أن تكون بابلو إسكوبار

أن تكون بابلو إسكوبار

مشهد من مسلسل narcos

"المشكلة أنه لا أحد يمكنه السيطرة على أحلامه" -من مسلسل ناركوس الموسم الأول-

هل تحب بابلو إسكوبار أم تكرهه؟ هل حزنت عندما شاهدته يُقتل في نهاية الموسم الثاني؟ بالتأكيد طرحت على نفسك هذا السؤال إذا كنت قد شاهدت المسلسل، فلا ينكر أحد منا إعجابه بكاريزما بابلو وسيطرته، وهو ما برع في إبرازه الممثل السلفادوري "واجنر مورا" في أداء خيالي لدور بابلو إسكوبار، ولكن في نفس الوقت هو مجرم قتل آلاف الأبرياء ودمر العديد من أجل أن يصل إلى ما يريده.

أظن أن أداء واجنر مورا وحبنا كمشاهدين للشخصيات صاحبة الكاريزما والحضور القوي، هو ما جعلنا نقع في حبهم بالرغم مما يفعلونه، كإعجابنا بهانيبال ليكتر في مسلسل هانيبال أو الجوكر في فيلم باتمان. ولكن السؤال الأهم ما الذي أراده بابلو إسكوبار. أو بشكل أوضح ما هو الشيء الذي إذا وصل له الإنسان سيهدأ ويكف عن الصراع سواء مع ذاته أو مع من حوله؟

بابلو إسكوبار أراد كل شيء وأهم ما في ذلك السلطة، فهو يريد أن يصبح رئيسًا لكولومبيا. طمع الإنسان لا يتوقف عند نقطة معينة

هل هو الحب أم الأموال أم النساء؟ بابلو إسكوبار كان يملك كل ذلك ولم يمنعه من التدمير والقتل والصراع مع الجميع، بل والإصابة بجنون الشك لدرجة قتله لأقرب مساعديه. بابلو أراد كل شيء وأهم ما في ذلك السلطة، في جزء من المسلسل قال إنه يريد أن يصبح رئيسًا لكولومبيا. طمع الإنسان لا يتوقف عند نقطة معينة. على مدار التاريخ لم يتفق الناس على ذلك الشيء الذي إذا حققناه فسنهدأ ونصل للسعادة الأبدية.

اقرأ/ي أيضًا: وليد سيف.. 5 مسلسلات لا تفوّت

الأحلام لا تتوقف عن النمو والازدياد. ولكن إذا اقتربت من الشمس أكثر من اللازم فسوف تذوب أحلامك كما حدث مع بابلو، فقد أراد أن يصبح عضوًا في مجلس النواب، وفي هذه الحالة اقترب من الشمس أكثر من اللازم فالحكومة سمحت له بالتجارة في المخدرات، والتوسع فيها، وتركته يبني إمبراطوريته الصغيرة، ولكنها لن تسمح له بأن يهدد مصالحها وأن يصبح جزءًا منها، ليبدأ الصراع الكبير بينه وبين الحكومة.

هذا الصراع الذي يوضح لنا أن بابلو هذا المجرم الذي يقتل ويدمر إنسان مثلنا لديه أحلامه، ولديه من يحبهم ومستعد لفعل أي شيء من أجلهم، يوضح لنا أن الأموال لم تكن غاية بابلو بل إن أحلامه تمددت وتوسعت للسيطرة على كولومبيا بأكملها. وهو ما ظهر في مشهد حرقه للأموال لتدفئة ابنته أو شوقه احتراقًا من أجل أن يرى زوجته وأولاده بعد أن ابتعدوا عنه.

الصراع الذي دخله بابلوا جعلنا ندرك أن بقاءنا بجانب من نحبهم لا يقدر بأموال أو بسلطة وأن من أجلهم من الممكن أن نفعل أي شيء، فبابلوا كان على استعداد أن يحرق كولومبيا بأكملها من أجل عائلته. الدافع الثاني عند بابلو هو شعوره بأحقيته في السلطة وتخليد اسمه، فهو شاب فقير عاش طفولته في أحياء كولومبيا الفقيرة، ولكن في سن صغير استطاع أن يبني إمبراطورية، ويسيطر على أكثر من نصف تجارة المخدرات في العالم. بالإضافة إلى مساعدته للفقراء ومساهمته في تطوير أحيائهم.

ولذلك فهو يرى نفسه أفضل من الحكومة التي لم يجنِ الشعب منها سوى الفقر. وهنا يأتي السؤال، ماذا لو كنت مكان بابلو إسكوبار، بنفس الدوافع والظروف، هل كنت ستفعل مثلما فعل وتدخل في صراعات مع الجميع من أجل تخليد اسمك والحصول على السلطة وتحقيق أحلامك المتضمنة أن تكون على رأس الحكومة، أم ستكتفي أن تكون أحد الأشخاص العاديين الذين ينساهم الجميع بعد موتهم، ولكنك ستعيش حياة بها أموال لا طائل لها؟

نجح المسلسل في أن يكون له بعد إنساني، ولم يتحول إلى مجرد سرد لقصة حياة إسكوبار أو مسلسل أكشن عن تجارة المخدرات، وهذه إحدى مميزات المسلسل الكبيرة، يرصد المسلسل أيضًا الفساد السياسي الكبير في كولومبيا والحرب ضد تجارة المخدرات، والتي راح ضحيتها الكثير سواء من رجال الشرطة أو من المدنيين الأبرياء الذين قتلوا في التفجيرات التي أحدثها بابلو لتهديد الحكومة.

اقرأ/ي أيضًا: في حضرة العميد أسامة أنور عكاشة

شخصيات المسلسل الأخرى كالعميل ميرفي والعميل خافيير بينيا وجوستافو ابن عم إسكوبار كانت جيدة بشكل كبير، واستطاعوا من أدوا دورهم أن يبرزوا هذه الأدوار.

نجح مسلسل ناركوس في أن يكون له بعد إنساني، ولم يتحول لمجرد سرد حياة إسكوبار أو مسلسل أكشن عن تجارة المخدرات

المواسم القادمة من المسلسل ستكون بدون إسكوبار الذي انتهت قصته مع نهاية الموسم الثاني، ولكن ستستمر الحكاية ونرى صراع الحكومة بالتحديد العميل بيينا الذي قام بدوره الممثل الإسباني بيدرو باسكال، والعميل ميرفي الذي قام بدوره بويد هولبورك، ضد عصابة كالي التي كانت تكره بابلو بشدة ودخلت في صراع كبير معه وسيطرت على تجارة المخدرات بشكل كبير بعد موته.

فهل سيستمر المسلسل في أن يكون له أبعاد أخرى غير الأكشن والمخدرات، أم أنه سيتحول إلى مسلسل عادي في المواسم القادمة، ومجرد سرد لأحداث، هذا ما سنعرفه عند نزول الموسم الثالث في أول يناير للعام الجديد.

إذا لم تكن شاهدت المسلسل فأنصحك بشدة أن تبدأ فيه، فهو فنيًا مُبهر وينجح في جذبك من الحلقة الأولى بشدة. فعلى مستوى الإخراج أو الكتابة نجح المسلسل في أن يكون ذا إيقاع سريع لا تمل منه. ومشاهد الأكشن والمطاردات مصنوعة بدقة وحرفية شديدة تشعر وكأنك في رحلة داخل كولومبيا بواقعيتها السحرية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

صراع العروش.. حين يضعك الإبداع في مأزق

حديث الصباح والمساء: المقبرة والقابلة والمتن!