أمير أمويّ في مستشفى هداسا

أمير أمويّ في مستشفى هداسا

تمثال صقر قريش في إسبانيا

يعرف جزء كبير منكم قصة صقر قرش، الطفل الأموي الذي كبر على نبوءة تقول إنه سيؤسس دولة بني أمية في الأندلس بعد أن تنتهي في دمشق، وللسيناريست الفلسطيني وليد سيف دين كبير على معظم الذين يعرفون هذه القصة، بعد أن حولها إلى مسلسل بالتعاون مع المخرج السوري المعروف حاتم علي في عام 2002. 

يكبر الطفل الأموي المبشر بالأندلس يتيمًا، لكن حلمه يعمرّ أكثر فأكثر، حتى تسقط دمشق فعلًا في شبابه، بعد أن استطاع المسوِّدة، أو العباسيون، أخذ بيعة الناس وتطوير قوتهم في مناطق العراق وشرقها. يصير رهان الأمير الأموي أن يظل حيًا، خاصة بعد قتل العباسيين لمعظم إخوته وأهله. ويدخل في مطاردات طويلة هاربًا من دمشق إلى جنوب سوريا أو فلسطين، إلى مصر حتى يصل إلى المغرب. ويبدأ بتحقيق حلمه تدريجيًا ببناء دولته الموعودة في الأندلس. 

لكن القصة التي تعنينا حصلت أثناء المطاردة، وأثناء هرب الأمير الأموي في الصحاري والجبال والبراري. تبدأ قصتنا عندما أصيب الأمير الأموي (ومؤسس دولة بني أمية في الأندلس فيما بعد) عبد الرحمن الداخل، برمد في عينيه، بينما كان مطاردًا من جيش الدولة العباسية التي انتصرت في دمشق، وقد أصر العباسيون على قتل كل أموي يعثرون عليه. 

كان العلاج الوحيد للرمد، وهو مرض خطير يصيب العيون فيهددها، أن يحشر الرجل في الظلام، ويحرم من النور، وفوق ذلك أن تربط على عينيه قماشة سوداء. وكانت القماشة السوداء هي راية بني العباس. صار لزامًا على البطل الحالم، أن يحجب عينيه براية الأعداء، حتى يرى حلمه مجددًا. 

أجبر الأمير الأموي الشارد، الذي يضع نصب عينيه حلمًا بتجديد دولة أجداده في أقصى المغرب، أجبر على وضع رمز أعدائه وأعداء أجداده على عينيه، فهذا علاجه الوحيد. 

في سنوات فتور الانتفاضة الثانية، أو انتهائها ربما، أوصى لي أطباء رام الله بزيارة مستشفى هداسا الإسرائيلي، بعد أن عجزوا عن تشخيص مشاكل عندي في الأنف، وقرر الأطباء الإسرائيليون أن علي إجراء عملية جيوب بعد فترة. خفت من فكرة العلاج في مستشفى إسرائيلي، وصارت تجيء في خيالي أفكار غريبة، عن أطباء يهجمون علي ليلًا ويعصبون عيني بقطعة قماش زرقاء. صرت أتخيل نفسي أميرًا أمويًا شريدًا، عثر عليه، وتم ربطه في مستشفى إسرائيليّ. 

صرت أخاف من فكرة المرض كلها، ومن أن المرض يجبرنا على اللجوء إلى الأعداء دائمًا. وزاد هذا الخوف أيام إغلاقات الطرق. المدينة لا تبعد كثيرًا عن قريتنا، 25 دقيقة بالسيارة تقريبًا، لكن حواجز كثيرة تفصل بينها وبيننا. وكل حالة إسعاف تحتاج إلى ساعات حتى تصل إلى أقرب مستشفى. الحل الوحيد كان واضحًا، لكنه أقلقني في مراهقتي لفترات طويلة. كان سكان القرية، وما زالوا عندما تكون الحالة طارئة جدًا، يدقون أبواب مستوطنة حلميش التي عمّرت على أراضي القرية، فيطلب حراس المستوطنة من الطبيب الإسرائيلي الموجود دائمًا هناك، الحضور بسرعة، ويتم إعطاء المرضى علاجات ميدانية سريعة، حتى يستطيع الوصول إلى المستشفى. 

خفت من فكرة العلاج على أيدي أطباء إسرائيليين، فصرت أحاول قدر الإمكان تجنب كل الأمراض، ومسبباتها، وصرت ألتزم في بعض أوقات القلق المضاعف، بسلوك صحي كامل. خاصة في الفترة التي تجيء بعد اضطرار أحدهم إلى العلاج في المستوطنة. 

حتى مع الأحاديث الكثيرة التي تتكرر على ألسنة الناس، عن إنسانية الأطباء الإسرائيليين، وتعاملهم الأخلاقي مع الفلسطينيين. ظلت للطبيب الإسرائيلي في ذهني حتى الآن، صورة تشبه صورة الجندي، وظل عندي خوف من الطبيب مثل الخوف من الجندي أو أكثر ربما. صورة مرتبطة دائمًا بأطباء يحاصرونني ويغلقون عيني بقطعة قماش زرقاء، عليها نجمة العلم الإسرائيلي. 

اقرأ/ أيضًا:

رسالة متأخرة

السيَّدَة شيكيبو