"أنا ما زلت هُنا".. حين تصبح الديكتاتورية مشروعًا قابلًا للتجديد
2 أغسطس 2025
في زمنٍ تعاني فيه الذاكرة الجماعية من محاولات طمس مستمرة، يقدّم المخرج البرازيلي والتر ساليس عملًا استثنائيًا بعنوان I'm Still Here، مُستلهَمًا من سيرة حقيقية كتبت بقلم مارسيلو روبينز بايفا، ابن البرلماني البرازيلي المغيّب روبينز بايفا وزوجته إيونيس بايفا.
الفيلم الذي عُرض للمرة الأولى في الأول من أيلول/سبتمبر 2024 في مهرجان البندقية، ومدته 177 دقيقة، باللغة البرتغالية، سُرعان ما تجاوز التوقعات وتصدر شباك التذاكر البرازيلي، محققًا إيرادات تجاوزت 36 مليون دولار عالميًا. نجاحه لم يكن تجاريًا فحسب، بل حظي بإشادة نقدية واسعة دفعت به إلى واجهة الجوائز الدولية، وأعاد تسليط الضوء على واحدة من أكثر الصفحات سوداوية في تاريخ أميركا اللاتينية الحديث.
خلفية تاريخية: الديكتاتورية العسكرية في البرازيل (1964–1985)
في عام 1964، شهدت البرازيل انقلابًا عسكريًا أطاح بالرئيس المنتخب جواو غولار، وأدى إلى بداية حكم عسكري استبدادي استمر أكثر من 21 عامًا. هذه المرحلة تم خلالها إلغاء الأحزاب السياسية، وفرض رقابة صارمة على وسائل الإعلام، بالإضافة إلى قمع المعارضة السياسية بشكل واسع. اعتُقل الكثير من الناشطين، وتعرضوا للتعذيب والاختفاء القسري، في محاولة لقمع أي صوت معارض للنظام.
حكمت الديكتاتورية العسكرية البرازيل بقوة من خلال تحالف بين الجيش والمؤسسات الأخرى، مدعومًا جزئيًا من القوى الغربية في سياق الحرب الباردة. ومع مرور الوقت، تصاعدت الضغوط الداخلية والخارجية على النظام، وسط تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. في عام 1985، انتهى هذا العهد حين تم نقل السلطة إلى حكومة مدنية بقيادة جوزيه سارني، معلنة بذلك عودة الديمقراطية إلى البلاد.
حكاية غياب لا ينتهي
يرتكز الفيلم إلى قصة روبينز بايفا، النائب المعارض للديكتاتورية العسكرية، والذي تعرّض للاعتقال القسري عام 1971 من منزله في ريو دي جانيرو، قبل أن يختفي دون أثر. لم يُعثر على جثته، ولم تقدَّم أي رواية رسمية موثوقة بشأن مصيره. وكما حدث مع آلاف النشطاء في تلك الحقبة، تحوّلبايفا إلى رقم في سجل الغياب القسري.
يرتكز الفيلم إلى قصة روبينز بايفا، النائب المعارض للديكتاتورية العسكرية، والذي تعرّض للاعتقال القسري عام 1971 من منزله في ريو دي جانيرو، قبل أن يختفي دون أثر
لكن الكاميرا لا تلاحق الغائب بل من تبقّى بعده. البطلة في هذه السردية هي زوجته إيونيس بايفا، التي أدّت دورها الممثلة البرازيلية فرناندا توريس، فيما أدت فيرناندا مونتينيغرو شخصية إيونيس في شيخوختها. يقود الفيلم المشاهد في رحلة مؤلمة وواقعية عن امرأة تُجبر على أن تكون أمًّا، وأبًا، ومحامية، ومحاربة، وكل ذلك وسط صمت رسمي مطبق، ورفض كامل للاعتراف أو الاعتذار من قبل السُلطة الحاكمة.
استغلال النظام لصورة الحزن: قمعٌ بنعومة
أمام مصور من صحيفة محلية برازيلية، طلب المصور أن تبدو العائلة حزينة أثناء التقاطه للصورة، كان يهدف لعرضهم وفقًا للرواية الرسمية: "أشخاص تأثروا، ولكن النظام يحترم مشاعرهم وليس له يد في القضية". هذا التلوين الإعلاني يخدم النظام لأن الحزن المدبَّر يُركز على الجانب الإنساني فقط ويُبعد الالتفات إلى المسؤول الحقيقي، أي عملية الاختفاء القسري المستبد التي اختطفت رب الأسرة وزرعت الصمت القسري بين الناس.
ولا يخجل النظام من استخدام حزن العائلة لمصلحته. فحين تظهر الأم وأطفالها باكين في الصحف أو على التلفزيون، سيبدو وكأن النظام يسمح لهم بالتعبير. فغالبًا ما يستفيد النظام من صورة الحزن التي تظهرها العائلات والضحايا لتحقيق أهداف سياسية ونفسية، محاولًا تصوير نفسه كجهة تمنح مساحة للحداد، حتى وإن كان ذلك مجرد واجهة تخفي قسوة وقمع.
طلب المصور أن تبدو العائلة حزينة أثناء التقاطه للصورة، كان يهدف لعرضهم وفقًا للرواية الرسمية
علاوة على ذلك، يُستخدم الحزن العلني، لترسيخ شعور الإحباط واليأس في المجتمع، مما يثني الأفراد عن المطالبة بالحقوق أو المقاومة. كما يعمل النظام على إلهاء الرأي العام عن جذور المشكلة الحقيقية، فتُعرض القصص الإنسانية بطريقة تجعل القضية تبدو منفصلة عن المسؤولية السياسية والقانونية للنظام.
ومن خلال التحكم في نوعية الصورة الإعلامية المبثوثة للجماهير، يتحكم النظام في الرؤية الجماعية، محولًا الضحايا إلى "أبطال صامتين" بدلاً من أن يكونوا شهودًا على الانتهاكات التي تستوجب المحاسبة، وبالتالي يضمن استمرار هيمنته بهدوء و"نعومة". هكذا يحاول النظام أن يجمّل صورته: لا يمنع الناس من الحزن، بل "يتفهم" وجعهم. لكنه في الحقيقة لا يسمح لهم بالعدالة أو الحقيقة، بل فقط بالدموع.
أما الأم إيونيس بايفا، فقد رفضت هذا النمط المزيف من التصوير. إصرارها على الابتسام في وجه الكاميرا هو إعلان تحدٍ: "نحن لا ننكسر، حتى وإن لم نخرج منتصرين". هذه الابتسامة لا تُظهر موافقة، بل نوع من المقاومة الصامتة، وطلبها من أطفالها أن يبتسموا، لم يكن إنكارًا للألم، بل رسالة للرأي للنظام والرأي العام: رغم الغياب والظلم، نحن أقوياء ولن ننكسر. لقد أرادت أن تقول إن هذه الحكاية ليست فقط قصة حزن، بل أيضًا قصة كرامة وصمود.
حين يصبح الصمت بطولة: ماذا يعلّمنا الفيلم عن مقاومة بلا شعارات؟
قوّة الفيلم تكمن في تعريته لبطولات الضجيج، وفي تمجيده لبطولة الصمت. فبطلة الفيلم تسلك طريق المحاكم، تطرق أبواب المؤسسات، تربي أطفالها على قيم العدالة دون أن تسمح للثأر بأن يلوث رسالتها. إنها تزرع بذور المقاومة داخل النظام نفسه الذي دمّر حياتها. وحين تُستدعى يونيشي للإدلاء بشهادتها أمام المحكمة، تجلس بثبات مهيب، تتحدث بصوت منخفض وواثق، تسرد تفاصيل الغياب كمن يزرع حقلًا من الأدلة دون أن ترفّ لها عين. لا خطاب ناري. لا دموع. لكنها اللحظة التي تزلزل فيها كيان الصمت الرسمي الطويل.
الأم إيونيس بايفا، فقد رفضت هذا النمط المزيف من التصوير. إصرارها على الابتسام في وجه الكاميرا هو إعلان تحدٍ
ذاكرة من دون رفات: كيف يُعاد بناء المعنى عندما يُمحى الدليل؟
حين تختفي الجثة، لا يُمحى الجسد فحسب، بل يُهدَّد المعنى. ما الذي يمكن أن تفعله أسرة مؤلفة من أم وخمسة أطفال بعد اختفاء قسري للأب في زمن الديكتاتورية، دون أي أثر مادي له؟ لا قبر، لا شهادة وفاة، لا اعتراف رسمي بالجريمة. وهكذا تصبح الذاكرة سلاحًا أخلاقيًا في مواجهة المحو المنظّم. فالذاكرة هنا ليست مسكن للألم، بل فعل مقاومة مستمر ضد اختفاء الدليل، ضد محاولة السلطة طمس آثار الجريمة.
يشارك الأطفال أيضًا في صناعة سرديتهم، كل بطريقته، من خلال الحكايات، الصور، المراسلات القديمة، واللغة التي تصرّ على التسمية رغم الإنكار الرسمي. تمامًا كما فعلت أمهات ساحة أيار/مايو في الأرجنتين، أو أمهات المختفين قسرًا في سوريا ولبنان، اللواتي حملن صور أبنائهن في وجه النسيان، رافضات طيّ الصفحة.
فالذاكرة هنا ليست مسكن للألم، بل فعل مقاومة مستمر ضد اختفاء الدليل، ضد محاولة السلطة طمس آثار الجريمة
وفي أحد أكثر مشاهد الفيلم كثافة، نجد إيونيس ترتّب أغراض زوجها الغائب: قميصه، نظاراته، دفتر ملاحظاته، وتضعها بعناية في خزانة مغلقة. ليس لأنها لا تقبل غيابه، بل لأنها ترفض أن تنسى مَن كان. في لحظة عادية جدًا، تصرّ على إعادة المعنى إلى ما حاولت الدولة المستبدة محوه. في هذا السياق، تُصبح الذاكرة مساحة للعدالة، تُدار فيها المعركة الرمزية بعد تغييب الجثة.
المرأة كسلطة بديلة: حين غابت الدولة وحضر قلب الأم
في ظل اختفاء الأب القسري، وسقوط الدولة في وحل القمع العسكري، لم يبقَ من مؤسسات الحماية والرعاية سوى قلب الأم. تتحول الأم إيونيس إلى كيان بديل عن الدولة: تؤمن الحماية لأطفالها، ترسم حدودهم الأخلاقية، وتعيد بناء معنى العدل بعيدًا عن المحاكم. لا تملك شرعية دستورية، لكنها تملك شرعية الحب، وهذا يكفي ليمنحها سلطة.
في أحد المشاهد الأكثر تأثيرًا، تجلس إيونيس على مائدة الطعام مع أطفالها، تسرد عليهم ما حدث للأب دون أن تزرع في قلوبهم الكراهية. لا ترفع صوتها، لا تحرّض، بل تشرح: "والدكم لم يرتكب خطأ، هو فقط آمن بشيء لم تحتمله الدولة". في هذا المشهد، ينهار الحقد أمام حكمة أمٍ تصوغ قانونًا أخلاقيًا من لا شيء، وتربي جيلًا كاملًا على العدالة بدل الانتقام. هكذا، يقف صبر الزوجة والأممقابل عنف العسكر. دولة مسلّحة لم تستطع إخماد صوت أمٍ تحملت الفراغ، وانتظرت بلا يقين، ولم تنكسر. هُنا، البطولة ليست في المواجهة، بل في البقاء.
في أحد أكثر المشاهد كثافة وهدوءًا في الفيلم، يجلس أبناء روبينز متأملين جرحًا لم يمضِ، بل اعتادوا التعايش معه كأنّه فراغ لا يمكن ملؤه. يسأل الأخ أخته: "متى دفنتِ أبي؟"، فتجيبه: "حين تركنا منزلنا الكبير وانتقلنا للعيش بعيدًا". إنها تجربة أطفال تفسخت حياتهم بقرار تعسفي أقصى رأس الأسرة. الجرح هنا كينونة توزعت على الأبناء بطرق مختلفة: الصمت، الغضب، الحنين، والبحث العقيم عن جواب.
ما بعد الاختفاء: ليس كل فيلم عن الماضي هو فيلم تاريخي
قد يُخطئ من يظن أن هذا الفيلم يوثّق مجرد قصة وقعت في زمن الديكتاتورية وانتهت. فهو لا يعيد الماضي من باب الحنين أو التأريخ، بل من باب التحذير للمستقبل. فالحبكة الزمنية في الفيلم لا تُعامل القصة كحدث منتهي، بل كندبة تذكّر بأن الخطر لم ينتهِ، بل ينتظر غفلةً جديدة.
الفيلم يُشعر المشاهد أن أدوات الاستبداد، من التعتيم إلى الإنكار إلى صمت المجتمع، ما زالت تعمل. صحيح أن الزوج يختفي، ويستمر الغياب، لكن الأخطر هو أن تغيب الحقيقة معه. ومن دون عدالة، يصبح الاختفاء قابلًا للتكرار. وهنا يوجّه الفيلم سؤالًا مبطنًا إلى كل من يشاهده: هل تعرف من سيُختفي غدًا إذا تجاهلت القضية اليوم؟ بهذا المعنى، لا يتعامل الفيلم مع الاستبداد كفصلٍ مغلق في التاريخ، بل كقابليةٍ متجددة داخل أي نظام يتواطأ فيه الصمت مع النسيان. في النهاية، فيلم "أنا ما زلت هُنا" ليس عن تجربة الفقد، بل عن من بقي ليشهد، ويذكّر، ويحذّر.
فهو لا يعيد الماضي من باب الحنين أو التأريخ، بل من باب التحذير للمستقبل
لماذا يجب ألا تموت الديكتاتورية في الأفلام؟
رغم أن النظام العسكري في البرازيل انتهى منذ عقود، إلا أن إنتاج أفلام مثل "أنا ما زلت هنا" يظل ضرورة ملحّة. هذه الأعمال السينمائية ليست فقط توثيقًا تاريخيًا، بل تذكيرًا حيويًا بأن القمع والاستبداد ليسا جزءًا من الماضي فقط، بل مخاطر قائمة تهدد حاضر وأجيال المستقبل. الفيلم يحفر في الذاكرة الجماعية ليكشف كيف يمكن للأنظمة السلطوية أن تعود بقناع جديد إذا ما غاب الوعي والمساءلة.
علاوة على ذلك، تتيح هذه الأفلام للضحايا وأسرهم منصّة للحديث، فتمنحهم حق التعبير الذي سلبه منهم النظام. هي أيضًا جسرٌ ثقافي وإنساني يربط بين الأجيال، ويزرع في الجمهور حسّ المسؤولية الجماعية للحِفاظ على الديمقراطية والحقوق. ففي عالم يعيد فيه التاريخ نفسه في مناطق كثيرة، تبقى هذه الأفلام بمثابة تحذير بصريّ ووجدانيّ: حتى عندما يختفي الديكتاتور، لا تختفي معاناة الضحايا ولا خطر العودة إلى الظلم والاستبداد.












