أمريكا والانقلاب الأخير في تركيا

أمريكا والانقلاب الأخير في تركيا

أتراك يعتلون دبابة للجيش بعد فشل الانقلاب العسكري (Getty)

كتبت ناعومي كلاين في كتابها الشهير "عقيدة الصدمة"1 أن الليبرالية الجديدة في حاجة دائمة لافتعال الأزمات في العالم. تتمثل الأزمات المفتعلة بالقيام بالحروب والانقلابات العسكرية في الدول التي تتعارض مصالحها مع سير مصالح النظام الليبرالي الجديد، وفي الدول التي تعيش استقرارًا أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا يجعلها قادرة على رفض الانصياع للقوى الرأسمالية العالمية في مقابل مصالحها الخاصة. وهنا تكون هذه الدول أمام خيارين إما الحرب أو الانقلاب العسكري اللذين بكلا الحالتين يأتيان بحكومات منصاعة بالكامل لمصالح أكبر القوى العالمية الرأسمالية، والنتيجة صدمة تحدث للشعوب التي تتعرض لمثل هذه الأزمات، فتصبح قادرة على قبول واستيعاب التغيرات التي تُحدثها النيوليبرالية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

هل من الممكن حدوث انقلاب عسكري لأسباب داخلية فقط؟ ممكن، لكن صعب، لأن العالم اليوم تربطه شبكات لا متناهية سياسية وعسكرية واقتصادية

وفي المقابل يتم فتح البلاد أمام رؤوس الأموال والشركات الأجنبية الضخمة أهمها الشركات العسكرية والأمنية، وهذا ما يحدث عادة في الدول المعادية للنظام الليبرالي الجديد، من أهم الأمثلة في هذا الاتجاه دعم الولايات المتحدة للانقلابات العسكرية في تشيلي والأرجنتين في السبعينيات لكسر حركات التحرر الوطني ودحر آخر معاقل المعسكر الشيوعي.

اقرأ/ي أيضًا: الجدول الزمني لصعود وهبوط الانقلاب في تركيا

من جهة أخرى في ظل هذه الأزمات المفتعلة إما بالحروب أو بالانقلابات العسكرية تنتعش التجارات القذرة الضخمة مثل تجارة السلاح والمخدرات، وتجارة الأعضاء والبشر، والتي تدر بأرباح هائلة وضخمة على رؤوس الأموال. ناهيك عن السيطرة على مناطق تشكل محورًا هامًا في فرض القوة والهيمنة للقوى الرأسمالية، بالإضافة إلى مساهمة السيطرة على هذه الدول في حماية المصالح الاستراتيجية للدول الرأسمالية الكبرى، بعد إسقاط النظام السياسي وزعزعة الأمن والاستقرار فيها، وقد كان غزو العراق أفضل التجارب في هذا الاتجاه وأكثرها صراحةً ووضوحًا.

السؤال: هل من الممكن حدوث انقلاب عسكري لأسباب داخلية فقط؟ وضعف في النظام السياسي؟ ممكن، لكن صعب جدًا لأن العالم اليوم تربطه شبكات لامتناهية سياسية وعسكرية واقتصادية، يصعب فيها أن تعيش دولة بمعزل عن التدخلات الخارجية التي أصبحت ضرورة لاسيما في الدول التي أصبحت ضرورة لاسيما في الدول ذات المكانة الجغرافية، والسياسية، والاقتصادية الهامة والمحورية في العالم.

شكلت الولايات المتحدة محورًا هامًا في دعم أهم الانقلابات العسكرية في العالم منها انقلاب الدومنيكان وانقلاب فيتنام وإيران وتركيا 1980، وغيرها من الانقلابات في عدد من دول أمريكا الجنوبية ودول إفريقية، وآخرها انقلاب مصر عام 2013 الذي حدث بعد أول انتخابات ديمقراطية في تاريخ مصر.

الانقلاب العسكري في تركيا

قام الانقلاب العسكري في تركيا مساء الجمعة 15 تموز/يوليو 2016، بقيادة فرقة من الجيش التركي تابعة للعقيد "محرم كوسا" الذي اتهم بموالاته لفتح الله غولن، فتح الله غولن الذي يعتبر من ألد الخصوم لأردوغان بعد وصفه لحركته "حزمت" بالإرهابية.

يعتبر فتح الله غولن من أهم المفكرين الأتراك والدعاة إلى الدين الإسلامي، فهو ينادي بالتسامح والتفاهم والحوار بين الأديان، ولا يفضل تطبيق الشريعة في تركيا، حيث يقول إن الغالبية العظمى من قواعد الشريعة تتعلق بالحياة الخاصة للناس، فيما الأقلية منها تتعلق بإدارة الدولة وشؤونها، وأنه لا داعٍ لتطبيق أحكام الشريعة في الشأن العام. ولا ينظر غولن إلى العالم العربي وإيران بوصفهما المجال الحيوي لتركيا، بل يعتبر القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى والبلقان هم المجال الحيوي لتركيا، فهذه البلدان تضم أقليات تركية هامة، ويرى أنه لا بد وأن تعود تركيا لمكانتها بوصفها واحدة من أهم دول العالم، كما كانت خلال الدولة العثمانية.

يصوره الغرب كزعيم حركة اجتماعية إسلامية قومية غير معادٍ للغرب، ووجه المستقبل للإسلام الاجتماعي في الشرق الأوسط، فحركته تؤكد التعاون بين الأديان وهو على علاقة جيدة مع بابا الفاتيكان وعدد من الحاخامات اليهود، بعكس معارضيه الأتراك الذين يرونه خطرًا على العلمانية والإسلام في تركيا"2.

اقرأ/ي أيضًا: الإثارة الانقلابية التركية

سافر غولن إلى الولايات المتحدة عام 1999 بحجة الفحوصات الطبية ويعيش اليوم في بنسلفانيا، واعتبر ذلك منفى اختاره لنفسه. بعد تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا عاد غولن لنشاط أقوى في تركيا، ولكن ما بين العام 2010 و2011 حدثت خلافات كبيرة بين حركة غولن وحزب العدالة والتنمية بعد صراع على سلطة بين الموالين لغولن في الشرطة والقضاء وحزب العدالة والتنمية.

في العام 2013 أعلن أردوغان أنه ينوي إغلاق ربع المدارس الاعدادية التي تنتمي لحركة غولن وعدم الاعتراف بشهاداتهم وكان ذلك بشكل مؤقت. بعد شهر قام مدع إسطنبول الذي يعتبر بشكل قوي عضو في حركة غولن في استدعاء عشرات من الأشخاص، ثلاثة منهم أبناء وزراء من حزب العدالة والتنمية بتهم فساد وتعاون سري مع إيران. في هذا الوقت واجه أردوغان حركة غولن واتهمها بتعاونها وعلاقاتها الحميمة مع إسرائيل، ومنذ ذلك الوقت صنفت حركة غولن بأنها من أعداء تركيا وبأنها إرهابية. وبعد الأحداث الأخيرة اتهم أردوغان غولن بأنه وراء الانقلاب العسكري الذي حدث مساء الجمعة في الوقت الذي رفض فيه غولن هذه الاتهامات3.

لن تتجرأ أي مجموعة على الانقلاب دون دعم خارجي لزعزعة تركيا والتخلص من أردوغان الذي يعتبر شوكة في حلق الكثيرين أهمهم إسرائيل والنظام السوري

إن الشكوك والاتهامات الموجهة ضد غولن قوية جدًا لا سيما أنه يعتبر صديق للولايات المتحدة والغرب واسرائيل، ويعتبر المثال الأقوى لرئاسة تركيا مكان أردوغان بفكره المتدين المتماشي مع طبيعة غالبية الشعب التركي والمتسامح مع الغرب، لكن تبقى التحقيقات ونتائجها هي من يثبت هذه الاتهامات أو ينفيها.

وفي رأيي لن يتجرأ أي شخص أو مجموعة في هذا الانقلاب دون دعم خارجي لزعزعة النظام التركي والتخلص من أردوغان الذي يعتبر شوكة في حلق الكثيرين أهمهم إسرائيل وأوروبا وإيران والنظام السوري، فرغم الاتفاقيات التي أبرمها أردوغان مؤخرًا مع إسرائيل إلا أنه كان أقوى من إسرائيل وحصل على مبتغاه ومصالحه من خلال هذه الاتفاقيات، فكانت خيبة إسرائيل من فشل الانقلاب قوية، حيث أعلنت عنها في عنواين صحفها اليومية في صباح اليوم التالي للانقلاب، والخوف يتعاظم يومًا بعد يوم من القوة التي منحها فشل الانقلاب لأردوغان العدو الصديق لإسرائيل والغرب معًا!

في الختام إن قوة أي نظام في منطقة الشرق الأوسط تشكل خطرًا على مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي هذه الحالة تصبح هنالك ضرورة لإضعاف هذه القوة وتسييرها وفق المصالح الغربية والأمريكية الإسرائيلية بالكامل، وتعتبر المعارضة في أي نظام ثغرة من المستطاع الدخول من خلالها للانقلاب على النظام وزعزعة استقرار البلاد.

تلعب تركيا دورًا مهمًا في المنطقة لا سيما وأنها قوية اقتصاديًا وسياسيًا وذات تأثير كبير في الدول المحيطة بها، وهذا يشكل قلقًا لدى إسرائيل ودول الغرب. لذلك لا ريب في دعمهم لأية قوى مناوئة للنظام التركي والتهيئة لانقلاب في أي فرصة ممكنة، لكن اصطفاف الشعب والمعارضة العلمانية إلى جانب الحكومة في الانقلاب الأخير غير المعادلة وكان أقوى من كل المؤامرات التي حيكت لإسقاط النظام التركي المنتخب ديمقراطيًا.

_________

 Klein, Noami. 2007. The Shock Doctrine. New York: Metropolitan Books.1

2- محمد فتح الله كولن، ويكيبيديا.

3- Matthews, Dylan. “Turkey's coup: The Gülen Movement, explained”. 2016. Vox World. 

Link: http://www.vox.com/2016/7/16/12204456/gulen-movement-explaine

اقرأ/ي أيضًا: 

سكاي نيوز عربية.. ما هكذا يُصَدق الكذب

لماذا يتودد أردوغان إلى بوتين؟