أمريكا

أمريكا "الحمائية" ونسخة الصين من الأسواق المفتوحة.. العولمة إذ ترتبك

تعم الولايات المتحدة مخاوف من التمدد التجاري الصيني (Getty)

كان الخوف من التمدد المستمر للصين تجاريًا، يخرج إلى العلن مع الوقت في الولايات المتحدة، حتى وصل أوجه مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فغير مفاهيم ومعادلات راسخة في الاقتصاد العالمي. لم يكن أحد ليتخيل قبل سنوات أن أمريكا، عرابة العولمة والسوق الحر، ستغلق حدودها وتفرض عوائق وضرائب غير قليلة على الصادرات الصينية، بحجة ما صار يصطلح عليه أمريكيًا بسياسة تفادي "الإغراق"، أي إغراق السوق بمنتجات صينية. ولم يتوقف الأمر عند الضرائب على البضائع الصينية، حيث اضطرت الولايات المتحدة أخيرًا إلى فرض ضرائب على عدة سلع بشكل عام، يصدرها كل من الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك، تفاديًا لتمدد الوحش الصيني من خلال وسطاء، ما قد يكون له تأثير على التحالف التجاري التاريخي بين هذه الدول. يسلط هذا التقرير المترجم عن صحيفة "فايننشال تايمز" الضوء على ما حدث خلال اليومين الماضيين، وتأثيراته المحتملة على المدى البعيد.


أشعلت الولايات المتحدة الشرارة الأولى لحرب تجارية مع ثلاثة من أكبر شركائها التجاريين عن طريق اتخاذ قرار ببدء فرض رسوم جمركية على واردات الصلب والألومنيوم القادمة من الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك.

أعلن الاتحاد الأوروبي منذ شهور أنه سيرد على أي رسوم جمركية ستفرضها الولايات المتحدة

تُمهد التحركات الرامية لاتخاذ إجراءات ضد حلفاء الولايات المتحدة القُدامى -لأسباب تتعلق بالأمن القومي- الطريق لجولة من الرسوم الجمركية المتبادلة بين بعض أكبر الاقتصادات في العالم، قبل أيام فقط من اجتماع زعماء مجموعة الدول الصناعية السبع في كندا.

وقد أعلن الاتحاد الأوروبي منذ شهور أنه سيرد على أي رسوم جمركية ستفرضها الولايات المتحدة، وقال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، الخميس، إن الاتحاد الأوروبي سيمضي قدمًا في خطط لفرض رسوم على المنتجات الأمريكية مثل الويسكي من نوع البوربون والدراجات النارية، وزبدة الفول السوداني. وأردف قائلًا إن "هذا يوم سيئ للتجارة العالمية".

وقد حذر وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي، برونو لومير قبل الإعلان، من أنه لن يكون أمام الاتحاد الأوروبي خيار سوى "الدخول في حرب تجارية" ضد الولايات المتحدة إذا فرض الرئيس دونالد ترامب رسومًا جمركية جديدة على المعادن. وقال لومير بعد اجتماعه مع وزير التجارة الأمريكي ويلبر روس في باريس: "ينبغي أن يعلم أصدقاؤنا الأمريكيون أنه إذا ما اتخذوا إجراءات عدوانية ضد أوروبا، فإن أوروبا لن تبقى ساكنة".

اقرأ/ي أيضًا: ماذا وراء انفتاح الصين على رؤوس الأموال الغربية؟

ووصف جاستن ترودو، رئيس وزراء كندا، الرسوم الجمركية الجديدة بأنها "غير مقبولة على الإطلاق"، وأوضح استياءه جراء وصف بلاده بأنها تُعتبر تهديدًا للأمن القومي الأمريكي. وأردف قائلًا أنه "على مدار 150 عامًا، كانت كندا الحليف الأكثر صمودًا إلى جانب الولايات المتحدة... من شواطئ نورماندي إلى جبال أفغانستان، حاربنا ومتنا سويًا". وتابع: "ولكن ما لا يُمكن تصوره، هو اعتبار كندا تهديدًا للأمن القومي الأمريكي".

وأعلنت كندا أنها ستستهدف 12.8 مليار دولار من الواردات من الولايات المتحدة انتقامًا من الرسوم المفروضة، بما في ذلك الألمنيوم والصلب، فضلًا عن السلع الاستهلاكية اليومية مثل المنظفات التي تُستخدم في غسالة الأطباق.

كما أعلنت المكسيك أنها ستفرض رسومها الجمركية الانتقامية على مجموعة واسعة من المنتجات الأمريكية، من الصلب إلى لحم الخنزير والنقانق والفاكهة مثل التفاح والعنب والتوت البري.

وصرح إدوارد ألدن، وهو زميل بارز بمجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، قائلًا: "تُمثل هذه الإجراءات تصعيدًا كبيرًا (من جانب الولايات المتحدة) وتعتبر أول طلقة كبيرة في الحرب التجارية التي لطالما ساد الخوف من نشوبها".

وجاءت تلك الخطوة من جانب الولايات المتحدة ورد الفعل السريع من قبل الحلفاء بعد أن قال روس إن المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي في الأشهر الأخيرة لم تسفر عن أي نتيجة، وأن المناقشات مع كندا والمكسيك لتحديث اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية تستغرق وقتًا طويلًا.

وقد أعلن عن الرسوم التي تُقدر بنسبة 25 في المائة على الصلب و10 في المائة على الألمنيوم، والتي تزعم واشنطن أنها ضرورية لأسباب تتعلق بالأمن القومي، لأول مرة في شهر آذار/ مارس باعتبارها جزءًا من إجراءات صارمة اتخذتها الولايات المتحدة ضد الصين، وإغراقها الأسواق العالمية بمنتجاتها المعدنية زهيدة الثمن.

لكن أحداث يوم الخميس أبرزت كيف أن جهود ترامب الرامية إلى اتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه الصين أفضت في النهاية إلى الإضرار بعلاقات اقتصادية أكبر مع حلفائه التقليديين مثل الاتحاد الأوروبي وشركائه في نافتا. بالإضافة إلى أن المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة والصين المُقرر انعقادها في بكين في نهاية هذا الأسبوع، من المرجح أن تلقي بظلالها على المحادثات بين ترامب وزعماء الدول الصناعية السبعة في الأسبوع المقبل.

وقال تشاد باون، وهو زميل بارز في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، الذي يتخذ من واشنطن مقرًا له، إن الصين لم تشعر سوى بتأثير ضئيل للغاية جراء الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على المعادن، نظرًا لأن صادرات الصين من الصلب والألمنيوم إلى الولايات المتحدة أصبحت الآن ضئيلة، وتخضع في معظمها لرسوم صارمة تتعلق بمكافحة الإغراق. وأضاف أن "هذا الأمر لا يهاجم في المقام الأول الآن سوى حلفائنا الاقتصاديين والعسكريين".

أفضت جهود ترامب لاتخاذ موقف متشدد من الصين في النهاية إلى الإضرار بعلاقات اقتصادية أكبر

بلغ إجمالي التجارة الأمريكية مع الاتحاد الأوروبي ما يقرب من 720 مليار دولار في العام الماضي مقارنة بـ 636 مليار دولار لإجمالي التجارة بين الصين والشركات الأمريكية. وبلغت قيمة تبادلها التجاري مع شركائها في نافتا، كندا والمكسيك، اللتين اندمجتا في العديد من سلاسل توريد الشركات الأمريكية، أكثر من 1.1 تريليون دولار.

ويرجح، في هذا الصدد، أن تُختبر هذه العلاقات بدرجة أكبر في الأشهر القادمة، إذ توجه إدارة ترامب أنظارها نحو التجارة في قطاع السيارات. ففي الأسبوع الماضي، أطلقت الإدارة تحقيقًا يتعلق بالأمن القومي في واردات السيارات وقطع الغيار بهدف فرض رسوم جمركية تصل نسبتها إلى 25 في المائة، والتي من شأنها أن تضر بالمنتجين الآسيويين والأوروبيين، الذين يمتلك عدد كبير منهم منشآت إنتاج ضخمة في الولايات المتحدة.

اقرأ/ي أيضًا: فضائح رأس المال.. شركات عالمية تتجسس على جماعات ونشطاء حقوقيين

وحذرت مفوضة الاتحاد الأوروبي للتجارة سيسيليا مالمستروم، ووزير الاقتصاد والتجارة والصناعة والطاقة الياباني هيروشيغي سيكو، بعد الاجتماع مع الممثل التجاري للولايات المتحدة روبرت لايتايزر لمناقشة كيفية التعامل مع فائض القدرة الإنتاجية للصين في صناعة الصلب وغيرها من القضايا يوم أمس الخميس، من أن الإجراءات التي تزمع الولايات المتحدة اتخاذها في قطاع السيارات تضع النظام التجاري العالمي بأكمله في خطر. وقالوا: "قد يتسبب هذا في اضطراب كبير في السوق العالمية ويُمكن أن يؤدي إلى زوال النظام التجاري متعدد الأطراف القائم على قواعد منظمة التجارة العالمية". وقال أرندت إلينغورست، المحلل في شركة Evercore ISI، إنه "إذا فرض ترامب رسومًا جمركية على السيارات الألمانية تقترب من نسبة 25%، سأنظر إلى ذلك باعتباره حقًا نهاية العلاقات التجارية بين ألمانيا والولايات المتحدة، لأن ذلك سيؤدي إلى عدم تحقيق أية سيارة صنعت في ألمانيا وبيعت في الولايات المتحدة، لأي ربح".

وقال آدم مارشال المدير العام لاتحاد غرف التجارة البريطانية، إن الأنباء وقعت كالصاعقة إذ أنها ستحدث "خرابًا هائلًا"، وتوقع أن الرسوم الجمركية ستضر المجتمعات المحلية في أجزاء كثيرة من بريطانيا. وأردف قائلًا إنه "مع انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، فإن قرار الحكومة الأمريكية بفرض رسوم جمركية عقابية هو تذكير مفيد بأن المصلحة الذاتية تلقي بظلالها على نطاق واسع في المفاوضات التجارية". وتابع أنه "يجب على الوزراء أن يفكروا في هذا الأمر مليًا قبل أن يتابعوا أي اتفاق تجاري مستقبلي بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية".

وقال وزير التجارة الدولية البريطاني ليام فوكس، إنه لا يزال يأمل في أن تقتنع الولايات المتحدة بأن الإنتاج الصيني المُفرط هو المشكلة وليس الإنتاج الأوروبي. ووصف فوكس هذه الرسوم الجمركية بأنها "مخيبة للآمال للغاية، ومنافية للعقل تمامًا"، نظرًا إلى أن بريطانيا هي من أمدت صناعة الدفاع الأمريكية بالصلب.

قد يتسبب إجراء ترامب  الضريبي الحمائي في اضطراب كبير في السوق العالمية

كما تلوح في الأفق أيضًا مليارات الدولارات من العقوبات التجارية المحتملة التي ستُفرض على الاتحاد الأوروبي جراء النزاع طويل الأمد بين شركتي بوينغ وإيرباص، مع انحياز منظمة التجارة العالمية  إلى الولايات المتحدة في إحدى القضايا في وقت سابق من هذا الشهر، وقرار آخر وشيك، يتوقع كثيرون بأن يصدر لصالح الاتحاد الأوروبي.

وقال وزير التجارة الأمريكي ويلبر روس إن الولايات المتحدة ليس أمامها خيار سوى فرض رسوم جمركية على الحلفاء في سعيها  إلى معالجة الإفراط في الإنتاج الصيني من الصلب والألمنيوم، والذي دخل الكثير منه إلى الولايات المتحدة عبر بلدان ثالثة للتهرب من الرسوم الجمركية الحالية التي تتعلق بمكافحة الإغراق.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل هذا عصر انتفاض الغرب ضد العولمة؟

هل حان دور فرنسا للخروج من الاتحاد الأوروبي؟