أمن الطاقة.. ضوءٌ على أزمة مضيق هرمز

أمن الطاقة.. ضوءٌ على أزمة مضيق هرمز

قوارب عسكرية إيرانية في مضيق هرمز (أ.ف.ب)

أولًا: توطئة

 يعد الأمن من بين أهم الضرورات التي اهتم بها الإنسان، وإذا ما حددنا معناه فهو من الناحية اللغوية يعني: الطمأنينة والسكينة وغياب الخوف، مما يدل على أنه نقيض للخوف. أما من الناحية الاصطلاحية فهو يعني حسبما يرى أرنولد ويلفر: من وجهة النظر الذاتية، عدم وجود تهديد للقيم المكتسبة، أما من وجهة النظر الموضوعية فيعني عدم وجود مخاوف من تعرض هذه القيم للخطر، ولـ باري بوزان وجهةُ نظرٍ أخرى حول مفهوم الأمن وهي: في حالة الأمن يكون النقاش دائرًا على السعي للتحرر من التهديد.

مع التطور والتوسع في المجتمعات توسع مفهوم الأمن وتعقد، انطلاقًا من الأمن الفردي إلى العسكري وصولًا لمفهوم أمن الطاقة

أما إذا كان النقاش في اطار النظام الدولي، فإن الأمن يتعلق بقدرة الدول والمجتمعات على صون هويتها المستقلة وتماسكها العملي (1).

اقرأ/ي أيضًا: هل يودع العرب "زمن النفط الجميل"؟

ومع التطور الذي شهدته مناح الحياة، والتوسع في المجتمعات، توسع معها وتعقد مفهوم الأمن؛ إذ لم يعد مقتصرًا على الأمن الفردي أو الذاتي، بل وصل إلى مرحلة الأمن العسكري، أو الإستراتيجي الجماعي الذي يهدف إلى تأمين الوسائل الضرورية التي تحفظ أمن الجماعة، حتى إن الإستراتيجية في بداياتها اقتصرت على جزئية تحقيق الانتصار في الحرب، والتي يعرفها كلاوزفيتز على أنها فن استخدام المعارك لتحقيق هدف الحرب، وكذلك يعرفها تونغ بأنها دراسة قوانين الحرب ككل، وأيضًا يعرفها لتيريه على إنها فن إعداد خطة الحرب، وتوجيه الجيش في المناطق الحاسمة، والتعرف على النقاط التي يجب تحشيد أكبر عدد من القطعات فيها لضمان النجاح في المعارك (2).

أيضًا، صار الأمن أكثر شموليةً، لتدخل ما يطلق عليها في الأدبيات السياسية جوانب الأمن السياسي، والأمن الاقتصادي، والأمن المجتمعي، والأمن البيئي، بالتالي الأمن العسكري أصبح جزء من كل، لا يتحقق إلا بتحقق جميع الأجزاء (2). وكذلك أخذ يطلق عليه بالأمن المستدام الذي يعني الأمن القومي، والأمن الإنساني، والأمن الجماعي، فأما الأول يقصد به سلامة الدولة، والثاني يعنى منه تحقيق رفاه الفرد، وسلامته، أما الثالث فيقصد به أمن العالم أجمع (4).

ومن ثم، دخل مفهوم جديد للأمن يعد جزءًا مكملًا للأجزاء الأخرى منه، ألا وهو أمن الطاقة، الذي تشير المصادر إلى أن بداياته ترجع إلى مدة الحرب العالمية الأولى، وتحديدًا إلى القرار الذي اتخذه حينها اللورد ونستون تشرشل أيام ما كان متقلدًا لمنصب أمير البحرية البريطانية، والذي تضمن تحويل تشغيل السفن والبواخر من الفحم إلى النفط، رغبة منه في جعلها أكثر سرعة وحركة من ذي قبل، وبما أن أغلب مصادر الطاقة كانت، وما تزال تتركز في منطقة الخليج العربي الخليج الفارسي كما هو مثبت لدى الأمم المتحدة، لذا أخذت القوى الكبرى وقتئذ على عاتقها تأمين طرق، وخطوط نقل الطاقة لا سيما البحرية بما أن غالبية مصادر الطاقة تنقل عن طريق البواخر (5)، وهنا لدينا أهم الممرات التي تمر عبرها موارد الطاقة، والتي تسمى بنقاط الاختناق الإستراتيجي، ونقصد: قناة السويس، ومضيق هرمز، ومضيق باب المندب، ومضيق ملقا (6).

وإذا ما أردنا تعريفه فهو حسب تشرشل يكمن في التنوع والتنوع وحده، وهو أول من عرف أمن الطاقة، وكذلك يُنظر إليه على أنه أمن العرض، أي ما هو معروض في السوق من النفط، سواءً تأمين نقله، وتوفيره بكميات تغطي السوق، أو ضمان أن تكون الأسعار مقبولة، ومتاحة للجميع (7).

كذلك هنالك تعريف آخر لأمن الطاقة الذي يرتكز على ضرورة تجنب وقوع أزمات الطاقة، والأخيرة تعني: الموقف الذي تعاني منه دولة ما من نقص في العرض من مصادر الطاقة، وهو ما يتزامن مع ارتفاع سريع في الأسعار بشكل يهدد الأمن القومي والاقتصادي (8).

وكانت أبرز الأزمات التي أثرت على سوق الطاقة، هي أزمة حرب 1973، تلك التي دارت بين مصر وسوريا من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، الحرب التي قررت فيها الدول العربية استخدام النفط كوسيلة ضغط اتجاه الدول الداعم لإسرائيل، وتحديدًا دول المعسكر الغربي، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية؛ ذلك عبر قطع الإمدادات النفطية باتجاه هذه الدول، مما أثر سلبًا على الماكنة الاقتصادية، وجل مناحِ الحياة فيها؛ بسبب اعتمادها الكبير على النفط الذي يحرك عجلة اقتصاداتها، إذ تسببت هذه الأزمة بتوقف تدفق 2.6 مليون برميل يوميًا لمدة ستة أشهر (9).

ليعمل بعد هذه الحادثة صانع القرار الأمريكي على وضع الخطط اللازمة، التي تحول دون تكرار مثل هكذا أزمات، أو قراراتٍ قد يتخذها العرب فيما يخص اللعب على وتر سلاح النفط، للتأثير على المصالح الغربية، ولذلك أصدر ما يطلق عليه في السياسة الأمريكية مبدأ جيمي كارتر الرئيس الأمريكي الأسبق، والذي يعني باختصار: أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تتوانَ عن اللجوء للقوة العسكرية في منطقة الخليج، إذا ما تعرضت مصالحها القومية للخطر، للحيلولة دون وقوع ما يعرض أمن الطاقة للخطر. 

وقد تم اللجوء حرفيًا إلى هذا المبدأ، مع العراق حين غزا الكويت سنة 1990، ذلك عبر الحملة العسكرية التي قادتها، والتي أسميت في حينها بـ عاصفة الصحراء؛ لما مثله هذا الغزو من تهديدات جدية للمصالح الأمريكية في هذه المنطقة.

ولأمن الطاقة رؤيتان مختلفتان بين الدول المصدرة للطاقة، وبين المستوردة لها، فأما المصدرة، لها رؤية تتلخص في ضمان: وصول تدفقات الطاقة إلى الأسواق العالمية بشكلٍ آمنٍ، وضرورة عدم تعرض بواخرها في البحار، والمحيطات إلى عمليات القرصنة، وضرورة الحصول على الأسعار المناسبة بما يضمن لها استقرارها الاقتصادي، لا سيما تلك الدول التي تعتمد بشكل شبه تام على الموارد التي تأتيها من بيعها للنفط، والغاز الطبيعي، وهنا تعد الدول النفطية العربية أبرز مثالٍ على ذلك، وضمان الاستقرار الداخلي كي لا تتعرض أبار النفط والمنشآت المرتبطة بها لخطر التخريب، والعمل قدر الإمكان على استخدام سلاح الطاقة كوسيلة من وسائل تحقيق غاياتها السياسية على المستوى الخارجي فضلًا عن الداخلي، سواءٌ عبر اللجوء إلى دبلوماسية الدولار كتلك التي تتبعها المملكة العربية السعودية، من أجل كسب مزيدًا من الأصدقاء، وكذلك لضرب الخصوم، أما داخليًا فغالبًا ما تلجأ هذه الدول لاستخدم ريع الطاقة، لكسب ولاء مواطنيها عبر توزيع مواردها على أكبر عدد ممكن من الشعب، ذلك عن طريق التوظيف في القطاع العام، وشراء الذمم، وتوزيع الهبات، والمنافع الاجتماعية، وبذا تضمن بشكلٍ كبير عدم حصول الاضطرابات على مستوى الجبهة الداخلية.

أما المستهلكة فهي: تتشارك مع تلك الدول التي تصدر الطاقة في مسألة ضمان أمن طرق نقلها، زيادةً على ضمان الاستقرار الداخلي لدول المصدر، إلا أنهما يفترقان في قضايا أخرى أبرزها: تسعَ الدول المستهلكة، ولا سيما القوى الصناعية الكبرى إلى الحيلولة دون ارتفاع أسعار الطاقة إلى مستويات خطيرة، مما يؤثر على حركة اقتصادها، والعمل على ضمان عدم وصول أنظمة سياسية في دول المصدر، تحمل توجهات معادية للقوى العالمية المتنفذة، إذ وفي مثل هذه الحالة ربما تلجأ إلى سلاح الطاقة لابتزازها، من أجل تحقيق غاياتها السياسية، ولنا فيما حصل إبان حرب 1973 خيرُ دليلٍ على ذلك، ومن ثم العمل على استمرار ضعفها، وأن لا تكون بالقوة التي تمكنها من تبني سياسات أكثر استقلالية تؤثر على مصالحها، أيضًا العمل على استتباب الأمن في المناطق التي تضم في باطنها هذه الموارد، وضمان عدم تعرضها لأية مشكلات تؤدي إلى توقف تصديرها، وهنا مثلًا كمنطقة الخليج، ومنطقة بحر قزوين، وأسيا الوسطى، وكذلك في بعض الدول الإفريقية الغنية بالطاقة...، والعمل على عدم سيطرة جهات معادية على هذه المناطق الإستراتيجية، التي ربما تتبنَ سياسات مخالفة لتوجهات القوى العالمية الكبرى، مما يجعلها مصادر خطر محتملة لمصالحها الإستراتيجية فيها، فضلًا عن العمل على تنويع مصادر استهلاك الطاقة، وعدم الاقتصار على دولة، أو منطقة جغرافية معينة، زيادةً على ضرورة بناء خزين إستراتيجي نفطي تحسبًا لأية أزمة ربما تؤدي إلى توقف إمداداته.

ثانيًا: أزمة مضيق هرمز

يعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية على المستوى العالمي، والتي أتينا على ذكرها سابقًا، وتتأتى أهميته من كونه يقع في واحدة من أهم المناطق الإستراتيجية عالميًا إن لم تكن أهمها، ولم تقتصر هذه الأهمية على زمن معين، وإنما تمتد منذ أمد بعيد، وإلى يومنا هذا، ولن تتضاءل في المستقبل؛ لكونها تعد الرابط بين قارات العالم القديم (أسيا، أوربا، أفريقيا)، فهي كانت قديمًا وما تزال جسرًا بريًا، وبحريًا رابطًا بين هذه القارات، ومن ثم دخل حديثًا مع بدايات القرن العشرين متغير الطيران، ليضيف إليها أهمية أخرى زيادة على ما تتمتع به من مميزات برية، وبحرية، لذلك نجد أن جل القوى المهيمنة تتنافس، وتتصارع عليها أملًا في تحقيق السيطرة عليها؛ لما لذلك من مزايا إستراتيجية تتحصل عليها القوة التي تضع يدها عليها، كما هو حال الولايات المتحدة الأمريكية في وقتنا الحاضر. 

وزيادة على أهميتها الجغرافية، تضم هذه المنطقة في باطنها ثروات طبيعية هائلة أهما النفط، والغاز الطبيعي، إذ تهيمن على 60% من حجم الاحتياطي العالمي النفطي، كما وتضم دولتان من أبرز الدول المهيمنة على مستوى ثروة الغاز الطبيعي، وهما إيران، وقطر، إذ تمتلك إيران حوالي 1200 ترليون قدم مكعب، لتحل ثانيًا بعد روسيا الاتحادية، وقطر تمتلك احتياطيًا يقع ما بين 800 و900 ترليون قدم مكعب، لتحل في المركز الثالث عالميًا من ناحية احتياطي الغاز الطبيعي (10)، زيادةً على ما تمتلكانه من احتياطيٍ نفطيٍ كبيرٍ، وهذا لا يعني أن بقية دول الخليج العربي لا تمتلك غازًا طبيعيًا، بيد إننا ركزنا على أهمها من هذه الناحية.

أية أزمة تعصف بالمنطقة ستؤثر سلبًا على الحركة الملاحية في مضيق هرمز، وهذا يؤدي بدوره إلى التأثير على سوق الطاقة

لذلك، امتلك مضيق هرمز أهميته مما أسلفنا، إذ يعد ممرًا مهمًا للطاقة التي تصدرها دول المنطقة نحو السوق العالمية، حقيقة تؤكدها الأرقام، فهو تمر عبره 18.5 مليون برميل نفط في اليوم الواحد هذا في سنة 2016، أما في عام 2018، بلغ الرقم 17.4 مليون برميل باليوم الواحد، أي ما يعادل 30% من حجم النفط المشحون عالميًا عبر البحار والمحيطات، وهذه نسبة كبيرة بالنسبة لمضيق واحد فقط، لتؤكد أهميته المحضة دون أدنى شك في ذلك.

اقرأ/ي أيضًا: "لا حرب.. لا سلام".. عمليات الفجيرة تفشل في إشعال الحرب بالشرق الأوسط 

ومن ثم فإن 80% من النفط العراقي، والسعودي، والكويتي، والإماراتي يمر عبره (11)، أما النفط القطري فهو بنسبة 100% يمر عبر هذا المضيق (12)، كما وتعبره من 20 لـ30 ناقلة للنفط يوميًا (13)، كذلك فإنه يعد الممر المؤدي إلى ثمان دولٍ في المنطقة وهي: دول مجلس التعاون الخليجي (ست دولٍ)، والعراق، وإيران. 

هذا بالإضافة إلى أنه المنفذ البحري الوحيد لدول العراق، الكويت، قطر، والبحرين، حتى بقية الدول الأربع، فهي تعتمد عليه بشكل كبير في تبادلاتها الاقتصادية مع بقية دول العالم، كما إن دولة مثل اليابان تعتمد على مضيق هرمز في وصول 85% من النفط الذي تستورده من الخارج، أما دول مثل الصين، الهند كوريا الجنوبية فتعتمد في تأمين حاجتها من النفط على ما يفوق الـ70% وهو يمر أيضًا عبر هذا المضيق. 

وكذلك تستورد من الطاقة الولايات المتحدة الأمريكية ما نسبته 18% من منطقة الخليج العربي (14)، في حين أن الاتحاد الأوربي يستورد من الطاقة ما نسبته 20% من منطقة الخليج العربي أيضًا، ويتوقع أن تزيد هذه النسبة في ظل بحثه ذهابه باتجاه تنوع بدائله في سوق الطاقة، كي لا يقع في شراك ابتزاز دولة معينة، كما هو حاصل بينه، وبين روسيا الاتحادية (15).

بالتالي، فإن أهمية المضيق متأتية من كونه:

  1. يقع في منطقة إستراتيجية مهمة وغنية. 
  2. يعد المنفذ الوحيد لعدد من الدول العربية.
  3. ممر مهم للطاقة، وبقية السلع. 

لذلك فإن أية أزمة تعصف بالمنطقة ستؤثر سلبًا على الحركة الملاحية فيه، وهذا يؤدي بدوره إلى التأثير على سوق الطاقة، بسبب ما يحدثه من قلة في المعروض بالسوق العالمية للطاقة، الذي سيؤدي حتمًا إلى ارتفاع أسعار النفط، وهذا ما لا تريده الدول المستهلكة للطاقة، لا سيما الدول الصناعية الكبرى، التي تستهلك كميات كبيرة منه؛ لأن ذلك يؤثر على حركة عجلتها الاقتصادية، حتى دول المنطقة المصدرة للطاقة، فهي معنية بمسألة أن يكون مضيق هرمز أمنًا، حتى لا تتعرض صادرتها النفطية للتوقف، لأنها تعتمد بشكل شبه تام على وارداته لتدعيم اقتصادياتها، واستقرارها الداخلي، لذلك إذا حدثت أزمة ما سواءٌ أكانت أزمة سياسية، أو عسكرية، أو اقتصادية في هذه المنطقة ستنعكس سلبًا على حركة مرور الطاقة من مضيق هرمز، إذ وفي أثناء الثورة الإيرانية سنة 1979م، توقفت الإمدادات النفطية التي تمر عبر هذا المضيق، بما يصل إلى 3.5 مليون برميل باليوم ولمدة ستة أشهر، وكذلك إبان الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت للمدة الممتدة من 1980 وحتى 1988، نقصت الإمدادات حوالي 3.3 مليون برميل في اليوم، ولمدة ثلاثة أشهر في سنة 1980، أيضًا وفي أثناء غزو العراق للكويت في 1990، توقفت الإمدادات النفطية بما يصل إلى 4.3 مليون برميل في اليوم، لتقفز أسعار النفط في حينها من 16.5 دولارًا للبرميل الواحد في شهر تموز سنة 1990، إلى 33 دولارًا  للبرميل الواحد في شهر تشرين الثاني من نفس السنة (16).

وأحدث الأزمات التي تمر على مضيق هرمز هي: قضية الخلاف الأمريكي- الإيراني، الذي نشب من جديد، بعد إن أُعتقد إنه تمت تسويته عبر الاتفاق النووي الذي عقد بين في سنة 2015 بين إيران، ومجموعة خمسة زائد واحد، هذا الخلاف الجديد فجره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين عمد إلى الانسحاب من هذا الاتفاق في شهر أيار/مايو عام 2018، وبرر موقفه هذا، بأن الاتفاق مجحف بحق مصالح بلاده، وأن إيران غير ملتزمة به، ولا بد من أن يتم تعديله. 

في المقابل لم تسلم إيران بذلك، إذ رفضت بشدة الموقف الأمريكي، لتصل الأمور بينهما إلى نقطة الصفر أن صح التعبير، أي إلى ما قبل الاتفاق النووي، ومن ثم عملت الولايات المتحدة الأمريكية، على فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على إيران، كوسيلة ضغط اتجاهها من أجل إرغامها على الجلوس على طاولة المفاوضات من جديد، ووفقًا لما يريده الأمريكان. 

وأيضًا رفض الإيرانيون كل ذلك، وعمدوا على اتخاذ خطوات تصعيدية منها: إعلانهم تخفيض سقف التزاماتهم بالاتفاق النووي، والتهديد بغلق مضيق هرمز الذي يرونه يقع ضمن حدود السيادة الإيرانية ونفوذها ليصل الأمر إلى التلويح بضرب السفن المارة عبره، أو تلك التي تمر عبر الخليج العربي عمومًا، وبالفعل فقد تعرضت ناقلتان للنفط إلى استهداف تخريبي في خليج عُمان، وقبلها تعرضت ناقلتا نقط سعوديتان، وأخرى نرويجية، وسفينة إماراتية لإعمال تخريبية قبالة إمارة الفجيرة الإماراتية خارج مضيق هرمز، ولم يتم التثبت إذا ما كانت إيران هي وراء هذه الهجمات من عدمه، لتقفز أسعار النفط بنحو 4% بعد هذه الحوادث (17). 

ونفت السلطات الإيرانية جميع المزاعم التي تتهمها بالوقوف خلف هذه الهجمات، قائلة إن ذلك يقع ضمن ما أسمتها دبلوماسية التخريب التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية (18)، من أجل إلصاق التهمة بها، لاتخاذها وسيلة ضغط حيالها من أجل القبول بتعديل الاتفاق النووي، والخضوع للتنازلات التي يريدها الأمريكان منها. 

ووصلت الأمور بين الجانبين إلى حدتها، حين أسقطت الدفاعات الإيرانية طائرة استطلاعٍ أمريكيةٍ من دون طيار، بررت إيران هذا الموقف بأن الطائرة اخترقت أجواءها من أجل التجسس عليها، فيما رفض الأمريكان هذه المزاعم (19). 

كذلك بعد أن عمدت بريطانيا على احتجاز ناقلة النفط الإيرانية غريس1، في مضيق جبل طارق، مبررة فعلتها بأن الناقلة الإيرانية تنقل نفطًا إلى سوريا، ما يعد خرقًا للعقوبات الأوربية عليها، ردت إيران على هذه الحادثة بأن احتجزت ناقلة النفط البريطانية ستينا إمبيرو، في مضيق هرمز لتقودها إلى ميناء بندر عباس20، ما يعني دخول بريطانيا عمليًا على خط الأزمة بين الولايات المتحدة الأمريكية، وإيران.

وهكذا وصلت الأحداث في منطقة الخليج العربي إلى منحنيات خطيرة؛ فالأزمة لم تتوقف عند حد إيران والولايات المتحدة الأمريكية، فالعالم المعاصر معقد، ومتشابك المصالح، فما يحصل في منطقة، أو دولة ما سينعكس بدوره على بقية مناطق ودول العالم، فكيف إذا ما كان الحدث يتعلق بمنطقة مهمة للغاية كالخليج العربي؟ 

بالتأكيد ستنعكس آثاره على العالم أجمع، لا سيما وأنها مورد رئيس للطاقة، وتعتمد عليها العديد من دول العالم في تأمين احتياجاتها منها، فضلًا عن ذلك فإن أية أزمة فيها ستؤثر سلبًا بالدرجة الأولى على دول المنطقة ذاتها، لذا فهي معنية جميعها بحفظ أمن المنطقة، والعمل على تأمين مضيق هرمز الممر المهم للطاقة التي تصدرها، ورأينا كيف إن مجرد تعرض ناقلات النفط لأعمال تخريبية، أدت إلى صعود أسعار النفط، كما هو الحال مع الأزمات السابقة التي مرت على المضيق، وهذا ما لا ترغب به الدول المستهلكة للطاقة؛ لما لذلك من تأثيرٍ على حركتها الاقتصادية، فدولة مثل الصين تستورد في اليوم الواحد 12 مليون برميل في اليوم الواحد، سيؤثر عليها بالتأكيد، إذا ما ارتفع سعر البرميل ولو لدولارٍ واحدٍ، يعني ذلك خسارتها الكثير من ملايين الدولارات، التي يمكن أن تستثمرها في مجالات أخرى.

استثمرت الولايات المتحدة الأمريكية هذه الأزمة، لتعمل على سياسية ابتزاز الحلفاء قبل الخصوم، وعبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هذا صرحة، بقوله إن بلاده تحمي دولًا غنية مجانًا، وهذا الأمر ينبغي أن يتوقف، وهو يقصد بالتأكيد دول الخليج النفطية على رأسها السعودية، والحماية التي يقصدها: تلك التي تؤمنها بلاده للسفن، والبواخر التي تمر عبر مضيق هرمز، وذلك عبر الأسطول الأمريكي المنتشر في الخليج العربي، الذي يتخذ من مملكة البحرين قاعدة له.

استثمرت أمريكا أزمة الخليج لتعمل على سياسة ابتزاز الحلفاء قبل الخصوم، حين قال ترامب إن بلاده تحمي دولًا غنية مجانًا 

لذلك قال لهم صراحة ادفعوا لقاء ذلك، وإلا ستتعرض بواخركم للتخريب، وتبقى من دون حماية، ولم يتوقف عند هذا الحد؛ بل وصل به الأمر إلى مطالبة الدول الأخرى الغنية بالدفع كاليابان، والصين، والاتحاد الأوربي، التي تمر بواخرها عبر مضيق هرمز محملة بالنفط الذي تستورده من الخليج، أو البضائع الأخرى التي تصدرها إلى دول المنطقة، وإلا فإن الولايات المتحدة الأمريكية ليست مجبرة على حماية بواخر الدول الأخرى من دون مقابل،  هذا ما أقلق هذه الدول التي لديها مصالح مهمة في المنطقة، لذلك تهدف الإدارة الأمريكية عبر هذه الأزمة إلى تحقيق أهداف عدة وهي كالآتي:

  1. شيطنة إيران، ذلك عبر إيصال رسالة إلى دول العالم أجمع، مفادها أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست مخطئة حيالها، لأنها بالفعل مهددة للأمن الدولي، والإقليمي، وهذه الرسالة لحلفاء إيران قبل أعدائها، لذلك عليكم التآزر معها للوقوف ضد النشاطات الإيرانية المهددة للمصالح الدولية.
  2. تحمل بقية الدول الأعباء، والتكاليف مع الولايات المتحدة الأمريكية، فيما يخص تأمين حماية مضيق هرمز، وذهبت بريطانيا بهذا الاتجاه عبر بحثها مسألة تشكيل تحالف أوربي مشترك لحماية المضيق.
  3. إيصال رسالة إلى الدول العربية في الخليج، مفادها أن إيران هي العدو الأول لدولكم، ومصالحكم.
  4. العمل على ضرب المصالح الصينية في المنطقة، لا سيما وإنها تعتمد عليها بشكلٍ كبيرٍ، فيما يخص تأمين احتياجاتها من النفط، وكذلك فهي تعد مصدرًا كبيرًا لدولها، ولديها علاقات جيدة مع إيران، تريد أن تزعزعها عبر إظهارها بأنها الدولة المارقة التي تعرقل وصول النفط إلى الصين، فضلًا عن عرقلة بقية المصالح الصينية في المنطقة، وهذا كله يصب في المصلحة الأمريكية الرامية إلى إيقاف تقدم عجلة التقدم الصينية، وهي ترى في ذلك تهديدًا لنفوذها العالمي مستقبلًا. 
  5. فتح جبهات متعددة على منافسيها، لا سيما الصين، وروسيا الاتحادية وإشغالهم في أزمات متعددة، من أجل تحييدهم عن أهدافهم الحقيقية.
  6. وفي حالة تأليب الرأي العام العالمي ضد إيران، فإن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تكتسب مشروعية أية خطوات تخطيها بخصوص إيران، لأنها  تريد حماية الأمن الدولي من خطورتها.

المصادر:

  1. نقلًا عن: محفوظ رسول، أمن الطاقة في العلاقات الروسية-الأوربية، مركز الكتاب الأكاديمي، عملن، 2017، ص13-15.
  2. نقلًا عن: منعم صاحي العمار، منازعات الذات: هل بمقدور الديمقراطية ضبط العلاقة بين الإستراتيجية والتغيير: الولايات المتحدة الأمريكية انموذجًا، جامعة النهرين، كلية العلوم السياسية، 2012، ص11-12.
  3. جرايمي هيرد-بال دوناي، الأمن الدولي والقوى العظمى والنظام الدولي، من كتاب: القوى العظمى والاستقرار الإستراتيجي في القرن الحادي والعشرين: رؤى متنافسة لنظام العالمي، مجموعة باحثين، تحرير: جرايمي هيرد، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، أبو ظبي، 2013، ص29.
  4. تاباني فاتورانتا، الطاقة والتغيرات المناخية تهديد محتمل للأمن المستدام، من كتاب: القوى العظمى والاستقرار الإستراتيجي في القرن الحادي والعشرين: رؤى متنافسة لنظام العالمي، المصدر نفسه، ص148.
  5. محفوظ رسول، مصدر سبق ذكره، ص44.
  6. تاباني فاتورانتا، مصدر سبق ذكره، ص152.
  7. محفوظ رسول، مصدر سبق ذكره، ص47-48.
  8. نقلًا عن: خديجة عرفة محمد، أمن الطاقة وآثاره الإستراتيجية، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2014، ص52.
  9. المصدر نفسه، ص259.
  10. محفوظ رسول، مصدر سبق ذكره، ص178.
  11. مضيق هرمز.. حقائق عن أهم شريان نفط بالعالم، الجزيرة، 24/4/2019، على الموقع الإلكتروني: www.aljazeera.net
  12. تغريد رامز هاشم العذاري، مضيق هرمز: البدائل المتاحة في حالة إقفاله: دراسة جيوبوليتيكية، جامعة بابل، كلية التربية الأساسية، على الموقع الإلكتروني: www.uobabylon.edu.iq
  13. أهم المضائق والممرات البحرية في العالم، الموسوعة العامة، 22 أغسطس 2017، على الموقع الإلكتروني: www.moso3a3ama.life
  14. تغريد رامز هاشم العذاري، مصد سبق ذكره.
  15. للمزيد ينظر: خديجة عرفة محمد أمين، أمن الطاقة الأوربي ودول الخليج، آراء حول الخليج، على الموقع الإلكتروني: araa.sa
  16. خديجة عرفة محمد، أمن الطاقة وآثاره الإستراتيجية، مصدر سبق ذكره، ص259.
  17. ناقلتا نفط تتعرضان لهجوم في خليج عُمان وسط توتر متصاعد في المنطقة، وكالة فرانس 24، آخر تحديث: 14/6/2019، على الموقع الإلكتروني: www.france24.com
  18. خليج عُمان: إيران ترفض الاتهام الأمريكي والبنتاغون ينشر فيديو لإزالة الحرس الثوري للغم من إحدى الناقلتين، ARABIC BBC NEWS ، 14 حزيران/يونيو 2019، على الموقع الإلكتروني: www.bbc.com
  19. إيران تسقط طائرة استطلاع أمريكية، ARABIC BBC NEWS، 20 حزيران/يونيو 2019، على الموقع الإلكتروني: www.bbc.com
  20. بريطانيا لإيران: أفرجوا عن السفينة لتخرجوا من الظلام، الجزيرة، 29/7/2019، على الموقع الإلكتروني: www.aljazeera.net

اقرأ/ي أيضًا:

جذور السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.. الخليج وإيران نموذجًا

بريطانيا تحتجز ناقلة نفط إيرانية.. هل بدأت الدول الكبرى سياسة حصار طهران؟