15-أبريل-2017

ممثلان ينتحلان شخصيتي الرئيسين الأمريكي والكوري الشمالي (أنطوني والاس/ أ.ف.ب)

أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارًا للمجموعة البحرية الأمريكية "كارل فينسن"، بالتحرك نحو المحيط الهادئ بالقرب من شبه الجزيرة الكورية، معربًا عن تخوّفه من الاستعدادات النووية المكثفة، التي تقوم بها كوريا الشمالية، بعد الحديث عن إجراء تجربة نووية سادسة لها هذه الأيام، مخالفة من جديد قرارات مجلس الأمن.

وفي وقت سابق من هذا الشهر اختبرت كوريا الشمالية صواريخ سكود النووية، ما جعل الإدارة الأمريكية تشعر بضرورة التحرك تحسبًا لأي أخطار من قبل كوريا الشمالية العدو التقليدي منذ عقود، وسعيًا لوقف نفوذ الرئيس كيم جونغ أون الذي كان قد هدّد بعدم توقع ردود فعله، نتيجة هذه التحركات، كما أمر، الجمعة، بإخلاء العاصمة الكورية الشمالية من السكان، مُصرحًا بأنّ حدثًا ضخمًا سوف يقع.

قال المتحدث باسم جيش كوريا الشمالية إن جيشه سيدمر الولايات المتحدة بلا رحمة إذا قررت مهاجمة بلاده

ونشر الرئيس الأمريكي ترامب عبر حسابه الشخصي على تويتر، تغريدة قال فيها إن بلاده "ليست خائفة من مواجهة كوريا الشمالية بمفردها"، ليرد عليه المتحدث باسم الجيش الكوري الشمالي، أمس الجمعة، في تصريح أكّد فيه على أن جيشه سيدمر الولايات المتحدة دون رحمة إذا قررت مهاجمة بلاده.

كوريا الشمالية وأمريكا.. تاريخٌ لا ينتهي من الكراهية

قبل أيام أغلقت كوريا الشمالية مجمع كايسونغ الصناعي أمام العمال الكوريين الجنوبيين، ومنعتهم من الدخول إليه، رغم أن أكثر من 120 شركة كورية جنوبية تعمل في هذا المجمع الصناعي المشترك، الذي يرمز إلى التعاون بين البلدين، والذي يعمل به في المقابل أكثر من خمسين ألف كوري شمالي، وفي الوقت الذي كان وزير الخارجية الأمريكية يُؤكد فيه أن بلاده ستحمي كوريا الجنوبية وتدافع عنها، كان الرئيس الكوري الشمالي الشاب كيم جونغ أون يُؤكد على أن "السلام والازدهار يقومان على أساس قوة نووية منيعة، وعليها تتحقق حياة سعيدة للناس".

وعليه وضعت كوريا الشمالية صواريخها ووحدات مدفعيتها طويلة المدى في حالة تأهب قتالي، لاستهداف القواعد العسكرية الأمريكية في جوام وهاواي وداخل العمق الأمريكي نفسه، بعد أن نفذت قاذفات أمريكية طلعات جوية فوق الأراضي الكورية الشمالية، ما اعتبرته كوريا الشمالية تهديدًا لأمنها. لكن هذا التطور الأخير، نتاج تراكم صراع يعود لزمنٍ قديم. 

اقرأ/ي أيضًا: ماذا لو كان شعب الديكتاتور سعيدًا؟

عام 1882 بدأت العلاقات بين الدولتين بعد توقيع معاهدة السلام والصداقة والملاحة، بعد ذلك وقبيل الاستعمار الياباني لدولة كوريا تحولت الأوضاع الدبلوماسية حتى احتلّتها اليابان بشكلٍ كامل عام 1910. لم ينته هذا الاحتلال إلّا بنهاية الحرب العالمية الثانية، التي خرجت منها الدولة الكورية مقسّمة بين كوريا الشمالية المؤيدة للاتحاد السوفيتي، وكوريا الجنوبية المؤيدة للولايات المتحدة، مما أدى إلى زيادة حدّة الصراع حتى تحول لانقسام رسمي بين الكوريتين عام 1948.

لم ينته الأمر بعد بالنسبة لكوريا الشمالية، إذ قامت بعد ذلك بقليل، تحديدًا في عام 1950، بمحاولة لغزو كوريا الجنوبية، ما أثار غضبًا دوليًا قادته الولايات المتحدة، ليشكّل تحالف دولي من 16 دولة وقف في وجه "عداء" كوريا الشمالية، وصولًا إلى هدنة رسمية بين طرفي الصراع بعد ثلاث سنوات من الحرب.

وتسعى كوريا الشمالية منذ ذلك الحين إلى تطوير ترسانة نووية تحسبًا لأية أخطار من العالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة، في الوقت الذي تلعب فيه الولايات المتحدة لعبة العصا والجزرة لترويض الدولة المنغلقة على نفسها درءًا لأي تهوّر نووي من قبلها، ليصل الأمر إلى حائط سد قبل عام عندما أطلقت كوريا الشمالية ما يقرب من 20 قذيفة مدفعية للاختبار، وهو ما أصاب الأمم المتحدة بـ"الذعر والغضب".

ومن جهتها فرضت الولايات المتحدة حظرًا اقتصاديًا شديدًا على كوريا الشمالية منذ حربها مع الجنوبية، ازدادت حدته في 2015، في أعقاب هجومٍ إلكتروني لكوريا الشمالية على شركة المنتجات الإلكترونية الكورية الجنوبية "سوني"، والذي كان بسبب الفيلم الأمريكي "The Interview" الذي قدّم سخرية لاذعة من رئيس كوريا الشمالية وانتهاكاته للقانون الدولي بشكلٍ كوميدي، وأثار جدلًا واسعًا بعد عرضه.

العالم في الصراع بين الدولتين

كان وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، قد أعلن أن الرئيس الصيني اتفق مع ترامب على أن البرنامج النووي لكوريا الشمالية، "وصل إلى مرحلة خطيرة للغاية"، وأعقب ذلك قرار صيني بتعليق الرحلات الجوية إلى كوريا الشمالية حتى الانتهاء من تلك الأزمة، رغم أن الصين تعد حليفة كُبرى لكوريا الشمالية.

وجاء ذلك بعد استقبال الرئيس الأمريكي نظيره الصيني شي جين بينغ في ولاية فلوريدا بأمريكا، ومحاولة إقناعه ببذل مزيد من الجهد لوقف البرنامج النووي لكوريا الشمالية، وحينها دعا الرئيس الصيني نظيره الأمريكي، إلى حل المسألة بالحوار السلمي. 

اقرأ/ي أيضًا: "الحل الصيني" يزاحم أمريكا ببطء على قيادة العالم

وحينما أعلن نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس زيارته لكوريا الجنوبية، ثار غضب كوريا الشمالية التي أصدرت بيانًا تهدد فيه بضربات موجهة لقواعد عسكرية أمريكية، وأهدافٍ كوريا جنوبية، تحسبًا لأي عنف متوقع من الجهة الاُخرى. وأدان بيان كوريا الشمالية ما أسماه "لجوء ترامب إلى أساليب التهديد والابتزاز"، معبرًا أيضًا عن غضبه من الضربة الصاروخية الأمريكية التي استهدفت مطار الشعيرات في سوريا، واصفًا إياها بـ"المثيرة للاشمئزاز"، داعيًا الولايات المتحدة إلى "العودة لرشدها" وإيجاد وسائل أفضل لمعالجة الوضع الحالي.

من جانبه أكد ترامب مرارًا على أنه سيقف بالمرصاد لكوريا الشمالية حال إجرائها اختبارات نووية أخرى، كما أنّه غرّد مُعربًا عن "ثقته الكبيرة" من أنّ الصين "ستتعامل بالشكل الصحيح" مع كوريا الشمالية في هذا السياق، وهو ما أكّدت عليه الصين حين أعلنت أنها ستتخذ موقفًا مخالفًا لكوريا الشمالية حال أجرت اختبارًا نوويًا أو اختبارًا للقذائف العابرة للقارات، مُرسلة 150 ألف جندي من الجيش الصيني إلى الحدود مع كوريا الشمالية بتنسيق مع كوريا الجنوبية.

من جهة أخرى، ولقدرة الترسانة الصاروخية الكورية الشمالية على ضرب اليابان خلال 10 دقائق، حذّر رئيس وزراء اليابان من إمكانية تعرض بلاده لهجوم من قبل كوريا الشمالية، التي تعتبر على الجهة الأُخرى من تحالفات اليابان الدولية، وذلك في سياق إعلانه احتمالية قدرة كوريا الشمالية على وضع غاز السارين في رؤوس صواريخ بعيدة المدى. 

وفي نفس السياق، أرجع البعض الضربة الصاروخية التي نفذتها الولايات المتحدة ضد مطار الشعيرات في سوريا، إلى كونها تهديدًا في المقام الأولى لكوريا الشمالية، التي "تبحث عن المتاعب"، كما صرّح ترامب، فيما بدا وكأنّ سوريا مجال مناسب ليستعرض ترامب عناصر قوته العسكرية.

اقرأ/ي أيضًا: الضربة الأمريكية.. وخيارات تقسيم سوريا

أمرٌ مشابه لهذا حدث في 2003 مع الغزو الأمريكي للعراق، إذ يقول جويل ويت كبير المحللين في المعهد الأمريكي الكوري بجامعة جونز هوبكنز، إن الزعيم الكوري الشمالي الراحل كيم جون إل، توارى عن الأنظار 6 أسابيع متتالية على إثر غزو العراق، حتى سرت شائعات بأنه اختب2أ خوفًا من هجوم أمريكي مُحتمل، أو هكذا صوّر الغزو الأمريكي له، لكن الآن لا يبدو أن تكرار الأمر سيأتي بنفس النتيجة مع كيم جونغ أون، "فإذا كانت لديه ترسانة نووية، فلن يشعر بالخوف من ضربة في سوريا"، أو كما يقول تشانغ يونغ سوك، الباحث في جامعة سيول الوطنية.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لروسيا؟

منذ أكثر من ربع قرن والعلاقات الروسية الأمريكية تدور في حلقة مفرغة، فمع كل رئيس أمريكي جديد، تحاول روسيا التقدم لتحسين العلاقات، إلا أن مساعيها عادةً ما تنتكس بسبب الإرث الخلافي الذي يُساهم في خلق ملفات خلافية إضافية، تُعقّد الأمور بين البلدين.

منذ أكثر من ربع قرن والعلاقات الروسية الأمريكية تدور في حلقة مفرغة

وتعد العلاقات بين البلدين إحدى أهم العلاقات الثنائية في العالم، كونها بشكل أو بآخر تحدد طبيعة النظام الدولي، بسبب التحالفات المتقابلة بقيادة كلتا الدولتين، إلا أنه فيما يخص قضية كوريا الشمالية، لم يُحسم الأمر فيها بعد بالعداء الكامل، ولعل تهوّر الإدارة الكورية الشمالية جُزء من هذا التردد. 

مع ذلك يُمكن القول إن دور روسيا في قضية كوريا الشمالية، هو دور الوسيط الودود، أو المنحاز بدرجةٍ ما إلى كوريا الشمالية، لكنه انحياز لا يرقى إلى تحالف عسكري، وإن ردد كلاهما ذلك، وهو ما يُمكن الاستدلال عليه بإظهار روسيا في أكثر من مناسبة، سعيها إلى إنهاء هذا الصراع بشكل سلمي، وهو أيضًا ما أكد عليه بيان صادر عن وزارة الخارجية الصينية، قال إن وزيرا الخارجية الصيني والروسي اتفقا على أن الهدف المشترك للبلدين هو إعادة الأطراف المتصارعة في ملف كوريا الشمالية إلى مائدة التفاوض، كما هو الحال أيضًا في الشأن السوري حسب قوله.

نهايةً يُمكن القول إن الولايات المتحدة بقدراتها العسكرية التي تتضمن أكثر من 7 آلاف رأس نووي، وبتحالفاتها الدولية، قادرة على حسم حربها مع كوريا الشمالية أو الحرب العالمية الثالثة كما يُشار إليها، إذا اندلعت، في حال توفّر شرط أن تنأى روسيا بنفسها عن الخوض في تحالف عسكري صريح مع كوريا الشمالية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ترامب وبوتين.. أكثر من مجرد إعجاب

أين ينتصر الشعبويون في العالم؟ ولماذا؟