرض أحد لفقدان والديه مثلما حدث له فقرر مكافحة الجريمة-.

سيقنع "ب" نفسه بأنه أشبه بأولئك المدرسين الذين شاهدهم في أفلام كـ"Taare Zameen Par" و"Dead Poets Society" و"Dangerous Minds" و"Freedom Writers"، وغيرها من الأفلام التي عرضت قصصًا بعضها حقيقي عن مدرسين حالمين قاموا بتحدي النُظم السائدة للتعليم وألهموا الطلاب.

سينسى "ب" -مؤقتًا- حقيقة أن هؤلاء المدرسين تعرضوا لحربًا شرسة من المنظومة التي لا تقبل الابتكار ولا تشجعه. وأن من نجح منهم كان نجاحه مقتصرًا على من تعامل معهم من الطلاب، نجاحًا مباشرًا، فلم تمتد تجربة نجاحهم لتشمل تغييرًا شاملًا للمنظومة من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها.

وفي غمرة أحلام يقظته لن ينتبه "ب" لنقطة هامة، وهي إذا كان وضع الأساتذة الحالمين بالتغيير في دول متقدمة عن مصر، إما حرب شرسة لا هوادة فيها، أو تضييق وحصر للنجاحات في أضيق النطاقات، فماذا سيكون الوضع في بلد تزكم فيه رائحة الفساد والاستبداد الأنوف؟

ربما يعدل "ب" عن خطته بأن يصبح أكاديميًا بعد كل هذا، ربما يفكر في أن يعود لسوق العمل ليلتحق بمسار "ج" أو "د" أو حتى أن يعمل بمجال لا علاقة له بالهندسة كـ"أ"، ولكنه سيضغط على أعصابه، وسيقنع نفسه بأنه لابد من أن يكمل دراساته العليا أولًا قبل كل هذا.

فمن يدري لعلها تساعده، أيًا كانت وجهته المقبلة، بالإضافة إلى ماذا سيقول عنه الناس إذا ترك الدراسة ولم يكملها؟ ها قد سقط المسكين في فخ الوضع الاجتماعي، مثله مثل أولئك الأساتذة الجامعيين، ولكنه لم يتوغل في السقوط بعد.

حسنًا سيكمل "ب" دراسته، ولكن الصدمات ستتوالى عليه بلا رحمة، فهل يظن أن هؤلاء الأساتذة سيتركونه يصير معيدًا لهم بسهولة وبساطة حتى لو كان محافظًا على تفوقه الدراسي؟ لابد أن يخضع لهم أكاديميًا بأن يكتب أبحاثًا حول المواضيع التي تهمهم هم، وأن ينسى تمامًا أي أحلام خاصه به حول أشياء كان يريد أن يكتب عنها رسائل علمية لأنه كان مهتمًا بها، أو كان يحبها أو ظن أنها ستفيد الناس!

اقرأ/ي أيضًا: من يستطيع تغيير العالم؟

انس هذه الأوهام تمامًا أو على أفضل تقدير قم بتأجيلها وهل حياتك أيها المسكين إلا تأجيلًا ﻷحلامك وراء تأجيل آخر في انتظار لغد أفضل لا يأتي إلا بعد وفاتك؟ حينما كان "ب" طالبًا بالكلية سأل أستاذة عن متى يستطيع أن يبدع ويخترع فكان رد أستاذته: "في الدراسات العليا". فابتلع أحلامه في مرارة مؤقتًا -أو هكذا ظن- ريثما يحصل على البكالوريوس وبعدها حتمًا سيأتي الفرج ولكن الفرج لا يأتي أبدا!

ففي الدراسات العليا حينما واجهه أستاذه بالحقيقة المرة، وهي أنه يجب أن يقوم بكتابة الأبحاث في المواضيع التي يختارها الأستاذ له، لا مواضيع من بنات أفكاره، قام بتكرار السؤال الذي سأله قبل أن يحصل على البكالوريوس: "متى يا أستاذي أستطيع تحقيق أحلامي وكتابة بحث في المواضيع التي أريدها؟" فكانت الإجابة هذه المرة "ليس قبل الماجستير أو الدكتوراه" بالطبع التفصيل في الإجابة سيتوقف على مدى صراحة الأستاذ أو قسوته في سحق أحلام طالبه!

الخضوع الأكاديمي أمر يحدث بكل العالم، لكن بمصر لن يكتفي الأستاذ بهذا، فلابد من إذلال الطالب الذي يريد أن يصبح معيدًا وقهره نفسيًا

هنا سيتوجب على "ب" أن يختار اختيارًا صعبًا للغاية: هل يلقي بكل هذه السنوات والامتحانات والأوراق والشهادات والتقديرات من النافذة ليبدأ فورًا وبلا أي تأجيل آخر في مطاردة أحلامه أم سينتظر لعدة سنوات أخرى، قد تفوق الخمس سنوات التي قضاها للحصول على البكالوريوس، حتى يحصل على الماجستير والدكتوراه أملًا في مطاردة سراب كتابة أبحاث خاصة بما يريده هو؟

مع العلم أن هذا الاختيار يحمل مخاطر عدة، فليس فقط يمكن أن تتغير أهدافه من الحصول على الشهادة، بل يمكن -تحت وطأة الضغوط النفسية- أن يتحول إلى نسخة مما يكره! أن يصير صورة طبق الأصل من أستاذه المريض النفسي!

فإذا كان الخضوع الأكاديمي أمر يحدث في كل العالم، ففي مصر غالبًا لن يكتفي الأستاذ بهذا، بل لابد من إذلال الطالب الذي يريد أن يصبح معيدًا وقهره نفسيًا وإجباره على تملق أستاذه، مهما ظن الطالب أن أفكار الأستاذ سخيفة أو حتى غبية، فإذا كان الأستاذ لا يحتمل أسئلة يراها سخيفة من طلاب ما قبل البكالوريوس وهو من يتولى الإشراف على رسائل ماجستير ودكتوراه، وبيده جعل الطلاب يرسبون أو ينجحون في سلطة شبه كهنوتية؛ فهل سيتحمل تشكيك معيد له بأفكاره العلمية؟

كلا، بل سيقوم بسحقه سحقًا وهكذا يجد صديقنا المسكين "ب" نفسه بين شقي الرحى. فهل يظل في السجن الأكاديمي إلى نهاية حياته أم يقفز من المقلاة ليهبط في النار؟

اقرأ/ي أيضًا:

حلق للشعر في مدارس المغرب يثير الجدل

مهندسون عباقرة: جيري إليسورث مهندسة التعليم الذاتي