ultracheck
  1. ثقافة
  2. أفلام

أنييس فاردا: "السينما الجيدة هي سينما جيدة"

1 يونيو 2026
أنييس فاردا
أنييس فاردا (منصة إكس)
عبير داغر اسبر عبير داغر اسبر

في العام 1954، التُقطت صورة لامرأة شابة، قصيرة القامة، في السادسة والعشرين، تقف على كتفي أحد عمّال السينما لتصل إلى الكاميرا. هكذا وجدت الحل بما كان متاحًا تحت قدميها. وبعد سنوات كثيرة، في العام 2019، سيختار مهرجان كان تلك الصورة ليصنع منها ملصقه الدعائي. لم تكن تلك السيدة سوى أنييس فاردا، التي تمر ذكرى مولدها في هذا الأسبوع، حيث لم تكن سوى امرأة صغيرة الهيئة كانت تصعد نحو السينما فيلمًا فيلمًا، قبل أن يلاحظها الجميع.

الحرية تؤخذ من رقبتها لا تُشترى ولا تُستعار

السينما الجيدة هي سينما جيدة. حين أطلقت أنييس فاردا بيانها الجمالي ذاك، لم تبدُ تلك الجملة من البداهة بمكان، خاصة لجيل بدا، لوهلة، كمن يُغريه التحليل الفلسفي للفيلم، ولفلسفة الصورة ومعناها، أكثر مما تُغريه حكاية جيدة، أو كادر متقن، وجملة ذكية. إذ إن أنييس فاردا قالت جملتها من مكان حفرته امرأة عبر سنوات من التجريب؛ امرأة دخلت إلى السينما عام 1954، في زمن لم يكن ينتظر منها أن تدخل أبوابًا كبرى، ولا حتى أن تُجرّب مفاتيح جديدة لتلك الأبواب. والمفارقة أن هذه المرأة، التي سيخلّع عليها التاريخ لاحقًا لقب "عرّابة الموجة الجديدة"، لم تأتِ من المسالك والدروب التي عبرها أبناء تلك الموجة.

لم تمرّ سينما فاردا على مثقفي عصرها مرورًا سهلًا، غير مفكَّر فيه، بل عوملت سينماها بجدّية استحقتها، فقد قدّرها آلان رينيه، ورأى في عملها أندريه بازان وعدًا بسينما ستتفتح على خيارات مدهشة، بحيث لن تكون نقيصة أفلامها اختلافها عن السائد

"لم يكن نقص المعرفة عائقًا في تجربتها بل كان بابها الأوحد للحرية"

على العكس من فاردا، خرج غودار وتروفو وشابرول من صفحات دفاتر السينما، من حواشي النقد، من شغف بتحليل اللقطة واستعادة إرث هيتشكوك وهوكس. أما فاردا، فقد جاءت من ضفّة أخرى: من تاريخ الفن في مدرسة اللوفر، ومن الأدب، ومن حسّ فوتوغرافي يرى بدقة بحثًا عن قراءة للكون وتفسير له أيضًا. إذ لم تتلقّ السينما كمعرفة يجب إتقانها، بل اقتحمتها كما يقتحم الرسام بياض لوحته الأولى، مستندةً إلى خبرة في النظر، من مران الأعين المدرّبة، الباحثة عن الحدود والقواعد حتى لو لم تحترمها. وهكذا، لم يكن ما تجهله عبئًا عليها، بل اتساعًا مفتوحًا لآخره أمام براءة مخيلتها. حين أنجزت فيلمها "لا بوانت كورت" عام 1954، لم تكن قد اطّلعت على ما يكفي من القواعد السينمائية لتتهيّب مخالفتها. إذ جاء الفيلم، لتلك الأسباب تحديدًا، غريبًا في لغته، تلك الغرابة المحببة المبشرة بولادة رؤية مغايرة، تزاوج بين حداثة سردية تنهش من لبّ الأدب حكائيته، وتستقي البساطة البصرية، مستعيرة من المزاج الوثائقي قشفه ومباشرته وصفاءه أيضًا.

لم تنتظر فاردا أن يُنصفها التاريخ والرفاق

لم تمرّ سينما فاردا على مثقفي عصرها مرورًا سهلًا، غير مفكَّر فيه، بل عوملت سينماها بجدّية استحقتها، فقد قدّرها آلان رينيه، ورأى في عملها أندريه بازان وعدًا بسينما ستتفتح على خيارات مدهشة، بحيث لن تكون نقيصة أفلامها اختلافها عن السائد. مع أنه في البداية، ومع ذاك الفيلم غير المألوف، مرّ غودار وتروفو على عملها دون التفات يُذكر. لكن، كعادته، سيأتي الوقت حين يأتي، ويعيد ترتيب الوقائع، فكتب لاحقًا أن هذا الفيلم كان الشرارة الأولى للموجة الجديدة، قبل أن تتعرّف الموجة الجديدة على ذاتها واسمها بخمس سنوات. لكن فاردا لم تكن معنية بأن تكون "الأولى" في أي سجل؛ تركت ذلك للمؤرخين والنقاد في مكاتبهم وهم يخطّون مقالاتهم، وراحت تصنع أفلامها، لتبلور رؤيتها، لتكون من تشاء، بتلك الثقافة متعددة الأوجه والأمزجة والعلوم، وأكملت.

في "كليو من 5 إلى 7" (1962)، بدا، كما في كل مرة، بأنها لم تفعل الكثير: تأخذ لحظتين زمنيتين عابرتين في حياة امرأة تنتظر نتيجة فحص طبي، لكنها تحوّلهما، بإبانة محلِّلة، إلى مرآة يتجاور فيها الجسد والزمن والقلق والمدينة. يسير الفيلم في ما يشبه الزمن الحقيقي، فقد افتتن جيلها بالحقيقة، بالفعل أو "الفعلية". وهكذا، أخذت السينما معها في مجازفة شكلية لم تكن مألوفة، أن يعكس الزمن السينمائي الزمن الحقيقي في تبادلية مؤرقة لمعنى الانعكاس، ومعنى أن يمر الزمن على الشاشة كما يمر فوق جسدنا، أو في ساعات يد نحملها، كمن يحمل زمنه. لكن، من كثرة تحكمها بحرفتها، بدا خيار الواقعية ذاك على يدها وكأنه الخيار الطبيعي.

وفي "بلا سقف ولا قانون" (1985)، تقدّم شخصية عصيّة على الاحتواء: فتاة تائهة، تُستعاد عبر شهادات من صادفوها بعد موتها. لا تبرير، ولا إدانة، ولا محاولة لإغلاق المعنى. تتوالى الأفلام، والجوائز، والاعترافات بسينماها وشخصها وحضورها ذي الثقل المعرفي والثقافي، والسينمائي بالطبع.

عن المسارات المغايرة

المسار الذي اتخذته أنييس فاردا لم يكن ثمرة مدرسة فنية أو اعتناق فكري أيديولوجي، ولا نتيجة وصاية فنية طلبتها أو التحقت بظلها. منذ البداية، وحين أُغلقت الأبواب في وجه سينماها، لم تشتكِ، ولم تدّعِ المظلومية، بل فتحت بابها الخاص: أسّست شركتها "سين تامارييس" عام 1954، وعملت بميزانيات ضئيلة، لكن بحرية لم تقايض أحدًا عليها. وابتكرت ما سمّته "السينا-كتابة"، وهو مزيج متداخل بتشابكات عدة بين الأدب والسينما، مؤكدة أن الفيلم، وإن لم يكن ظلًا لنص، ولا امتدادًا لحكاية مكتوبة، فإنه كيان "يُكتب" بذاته. على المستوى السياسي، كانت فاردا نسوية بالفعل، لا بالشعارات البروتوكولية والدعائية. وقّعت مع ممثلات ومخرجات "بيان الـ343" عام 1971 دفاعًا عن الحق في الإجهاض، ووضعت النساء في مركز سردها حين كان المركز نفسه موضع نزاع. ومع ذلك، رفضت أن تُختزل في تسمية اصطلاحية تختصر وتجتزئ رحلتها، ورفضت أن تكون واحدة من مخرجات "سينما المرأة". حيث قالت، دون اعتذار، إن جنس المخرج مجرد مسألة زائفة. اتصف موقفها ذاك، للعين غير المدربة على المسارات الفكرية لفاردا، كما لو أنه عدائي. لكنها لم تقبل أن يكون علاج مسألة حقيقية كهذه في تعويض شكلي قائم على كوتا جندرية. لهذا، حين وقفت عام 2018 على درج مهرجان كان مع ثمانين امرأة يطالبن بالمساواة، لم تكن تناقض نفسها، بل تُتمّ فكرتها باتساق يُحسَد عليه. من تابع شغفها وسينماها سيدرك حتمًا، أن أهمية أناييس فاردا كمخرجة، ملهمة، صاحبة رؤية، أنها لم تكن تبحث عن مكان داخل السينما بقدر ما كانت توسّع حدودها. لهذا، ظلّت أفلامها تذكيراً دائمًا بأن الحرية تؤخذ، لا تشترى أو تستعار. 

كلمات مفتاحية
حدث ذات مرة في السينما

"حدث ذات مرة في السينما".. عن عتمة مضاءة بالحكايات

عبر العصور، لم تكن للفنون وظيفة واضحة غير قهر الواقع، تخريبه، تفكيكه، وبالتالي عدم قبوله؛ فمن يريد الامتثال لواقع لم يرتقِ مرة إلى مصاف الرغبات، فما بالك بالأحلام؟

"دعوة للعشاء"

"دعوة للعشاء".. عن غرباء يدخلون بيتًا من وهم

منذ اللحظة الأولى، يرمينا فيلم (The Invite)، وسأسميه اصطلاحيًا "دعوة للعشاء"، في قلب دوامة عاصفة من كتلة مشاعر معقدة

سوبرغيرل

رحلة انتقام تائهة عبر المجرات في "Supergirl"

يسجل أحدث أفلام مشروع عالم "دي سي" الجديد "Supergirl" من بطولة ميلي ألكوك، افتتاحية متواضعة في شباك التذاكر، وسط جدل جماهيري وانزياح عن القصة الأصلية

النبطية
سياق متصل

لبنان على صفيح متفجّر واختبار روما.. هل يدخل حزب الله الإسناد الثالث؟

يتدهور ميدان الشرق الأوسط بشكل خطير على وقع انهيار تفاهمات إسلام آباد وسويسرا، والعودة إلى الحرب بين واشنطن وطهران

كأس العالم 2026
رياضة

هل كانت إسبانيا الأفضل في كأس العالم منذ البداية؟

رسخت مباراة فرنسا قناعة أن المنتخب الإسباني كان الأفضل في كأس العالم منذ اليوم الأول، لكنه احتاج فقط إلى مباراة كبيرة ليؤكد ذلك أمام الجميع

صواريخ إيرانية
سياق متصل

أين أصبح البرنامج الصاروخي الإيراني بعد الحرب؟

تخشى الولايات المتحدة وإسرائيل البرنامج الصاروخي الإيراني أكثر من النووي أحيانًا بسبب "عدم التكافؤ الاقتصادي" الذي يخلقه في معادلة الهجوم والدفاع

كأس العالم 2026
رياضة

كيف أصبح ليونيل سكالوني مهندس نهضة الكرة الأرجنتينية؟

انتقل سكالوني من مدرب عُين اضطراريًا بسبب الأزمة المالية التي لحقت بالاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم، إلى أحد أنجح المدربين في تاريخ كأس العالم