أنا الخوف

أنا الخوف

عمل للفنان تيسير البطينجي (فيسبوك)

لن أُطيل عليكم، فمذهبي الاختصار ما استطعتُ إليه سبيلًا، ليس حبًّا بكم! يمينًا لا، بل لأنني من ذاك النوع الضجور. هاكم بعضًا من اعترافات المخدة، أوتعرفون ابتداءً ما هي؟ إنها همهمات ما قبل النوم، ولأنني أخاف النور كخفاش لا يمارس نشاطه وصيده وكينونته إلا في الظلام، فها أنا بكل تواضع أضع بين أيديكم سطوري ليس ما قبل النوم فحسب، لا بل ما قبل النومة الكُبرى التي تتمادى سلطتها بترهيبي دقيقة بعد أخرى، تتفرس روحي وبمكرٍ تحاول انتزاعها مني متى جفلت، كم شائكة هذه المسألة بيننا! فلا قاضٍ رؤوف يحسم خلاف الملكية هذه، وها أنا، منذ أحست مني اللعينة ببعض خوف، انزلقتُ معها في دورةٍ من الكر والفر المرهق جدًا:

نعم، أيها الكون الشاسع، أنا النقطة التافهة فيك: عاجز ولا خجل! وصرير صوتي الداخلي يطاردني... أنا الخوف! وكل ما فيّ يرتجف. أريد مرسى آمنًا بغية اعتزال مهنة الإبحار، فالقبطان في قصتنا، أعني قصتي، يختصر جزعه بظنونه المتلاحقة كرؤى: الليل الطويل المُقلق، الوحدة المرعبة، والحب مسار قد ينتهي باحتمال الفقد:

هذا العالم يلتهمني، سأعتزل كل شيء وأختفي كـ"الراهب الذي باع سيارته الفيراري،" هذا صحيح سأصير راهبًا، ناسكًا أو كوخًا في جبال الأناضول يكسوه الثلج المتساقط برشاقة... سأبيع حصتي من الحياة وأختفي في زهرة غير وجلة من التفتح، حينئذ سيتسنى لي أن أكون رحيقًا في بطن النحلات، سأصير شيئًا حلوًا طوال الوقت، مفيدًا على الأقل لا يثقله عجز ولا تلاحقه أصداء حيرة، ثم أُعجن برفق أو شدة في أصناف الحلويات التي قد يأكلها شاعر يعرف ذائقته، فأُثير الهامه بسطر شعري يُقرأ حتى الفناء.

أنا الذي يرتهنه محبسين: لحمه ودمه، أليس بينكم من يُطالب بلحمي كاليهودي في مسرحية تاجر البندقية؟ لكنني كاذب أدّعي بسذاجة مراهق بطولات ملحمية يتسع لها الخيال فقط ذلك أنني ببساطة أخاف الموت؛ أركن السيارة في الخارج خوفًا من احتمال الموت في حادث سيارة، ولا أشرب الدخان خوفًا من احتمال الموت من سرطان الرئة، وأنكب على رؤية انعكاساتي يوميًا في المرآة متحسسًا تجاعيد وجهي خائفًا من الشيبة. هذا الثلاثيني "القوي" يخاف كطفلٍ صغير وضعته أمه مساءً في سريره لينام، الفارق بيننا: أنه يجد من يحتضنه وأنا ذراعي خاويتين كساحة مدينة يجتاحها الخراب والسكون.

أنا خائف، فهلّا يخبرني أحد أنني لن أموت... اليوم على الأقل؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

أمام طعنات كل هذه السكاكين

رؤية الأشياء بعين أخرى

:دلالات