"أمم أفريقيا ليست لشراء المواهب".. لماذا لا يحتاج كشافو الأندية السفر إلى المغرب؟
10 يناير 2026
في البطولات المجمعة، خاصة الإفريقية منها، عادة ما تزدحم المدرجات بكشافة الأندية من جميع دول العالم، الكل يبحث عن لاعب فذ جديد، شاب، وفي عنفوانه، ولا يكلف الكثير، وهو اتجاه صحيح على المستوى النظري.
ولكن، إذا نظرت بعمق قليلًا، ستدرك أن بطولة أمم افريقيا 2025 ليست السوق المثالي الذي تظنه، وذلك لعدة أسباب:
- وهم الجوهرة المجهولة: أنت تشاهد بضاعة مُكتشفة سلفًا
تخيل أنك كشاف، وتجلس في مدرجات ملعب مولاي الحسن بالرباط لتراقب موهبة ما صاعدة، حسنًا، لقد تأخرت كثيرًا، حيث تشير بيانات البطولة إلى أن أكثر من 30% من اللاعبين في هذه النسخة لم يولدوا في إفريقيا أصلًا، بل هم نتاج أكاديميات أوروبية بالأساس مثل فرنسا، وإسبانيا، وهولندا.
"أمم أفريقيا 2025 ليست لاكتشاف المواهب.. الكشاف الذكي يشاهد فقط ويترك دفتر الشيكات مغلقًا!"
أضف إلى ذلك أن اللاعبين الشباب المتألقين في البطولة مثل لامين كامارا أو إبراهيم دياز، هم نجوم معروفون بالفعل ويملأون الدنيا صخبا، أقلهم يلعب في الدرجة الثانية الفرنسي، أي لايزال في دائرة الضوء.
وبالتالي فالذهاب إلى المغرب بحثًا عن لاعب مغمور أصبح كمن يذهب لمتجر مجوهرات فاخر في باريس متوقعًا العثور على خاتم مصقول بسعر الجملة، فالسوق مكشوفة بالكامل، ومعظم المواهب الحقيقية تحت سن 21 عامًا تم تأمينها بالفعل من قبل الأندية الأوروبية، مثل برايتون ولايبزيغ قبل أن تطأ أقدامهم أرض المغرب أصلًا.
- بيانات خادعة في سياق زائف
تخيل أنك شاهدت مباراة المغرب وجزر القمر، وأعجبك جرأة مدافعي جزر القمر، فهل هذا كافٍ للتعاقد معهم؟ بالطبع لا، ببساطة لأن تلك المباراة تحديدًا تكتل فيها جزر القمر بتشكيل دفاعي بحت لإيقاف هجوم المغرب الكاسح، وهذا السياق التكتيكي خلق ما يسمى بالسراب الإحصائي، أي أن احصائيات اللاعبين لم تعد تعبر عن واقع المباراة فعلًا.
وبالتالي فلاعب الوسط الذي يسجل نسبة نجاح تمرير 95% في البطولة من داخل تكتل دفاعي، قد يكون ناجحًا لأنه يلعب تمريرات عرضية آمنة في وسط ملعبه، والمدافع الذي يبدو وحشًا أمام ناظريك اليوم، هو في الحقيقة محمي بكتلة دفاعية من 9 لاعبين، ولا يغطي أي مساحات خلفه، ولكن عندما تنقله إلى الدوري الإنجليزي حيث الرتم السريع والتحولات والضغط الشرس وخطوط الدفاع المرتفعة، ستبدأ عيوبه في الظهور تباعًا.
تمامًا كما حدث مع اللاعب المغربي سفيان أمرابط الذي عانى في تغطية المساحات الشاسعة في مانشستر يونايتد، مقارنة بتألقه مع منتخب بلاده، ببساطة لأن البيانات التي يحصلها اللاعب في بطولة صغيرة من ٧ مباريات، تكون ملوثة في الأساس بأسلوب اللعب السائد في البطولة، وشكل الفريق.
وأيضًا لاعب مثل المغربي عز الدين أوناحي، الذي بدا خلال مونديال قطر 2022 وكأنه مزيج بين إنييستا ومودريتش، خاصة بعد أن أظهرت إحصائياته تفوقًا واضحا في إحصائية هامة مثل حمل الكرة للأمام، أي تحريك الكرة لمسافة تتراوح بين 5 و10 ياردات على الأقل للأمام تجاه مرمى الخصم.
وبعد المونديال، انتقل إلى نادي مارسيليا الفرنسي بصفقة كبيرة، لكنه فشل في حجز مكان أساسي، لماذا؟ ربما لأن بياناته في المونديال كانت ناتجة بالأساس عن وجود مساحات واسعة وفرها له الخصوم كنتيجة طبيعية للضغط، مساحات لم يجدها في الدوري الفرنسي قطعا، ما زاد من نسبة فقدان الكرة لديه.
وربما هو جيد فعلًا لكن الظروف لم تخدمه، وربما حدث أي شئ عرقل طريقه، المهم أنه ظل يتنقل بين الأندية إلى أن انتهى به المطاف معارًا ثم منتقلًا إلى الدوري اليوناني، وهو تراجع كبير عن التوقعات التي ربطته ببرشلونة بعد المونديال.
- لعنة العينة الصغيرة
سؤال: هل يمكنك حقًا المخاطرة بملايين الدولارات للتعاقد مع لاعب بناءً على 7 مباريات فقط؟
خذها قاعدة: أي بطولة مجمعة هي عينة صغير جدًا لاختبار أي لاعب كان، حتى كأس العالم نفسه يظل عينة صغيرة، ولا تعبر عن مستوى اللاعب الفعلي بأي شكل من الأشكال، والتحيز لتلك العينة الصغيرة هو العدو الأول للكشاف بكل بساطة، لأن اللاعب الذي تراه متألقًا أثناء البطولة، قد يكون مدفوعًا بالأدرينالين والواجب الوطني ليس إلا.
والتاريخ مليء بهذا النوع من اللاعبين، صفقات تمت بعد البطولات المجمعة مباشرةً، لتكتشف الأندية بعد اتمام التعاقد أنهم اشتروا وهمًا كبيرًا، أو على أقل تقدير، لاعب جيد ملئ بالمشاكل، وتذكر مثلا صفقة اللاعب المصري عمرو زكي مع نادي ويغان أثليتيك الإنجليزي.
عمرو، تألق في افريقيا حتى أصبح ملء السمع والبصر، ولكنه لم يكمل 6 أشهر فقط في ويجان بسبب الكثير من المشاكل السلوكية والأخلاقية، ما يؤكد على أن بطولات المنتخب تخفي العادات اليومية للاعب، وهي العامل الأهم للنجاح في أوروبا.
على الجانب الآخر، فهناك نجاحات كثيرة للاعبين أفارقة، ولكنها كانت نجاحات مشروطة، فلاعبون مثل ساديو ماني أو محمد صلاح لم تشتريهم الأندية بناءً على بطولة واحدة، بل كان لديهم مسار تطور واضح في أندية أوروبية قبل أن يتألقوا دوليًا، أي أن نجاح التعاقد هنا كان نتيجة لتتبع اللاعب طويلًا في أكثر من سياق وبطولة.
- الفاتورة الشتوية
إذا قررت تجاهل كل ما سبق وقررت التعاقد مع نجم هذه البطولة في نافذة كانون الثاني/يناير الحالية، فاستعد إذن لدفع ضريبة البطولة نفسها، حيث تؤكد العديد من الإحصائيات أن التعاقد مع اللاعبين بعد تألقهم الدولي مباشرة يكلف خزينة النادي ما بين 5% إلى 30% زيادة عن قيمتهم الحقيقية، والأسوأ من ذلك، أنك تشتري لاعبًا مستنزفًا.
ببساطة لأن بطولة المغرب تقام في توقيت شتوي، واللاعبون سيعودون إلى أنديتهم الجديدة في شباط/فبراير محملين بإرهاق بدني وذهني هائل، مما يرفع من احتمالية تعرضهم للإصابات خاصة مع الأجواء الجديدة، والموسم الأوروبي الذي يحتاج إلى التأقلم السريع مع أجواء البطولات ورتم المباريات، أي أنك ستدفع سعرًا أعلى مقابل بضاعة مستهلكة، هي ليست تالفة على الأغلب، ولكنها مستهلكة وتريد الراحة.
إذن ماذا تفعل إن كنت كشافًا في تلك البطولة؟ لا شيء إطلاقًا، استمتع فقط بمشاهدة البطولة، خاصة مع أجواء المغرب الجميلة، وراقب الحماس والشغف، واترك دفتر الشيكات مغلقًا، فالكشاف الذكي هو من يراقب الآن، ويدون الملاحظات، ثم يتخذ القرار في الصيف عندما يهدأ ضجيج البطولة وتتضح الحقيقة. واعلم دائمًا أن الحب من النظرة الأولى، خاصةً في كرة القدم، غالبًا ما ينتهي بالطلاق السريع.