أنا والصياد العجوز

أنا والصياد العجوز

فيث رينغولد/ أمريكا

أذكر أنني كنت صيادًا هرمًا يحلم بإمساك عروس البحر كل مرة رمى فيها شباكه. هذا هو الدور الذي كان يجبُ أن أؤديه من خلال تحريك الدمية خلف الستارة السوداء، عندما لعبت دور محرك عرائس في أحد العروض المخصصة للأطفال.

لم أدرك شغفي بهذه العرائس إلا عندما لامست يدي القطع الخشبية التي تتدلى منها  تلك الخرقة المحشوة قطنًا. قطعة تنبعث منها الروح فجأة، تتشكل أولًا رأسًا ثم جسمًا فأطرافًا، وأخيرًا خيوطًا يسري من خلالها النَّفَس. لعبت الصدفة دورها حتى أدخل هذا العالم وأكتشف جماله، يومها تغيب احد أعضاء الفرقة فلم أجد نفسي إلا وأنا ممسكة بتلك الألواح الخشبية، تجمدت مكاني متسمرة لا أدري ما أنا فاعلة. بعد بعض التوجيهات من صاحب الفرقة الذي كان أحد الواقفين خلف الستارة، تعلمت بعض الحركات التي يمكن أن تساعدني لتخطي عرض اليوم.

تضم الفرقة ثلاثة أعضاء، وكنت أنا عضوًا غير دائم فيها أؤدي بعض الأدوار لي حسب الظروف، ساعتها كنت لا أزال طالبة جامعية، أقوم ببعض الأعمال البسيطة مقابل مبلغ مالي من أجل شراء بعض المراجع.

أحب سماع صياح الأطفال وهم يتسابقون للجلوس في الصف الأول أمام قطعة القماش السوداء التي كنا نضعها حاجزًا بيننا وبين المشاهدين الصغار، حتى لا يتمكنوا من الدخول إلى كواليس عالمنا. لبست القفاز الأسود وأمسكت بتلك العصي التي تتدلى منها خيوط مربوطة بأطراف الدمية، كان المشهد لصياد عجوز يخرج يوميًا للبحر يرمي شباكه ويجلس منتظرًا في قاربه الصغير. كانت حركتي غير متجانسة مع نص الحكاية، فكثيرًا ما كنت أخطئ بين رفع اليدين وخفضهما أو الالتفات يمينًا وشمالًا، كانت يداي ترتعشان وقلبي يكاد يقفز من مكانه خوفًا ورهبة، التفت إليّ "م" فوجدته يبتسم هامسًا لي "لا تخافي كلنا مررنا بنفس الأمر".

حاولت يومها تجاوز صعوبة الموقف قدر المستطاع، وأنهي الدور بأقل الأخطاء الممكنة، مع آخر جملة نطق بها الصياد العجوز ارتميت على الكرسي لاهثة وكأنني كنت في سباق ماراثون، سمعت جلبة الأطفال خارجًا يتصايحون ويتدافعون للحصول على هداياهم ولمس عروس البحر التي كانت بين يدي "م"، بعد أن انتهى من توزيع الهدايا عاد إلى كواليس العرض منتشيًا بضحكات الأطفال "تخطيتِ الأمر ببراعة كنتِ أعند من الصياد"، قالها ثم رمى بعروس البحر في الحقيبة مع بقية الدمى. 

سحبت حقيبتي باحثة داخلها عن علبة السجائر، أخذت واحدة أشعلتها ثم شددت نفسًا عميقًا ملأت به رئتي ونفثت الدخان في شكل دوائر اتسعت كلما علت أكثر في الفضاء، أعتقد أنني أصبحت مدخنة شرهة فقط من أجل رؤية هذه الدوائر تتلاشى.

أخذت سانتياغو من فوق الطاولة. من يصدق أن تلك الدمية كانت من دقائق حية تبعث الفرح في قلوب الصغار؟ حركت العصي فتحركت معها أطراف الصياد، بادرته بالتحية فحرّك رأسه مبتسمًا. كان وجهه مسمرًا من آثار الشمس الحارقة والماء المالح، تجاعيد كثيرة على جبينه تحكي مغامراته مع البحر صديقه وعدوه في الآن نفسه، كيف يمكن لشيء بهذا الجمال أن يكون مخيفًا لهذه الدرجة. جعلته ينحني ويلقي التحية ثم ينصرف إلى الحقيبة الموضوعة على الطاولة أين سيستلقي كخرقة مع بقية شخصيات الحكاية.

كانت عروس البحر ممدة بجانبه، ابتسمت ببعض المكر يا لعبثية هذه الحياة! يقاتل هذا الصياد المسكين من أجل شيء لن يدركه أبدًا، وعندما يحيل إلى خرقة لا حياة فيها يرمى به بجانب حلمه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نهاية الأيام

مصائر مبهمة