أمريكا وإيران..

أمريكا وإيران.. "توم" لا يستغني عن "جيري"

ربما لا تستطيع الولايات المتحدة الاستغناء عن النظام الإيراني في المنطقة (رويترز)

​إذا كنت مثلي من عشاق سلسلة أفلام الكارتون "توم وجيري"، فستُدرك صعوبة غياب أحد طرفي الصراع الممتد طوال السلسلة. ربما يكون هذا هو التصور الأقرب لوصف الصراع الممتد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية في إيران منذ نشأتها عام 1979 عقب سقوط شاه إيران، أحد أهم حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط حينها.

ربما لا تستطيع الولايات المتحدة الاستغناء عن النظام الإيراني في الشرق الأوسط كما لا يستطيع توم أن يستغني عن جيري!

ليس غريبًا أن يُكرر الرئيس الأمريكي اليميني المتطرف دونالد ترامب، مقولة أن الولايات المتحدة لا ترغب في تغيير النظام الإيراني، في كل خطاباته التي تطرقت إلى الصراع مع إيران، فالولايات المتحدة ربما لا تستطيع الاستغناء عن النظام الإيراني في الشرق الأوسط، لأسباب عدة تنطلق من رؤية واشنطن للشرق الأوسط، وما تُريده منه، وفي مقدمة ذلك أمن إسرائيل ومنابع الخليج، وهما هدفان نجحت الولايات المتحدة في جعل طهران أحد أهم أُسس تحقيقهما.

اقرأ/ي أيضًا: إيران وضربة الذئب للأسد

أمن إسرائيل

على الرغم من عداء إيران المُعلن لإسرائيل ودعمها فصائل المقاومة في فلسطين وخارجها، إلا أن واشنطن وحلفاءها في المنطقة (إسرائيل ودول عربية حليفة)، نجحت في استثمار ذلك العداء، وضمان عدم تحوله إلى خطر حقيقي على الدولة العبرية، وذلك من خلال إعادة ترتيب المشهد بتصوير إيران على أنها العدو الحقيقي للمنطقة، بالبعدين العرقي (فارسي - عربي) والطائفي (سني - شيعي)، وتحويل إسرائيل في المقابل إلى حليف.

لم تُخفِ تل أبيب نواياها في تطبيق تلك الخطة، حيث كان تأجيج الصراع السني الشيعي في المنطقة، والعمل على توحيد حلفاء أمريكا مع إسرائيل في مواجهة ما تم تسميته بـ"محور الشر"، والذي يضم إيران وحلفاءها؛ أحد أهم توصيات مؤتمر هرتسيليا لعام 2013، وهو مؤتمر دوري للنخب الإسرائيلية في الحكومة والجيش والمخابرات والجامعات ورجال الأعمال، وكذا الداعمين لإسرائيل من حول العالم، لمناقشة مستقبل الدولة العبرية وضمان أمنها القومي.

وبذلك أصبحت إيران هي العدو الأكبر للمنطقة (التحالف السُني) وإسرائيل هي الحليف، وهو ما ظهر جليًا من التقرب الخليجي العلني لإسرائيل، مقابل العداء المعلن لطهران.

إلا أن هذه الخطة لا تكتمل إلا بشرط هام، لطالما كرره المسؤولون في واشنطن وتل أبيب طوال السنوات الماضية، وهو عدم السماح لطهران بامتلاك السلاح النووي أبدًا، وهو الشرط الضامن لكي لا يتحول هذا العداء إلى خطر حقيقي وتهديد لوجود إسرائيل، أو خللًا في معادلة القوة بالمنطقة، وجوهرها ضمان تفوق إسرائيل عسكريًا على باقي الدول المُحيطة بها في الشرق الأوسط.

النفط وأمواله

أما بالنسبة لمنابع النفط في الخليج، فإن وجود إيران والتضخيم من خطرها على الدول الخليجية، هو شرط مهم في استمرار الاستفادة القصوى لواشنطن منها، بالرغم من الحديث المتكرر لترامب عن عدم حاجة بلاده إلى النفط بعد أن أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم. 

فواشنطن إن لم تكن في حاجة إلى نفط الخليج، فهي بحاجة إلى أمواله التي تستنزفها عبر صفقات السلاح الخيالية، إذ استحوذت منطقة الشرق الأوسط على أكثر من نصف مبيعات الأسلحة الأمريكية عام 2018، وكانت السعودية أكبر مستورد في العالم، إذ حصلت وحدها على 22% من إجمالي الصادرات الأمريكية للسلاح والتي احتلت المرتبة الأولى في حجم الصادرات العسكرية عالميًا. أضف إلى ذلك الأموال الضخمة التي تدفعها دول الخليج للقطع والمعدات وأفراد الجيش التي ترسلها واشنطن بهدف "حماية الخليج".

كما أن دور الشُرطي الذي تلعبه واشنطن مع دول الخليج، عزز فرص استنزاف أموال الأخيرة بطرق أخرى، من قبل الشركات الأمريكية العاملة في مجالات النفط والمقاولات والخدمات الأمنية وغيرها، وكذلك بالحفاظ على استمرار ضخ الأموال الخليجية في البنوك وأذون وسندات الخزانة الأمريكية، وبالاستثمارات في القطاعات الحكومية والخاصة الأمريكية، علمًا بأن حجم السندات والأصول السعودية وحدها في الولايات المتحدة، بلغ أكثر من ترليون دولار. 

ترامب نفسه قال ذلك صراحة للعاهل السعودي، بأنه لولا الحماية الأمريكية ما بقى في السلطة لأسبوعين. تلك الأموال الضخمة لم تكن لتصل إلى تلك المستويات دون وجود تهديد إيراني يتم تضخيمه بشكل كبير ومستمر، وذلك على الرغم من النفي الإيراني، والمحاولات المتكررة للتقارب مع دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية.

على الجانب الأخر، استثمرت طهران هذه العلاقة داخليًا وخارجيًا، فالعداء لأمريكا وتصوير إيران على أنها الند الأكبر لـ"الشيطان الأعظم" ومشروعه في المنطقة، وعلى رأسه إسرائيل؛ مكنها من الاستحواذ على شعبية كبيرة في الداخل الإيراني وفي الإقليم الذي رأى الجميع انصياعه للولايات المتحدة في خضوع. 

وعلى الرغم من ذلك، غضت الولايات المتحدة الطرف عن تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة، إلى جانب محاولات وضع ذلك النفوذ في حجمه المعقول بما يُمكّن الاستفادة منه دون التطرق إلى تهديده بشكل جدي، أو تهديد النظام الحاكم نفسه، بل في المقابل التعاون في بعض الأحيان، كما حدث في العراق أثناء الحرب على تنظيم داعش.

في نهاية عام 1980، وبعد اندلاع حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق، كانت إيران في حالة عداء معلن وصريح مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، بل كانت إيران تحتجز 52 أمريكيًا كرهائن عندها بعد اقتحام السفارة الأمريكية في طهران، اعتراضًا على استقبال الشاه المخلوع، الذي كانوا يطالبون بتسليمه إلى إيران لمحاكمته. 

وفي خضم تلك الأحداث، ووفقًا لوثائق وشهادات بعض الأطراف، عقدت إيران صفقتها الشهيرة مع الحملة الانتخابية للرئيس رونالد ريغان، والذي بموجبها رفضت إيران تسليم الرهائن لإدارة الرئيس جيمي كارتر، الذي كان يرغب في استخدامها في معركته الانتخابية. 

لكنها في المقابل سلمت الرهائن إلى إدارة ريغان، بعد يوم واحد من تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة، مقابل أسلحة ومعدات وقطع غيار عسكرية كانت تحتاجها إيران في حربها، وهي العملية المعروفة باسم "إيران كونترا"، والتي تمت بتسهيلات ووساطة إسرائيلية.

وفي نيسان/أبريل عام 2017، وبعد شهرين من تولي ترامب رئاسة الولايات المتحدة، قصفت الطائرات الأمريكية مطار الشُعيرات السوري، والذي قالت الحكومة الأمريكية إنه المطار الذي انطلق منه هجوم بأسلحة كيميائية على مدينة خان شيخون. 

وهي أيضًا الضربة التي أبلغت القوات الأمريكية نظيرتها الروسية بها مسبقًا، ثم أبلغت روسيا الجيشين السوري والإيراني بالموعد والمكان، حيث أراد ترامب المُنتخب حديثًا أن يُعلن عن نفسه عالميًا، لكن بطريقة لا تُربك حسابات المنطقة، لتنطلق صواريخ "توماهوك" من القطع البحرية الأمريكية أمام عدسات الكاميرات، وتقصف مواقع شبه خالية تمامًا، في مشهد استعراضي بامتياز، يُشبه إلى حد كبير مشهد قصف قاعدة عين الأسد في العراق ردًا على اغتيال قاسم سليماني.

باغتيال سليماني أعادت واشنطن ضبط قواعد علاقتها مع إيران في المنطقة والتي لطالما استفادت الدولتان منها وحققتا بها مكاسب كبيرة

مؤخرًا، بدا أن هناك خلل في اللعبة وخروج عن القواعد التي لطالما حكمتها، فقامت واشنطن بما رأته إعادة ضبط للقواعد من جديد، بتحييد اللاعب الأهم والأخطر في الطرف الإيراني المتمثل في قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، لتعود قواعد اللعبة إلى أصلها، والتي تأسست منذ عقود، والتي ربما أهمها على الاطلاق إدراك موازين القوة غير المتكافئة بين الدولتين. تلك العلاقة التي لطالما استخدمتها الدولتان داخليًا وخارجيًا، وحققتا بها مكاسب جمة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

التوتر غير المستقر.. حروب ما بعد سليماني

أسئلة ما بعد سليماني.. الحسابات الإستراتيجية أمام احتمالات التصعيد